تنبيه [تأكيد لما وعد به المؤلف]
قد كنا وعدنا في أول كتابنا هذا أن نجمع فيه ما يتعلق بالقرآن الكريم من مسائل الاعتقاد والعبادات والمعاملات، وقد أتينا فيما قدمنا على ذلك وهو إن شاء الله مقصد صالح، ومتجر رابح، وتحصيل مفيد، إلا أن الكتاب طال بسبب ذلك وكثرة مباحثه وتعدد أجزائه، ورأينا الهمم ناقصة، والقرائح جامدة، والملل قد غلب، فربما يكون تكثير فوائده وتعدد مباحثه ومسائله، وتشعب فنونه سبباً لتركه والإعراض عنه فيفوت الغرض المقصود من نفع المسلمين وهدايتهم إلى ما يقربهم من رضا رب العالمين، فلما كان الأمر على ما وصفنا رأينا الاقتصار على الأهم هو الصواب، والمطابق لدليل العقل والسنة والكتاب، ولا شك أن أهم المقاصد، وأوجب ما يجب تقييده من الشوارد، هو ما يعين على تصحيح العقائد، ثم أمهات مسائل أصول الفقه إذ عليها مدار لولب كثير من مسائل الاعتقاد فضلاً عن غيرها، ولأجل ذلك كان الاقتصار من هذا الموضع على ما يتعلق بالاعتقاد من مسائل علم الكلام، ونسأل الله تعالى الإعانة على ذلك، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم. آمين.
[البقرة: 50]
قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}[البقرة:50] في الآية مسألتان:
المسألة الأولى [من معجزات النبي]
في هذه الآية وسائر ما قص الله على محمد من أخبار آباء بني إسرائيل معجزة باهرة، وحجة واضحة على أهل الكتاب لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أمياً لا يكتب ولا يقرأ ولم يخالط أهل الكتاب، فإذا أخبرهم والحال هذه [بما] يعلمونه في كتبهم مفصلاً علم أنه أخبر عن وحي وأنه صادق، فكان ذلك دليلاً على صحة نبوته صلى الله عليه وآله وسلم .
المسألة الثانية [دلالة الآية على وجود الصانع]
في الآية سؤال وهو أن فلق البحر في الدلالة على وجود الصانع المختار، وفي الدلالة على صدق موسى كالأمر الضروري فكيف جاز فعله في زمان التكليف.
قال الرازي: الجواب أما على قولنا فظاهر، ولعله أرد أنه يجوز من الله تعالى ولا يقبح منه إذ لا يقبح منه ما يقبح من غيره.
قال وأما المعتزلة فقد أجاب الكعبي بأن في المكلفين من يبعد عن الفطنة والذكاء، وعامة بني إسرائيل كانوا كذلك فاحتاجوا إلى التنبيه بالآيات الظاهرة كفلق البحر ورفع الطور وإحياء الموتى، ألا ترى أنهم بعد ذلك مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم {قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}[الأعراف: 138] وأما العرب فكانوا بخلاف ذلك، ولهذا اقتصر الله معهم على الدلائل الدقيقة، والمعجزات اللطيفة، وحاصل الجواب أن فلق البحر لم يكن في حكم الضروري فإنه لا يحصل به الدلالة لبني إسرائيل مع بلادتهم إلا بعد النظر في أن موسى لا يقدر على ذلك الفعل وأن ضربه لا يؤثر.
[البقرة:51]
قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ، ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[البقرة: 51،52] العفو: محو الجريمة من عفاه إذا درسه، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى [استطراد في ذكر الظالم]
قد تقدم معنى الظلم والمراد هنا أنهم قوم عادتهم الظلم، وأنهم ظلموا أنفسهم بإشراكهم حيث اتخذوا العجل إلهاً، والمكلف إذا فعل ما يؤديه إلى العقاب سمي ظالماً لنفسه، وفي هذه الجملة دليل على أن المعاصي ليست بخلق الله تعالى لأنه نسب الظلم إليهم وذمهم عليه، ولا يحسن ذم من لا يفعل ما يوجب الذم، وفيها دليل على أن الله تعالى لا يريد المعاصي؛ إذ لو أرادها لكانوا مطيعين له تعالى بفعلها لأن الطاعة عبارة عن فعل المراد.
المسألة الثانية [دلالة الآية على قبول التوبة]
قيل في قوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ }[البقرة: 52] دليل على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً لأن الله تعالى عد هذا العفو المرتب على التوبة المأمور بها بقوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ }[البقرة:54] من جملة النعم التي امتن بها على بني إسرائيل، فلو كان هذا العفو واجباً لما حسن جعله من باب الإنعام لأن من أدى ما يجب عليه للغير لا يقال إنه منعم عليه.
قلت: قد مر في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }[الفاتحة:2]. وهو الفعل بالوجوب لا يمنع من كونه نعمة.
قالوا:العفو إسقاط العقاب المستحق،فأما إسقاط ما يجب إسقاطه فذلك لا يسمى عفواً، دليله أن الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم فإنه إذا ترك تعذيبه لا يقال إنه عفى عنه، ويمكن أن يقال إنه قد ثبت بالدليل وجوب قبول التوبة كما مر في قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ}[البقرة:37] وحينئذ فيقال العفو هنا ليس على حقيقته، بل هو مجاز عن قبول التوبة وحصول المغفرة بجامع محو الذنب وسقوط العقاب بكل، والقرينة دليل وجوب قبول التوبة.
فائدة [في ذكر الفرق بين العفو والمغفرة]
الفرق بين العفو والمغفرة أن العفو يجوز أن يكون بعد العقوبة ويجتمع معها، وأما الغفران فلا يكون مع عقوبة.
قلت: ويجوز أن يكون العفو في الآية على حقيقته، ولا ينافي وجوب قبول التوبة، وذلك بأن يراد بالعفو عن قتلهم أنفسهم حتى ينفدوا، وقد أشار أبو حيان إلى أنه بهذا المعنى مقصود به الترك والتسهيل وهما من معاني عفا، قال: فيكون عنكم عام اللفظ خاص المعنى لأن العفو إنما كان عمن بقي منهم.
أقول: وعليه فالمراد بالعفو عن الباقين هو رفع إيجاب قتلهم أنفسهم، وقبول توبتهم من دونهم، ولامانع من ذلك. والله أعلم.
المسألة الثالثة [تأكيد مذهب العدلية في شكر العبد]
ظاهر الآية أنه تعالى إنما عفا عنهم لكي يشكروا، وذلك يدل على أنه تعالى لم يرد منهم إلا الشكر فيكون رداً لقول المجبرة أن الله تعالى أراد من الكافر الكفر.
[البقرة: 53]
قوله تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[البقرة: 53] في قوله تعالى لعلكم تهتدون دليل لما يذهب إليه أئمة العدل من أن الله تعالى يريد الاهتداء من الكل، وإبطال لقول من قال إنه يريد الكفر من الكافر إذ الخطاب عام، وأيضاً لو كان الله تعالى هو الذي يخلق الاهتداء في المهتدي والضلال في الضال لانتفت الفائدة من إنزال الكتاب والفرقان، ومن قوله تعالى: {تَهْتَدُونَ} لأن الاهتداء إذا كان بخلقه فلا تأثير لذلك؛ إذ يحصل الاهتداء من دون الكتاب، ولو جعل بدل الكتاب الواحد ألف كتاب ولم يخلق الاهتداء فيهم لما اهتدوا فيكون إنزال الكتب عبثاً تعالى الله عن ذلك، وكيف يجوز منه أن يقول أنزلت الكتاب لكي تهتدوا، والغرض أنه لا تأثير لإنزاله هل هذا إلا كذب محض يتحاشى منه أدنى الخلق فكيف بالخالق العليم الغني الحكيم.
قوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ}[البقرة: 54] القتل قال القرطبي: إماتة الحركة، وقتلت الخمر كسرت شدتها بالماء، وقال أبو حيان القتل: إزهاق الروح بفعل أحد من طعن، أو ضرب، أو ذبح، أو خنق أو ما شابه ذلك، وأما إذا كان من غير فعل فهو موت وهلاك، والمقتل المذلل، وفي الآية مسائل: