وفي إسناد ابن ماجة هشام بن عمار قال في التقريب: صدوق مقري كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح، وفي حواشيه عن أبي حاتم: صدوق تغير وقال صالح جزرة كان يأخذ على التحديث، وحديث أبي سعيد عن مسلم فيه أبو نظرة المنذر بن مالك.
قال في الميزان: قال ابن سعد: ثقة وليس كل أحد يحتج به، وأورده العقيلي في الضعفاء وما ذكر شيئاً يدل على لينه، وكذا ذكره صاحب الكامل ولم يذكر فيه شيئاً أكثر من أنه كان عريفاً لقومه، ولكن ما احتج به البخاري، وحديث جابر عند مسلم أيضاً فيه ابن جريج، قال في التقريب: ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل، وفيه أيضاً أبو الزبير محمد بن مسلم المكي وثقه جماعة، وتكلم عليه آخرون ورمي بالتدليس وإساءة الصلاة وغير ذلك، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا يحتج به، وغضب الشافعي على من احتج به. انظر الميزان.
وحديث أنس فيه أبو عوانة وقد مر ما فيه، والسند الثاني فيه محمد بن المثنى وثقه جماعة، وقال صالح جزرة: صدوق اللهجة في عقله شيء، وقال النسائي: لا بأس به كان يغير من كتابه، وفيه أيضاً محمد بن بشار بندار أثنى عليه جماعة ووثقوه، وقال في الميزان: كذبه الفلاس فما أصغى أحد إلى تكذيبه، وحكي عن ابن معين أنه كان لا يعبأ به ويستضعفه يعني القواريري أنه كان لا يرضاه وقال كان صاحب حمام، وفيه سعيد بن أبي عروبة وقد مر، وفي الثالث ابن المثنى وقد مر، ومعاذ بن هشام قال ابن معين: صدوق ليس بحجة، وقال ابن عدي: ربما يغلط، وقال الحميدي: لا تسمع من هذا القدري، وأبوه هشام الدستوائي قال في التقريب: رمي بالقدر وهو في سند البخاري، وفي سنده الآخر همام بن يحيى العوذي تكلم فيه جماعة من قبل حفظه. انظر الميزان.
فهذه كلماتهم في بعض رجال ما احتجوا به، وكيف يحتجون بما لم يثبت على أصولهم، وأما ما احتج لهم به من كتب أصحابنا فهم لا يقبلون غالب رجالنا ولا يعتمدون على مرويات أصحابنا ومع ذلك فهي محتملة للتأويل، ولعلها لا تخلو عن قادح من جهالة أو نحوها.
الوجه الثاني: من أوجه الجواب أن هذه الأخبار آحادية والمسألة قطعية لا يحتج فيها بالآحاد، فإن قيل: قد قرر غير واحد منهم تواترها منهم السيد محمد بن إبراهيم والمقبلي كما مر، قيل: شرط التواتر أن يكون عدد المخبرين في كل مرتبة جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة مستندين إلى الحس، وهذا مفقود هنا لأن الرواة عن الصحابةوالتابعين لم يبلغوا هذا القدر، وأيضاً الصحابة أنفسهم جماعة قليلة كما عرفت، وبعد فعيار ثبوت التواتر وتوفر الشروط حصول العلم وهو لم يحصل لكثير من مشاهير علماء الأمة، لا يقال: إنما تخلف لمانع وهو لا يقدح في التواتر لأنا نقول المانع إما الجهل بتلك الأخبار وتقصير في البحث عن طرقها، أو رسوخ عقيدة صادرة عن تقليد الآباء وتأثير الأسلاف، وكل هذا منتف عن خصومكم فإنهم أهل العلم الغزير والورع الشحيح، والدين المتين، والنظر الدقيق والبحث والتفتيش، وتأسيس العقائد على القواعد المستخرجة من البراهين الساطعة والحجج القاطعة، وكيف يظن بأهل بيت النبوة وأتباعهم الجهل بالعلوم وهم عيبة العلم ومعدن الحكم، ورؤساء الدين، من تمسك بهم نجا، ومن تخلف عنهم غرق وهوى، فإن قيل: المدعى هو التواتر المعنوي.
قلنا: ممنوع فإن شرطه بلوغ عدد المخبرين بآحاد الوقائع إلى حد التواتر وهو منتف هنا كما مر، وأيضاً لم تتعدد الوقائع فإنهم كلهم مخبرون عن ثبوت الشفاعة، واختلفت ألفاظهم وقد طعن فيها بذلك.
قال بعض أئمة العدل: هي أخبار عن واقعة واحدة رويت على وجوه مختلفة مع الزيادة والنقصان وذلك مما تطرق التهمة إليها، وبعد فالمخبرون هنا هم الخصوم وهم أهل الدعوى، وقد قرر أنه لا تقبل رواية الداعي إلى مذهبه، وروي عن المقبلي أنه قال لو روى أحد ما يقوي مذهبه لم تمسه الصحة.
الوجه الثالث: أن بعض تلك الأخبار مشتملة على التجسيم والتشبيه وغيرهما وبعضها أشد من بعض في الاشتمال على ذلك، وقد نزهنا كتابنا هذا عن بعض الألفاظ الشنيعة في ذلك كإثبات الصورة والساق وأضرابهما، واشتمالها على ما لا نزاع بيننا وبين خصومنا في بطلانه بحسب الظاهر مما يوجب التهمة في الأخبار المتضمنة له.
الوجه الرابع: أنها متناقضة فإن في بعضها ما يدل على عموم الشفاعة للمؤمن والكافر، وفيها ما يخص فساق الأمة، وفيها ما يشمل مؤمنهم وكافرهم، والخصم لا يثبت الشفاعة للكافر ويخص بالشفاعة العظمى الفاسق، والظاهر أن القصة واحدة، والحديث واحد، وهذا الاختلاف يدل على عدم ضبط الرواة لألفاظ الحديث، لا يقال يمكن حمل الاختلاف على تعدد الشفاعات فمنها عام ومنها خاص، والعام يتناول الكافر في إراحة الناس من الموقف وتعجيل الحساب ونحو ذلك ولا مانع من وقوع مثل هذه الشفاعة للكافر، وهكذا تؤول سائر الألفاظ بحسب ما يقتضيه اللفظ، وقد قيل إن الشفاعة تنقسم إلى خمسة أقسام ووزعت الأحاديث عليها لأنا نقول الظاهر أن الحديث واحد وقع في بيان أحوال القيامة وما يتعلق بها من الشفاعة، وحينئذ فاختلاف ألفاظه ليس لاختلاف الشفاعة بل لعدم ضبط الرواة، وأيضاً القول بثبوت أي شفاعة للكافر معارض بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ...}[البقرة: 48] الآية ونحوها، فثبت تناقض الروايات، وذلك دليل ضعفها فإن رجعوا إلى التخصيص والتأويل فليسوا بأولى منا، وقد استند بعض أصحابنا في إبطال بعض هذه الأحاديث إلى كونها طويلة فلا يمكن ضبط الحديث النبوي. والله أعلم.
الوجه الخامس: أنه قد تقرر أن الخبر إذا كان مما توفر الدواعي إلى نقله ولم يتواتر وجب رده، قيل: والقطع بكذبه، ومن موجبات التوفر أن يكون متعلقاً بأصول الدين، ولا شك أن هذه الشفاعة مما تتوفر الدواعي إلى نقلها فلو كانت صحيحة لتواترت.
الوجه السادس: أن هذه الأخبار معارضة بمثلها بل بأكثر منها، وقد تقدم بعض ذلك وهي ألفاظ صريحة في نفي الشفاعة عن كثير من أهل الكبائر، وما ثبت في البعض ثبت في الكل كما مر تقريره، والخصم يدعي التعميم، على أن أخبارنا موافقة لسائر أدلة الخلود في النار وهي كثيرة كتاباً وسنة، وقد روى الإمام المهدي وغيره عن الحسن البصري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي )) وفي لفظ: ((ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي )) ولا يضر إرساله لاعتضاده بأخبارنا الصريحة بنفي الشفاعة لمرتكب بعض الكبائر، ثم ظاهر الآيات المتقدمة وغيرها فهو أولى بالقبول وبالبقاء على الظاهر من حديث أنس وجابر.
الوجه السابع: أن أخباركم تدل على أن شفاعته ليست إلا لأهل الكبائر، وهذا غير جائز لأن شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم منصب عظيم، وتخصيصها بأهل الكبائر يقتضي حرمان أهل الثواب منها، وذلك غير جائز فلا أقل من التسوية، مع أنها معارضة بما مر من ثبوتها للمؤمنين، وهذا الوجه يمنع من إجراء أخباركم على ظاهرها.
الوجه الثامن: أن هذه الأخبار محتملة للتأويل فنحو حديث: ((شفاعتي لأهل الكبائر وللمذنبين من أمتي ولمن مات لا يشرك بالله شيئاً)) وما أدى إلى هذا المعنى مأول بأهل التوبة فيقال شفاعته لهؤلاء بعد التوبة إذ يكون ثوابهم قليلاً لتقدم المعاصي منهم فيشفع لهم صلى الله عليه وآله وسلم حتى يقاربوا أهل الطاعات، وقيل: تأثير الشفاعة في أن يتفضل الله عليهم برد ما انحبط من ثواب الطاعة، وقد قيل في تأويل حديث شفاعتي لأهل الكبائر... إلخ المراد منه شفاعتي لأهل الكبائر بهمزة الإنكار كما قيل في قوله تعالى: {هَذَا رَبِّي }[الأنعام:76] أي أهذا ربي، وقد روى بعض المعتزلة الحديث بالتصريح بالهمزة، لكن يرفع هذا التأويل بسائر الأخبار، ومنهم من قال إن لفظ الكبيرة غير مختص بالمعصية لا في اللغة ولا في الشرع فيتناول الطاعة، وعليها يحمل الحديث، فيقال: الشفاعة لأهل كبائر الطاعات وفيه ما مر، وأما سائر الأخبار فيقال في تأويلها المراد بها من مات على التوبة وما في بعضها من كان في قلبه ما يزن من الخير ذرة ونحوه، المراد منه أن يكون قد استحق الثواب بالتوبة وبزيادة هذا المقدار وما فيها من ذكر خروجهم من النار بالشفاعة أنهم قد صاروا فحماً وضبائر وكعيدان السماسم ونحو ذلك، فقال القرشي: لا بد من ترك ظاهره لأن أهل النار لا بد أن يكونوا أحياء، والفحم لا تصح الحياة فيه، ثم ذكر أن المراد يخرج من عمل أهل النار.
قال: وشبههم بالفحم والحمم لعظم ذنوبهم فكأنهم قد احترقوا.
قيل: المراد خروجهم عن الحكم والاستحقاق وهو قريب من الأول لأن من خرج عن عمل أهل النار فقد خرج عن استحقاقها والحكم له بها، وهذا المعنى شائع قال الله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}[آل عمران:103] فالمراد التشبيه فكأنهم لفرط انهماكهم بالمعاصي واستحقاقهم للعقاب قد أشرفوا عليه وقاربوا محله، ودعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهدايتهم إياهم إلى الهدى ودلالتهم عليه هو الذي أنقذهم من ذلك العقاب، ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد سمع قارئاً يقرأ قل هو الله أحد فقال: ((أما هذا دخل الجنة )) وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال حين سمع المؤذن يقول أشهد أن لا إله إلا الله: ((خرج من النار)) روى هذين الحديثين بعض أئمتنا أخرج الأخير منهما أحمد ومسلم والترمذي وصححه، فإن قيل: لو أراد الشارع المعنى الذي جنحتم إليه والتأويل الذي حملتموها عليه لبنه عند النطق بها عليه، وإلا كان ملغزاً وحاملاً للسامع على اعتقاد جهل لظهورها فيما ذهب إليه الخصوم، وذلك لا يجوز منه.
قيل: المجاز باب عظيم تتخرج عليه كثير من آيات القرآن الكريم، وعليه أهل اللغة بل استعمالهم إياه أكثر من استعمالهم للحقيقة لما فيه من البلاغة، فلو منع هذه الأخبار لما ذكرتم لمنع في الكتاب وسائر الأخبار النبوية والآثار العلوية، ثم إن الذي عليه النظار من المتكلمين وأهل المعاني أن القرينة إذا كانت معلومة عند المتكلم والسامع حسنت المبالغة في التجوز من دون تنصيص عليها، بل ظاهر كلام بعضهم أن ظن القرينة كاف في حسنه، والحكمة في إيراد مثل هذا في السنة هي الحكمة في إيراد المتشابه في التنزيل، وهذا نوع من المتشابه، والكتاب والسنة أخوان، فإن قيل ما الفائدة في تخصيص التائبين من الكبائر بالذكر على مقتضى تأويلكم والشفاعة عندكم لكل مؤمن سواء كان قد تلبس بكبيرة ثم تاب منها أم لم يتلبس بها أصلاً.
قيل: الفائدة دفع توهم سقوط دفع حظهم من الشفاعة لارتكابهم الكبائر والتنبيه على أنهم أحوج إليها من حيث أنهم قد صاروا في عداد الفقراء ليس لهم إلا ثواب التوبة، فهذا تحقيق مسألة الشفاعة وما يتعلق بها من الخلاف والاستدلال، وقد جمعنا في بعض هذه الأوراق ما تفرق في مواضع من كتب المؤالف والمخالف، وأتينا من أدلة الفريقين بما به يظهر للناظر المنصف الحق في المسألة، ونسأل الله أن يعصمنا من الزيغ والزلل، وأن يوفقنا إلى معرفة الحق على الوجه الأكمل.
واعلم أنه روى في البدر الساري عن الإمام الناصر محمد بن علي أنه قال: لا يجب بالشفاعة أكثر من التصديق بها، وأما كيفية من يستحقها فأمر راجع إلى الله سبحانه ونؤمن بها على الوجه الذي يريده سبحانه، والإيمان بالشفاعة قول باللسان واعتقاد بالجنان وهي المراد بقوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً }[الإسراء: 79] وقوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى }[الضحى:5] ونحن نؤمن بها ونصدق بما ورد فيها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
تنبيه [في المطلوب بالشفاعة]
اختلف أئمة العدل في المطلوب بالشفاعة فقال أئمتنا وجمهور المعتزلة: المطلوب بها أن يجعل لهم من الدرجات وزيادة النعيم فوق ما كانوا يستحقونه ثواباً على أعمالهم تفضلاً منه جل وعلى.
وقال أبو الهذيل: بل المطلوب أن يعود الثواب الذي أسقطته المعصية، وردّ بما مر في الثانية من مسائل قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ...}[البقرة:37] الآية من أنه يلزم أن يكون التائب من الكبيرة أحسن حالاً منه لو لم يرتكبها إذ يكون له ثواب التوبة مع ثوابه الأول.
قال القرشي: وله أن يقول إن ثواب التوبة هو أن يعود بها وبالشفاعة ما سقط من ثوابه فيكون كمن لا ذنب له، فيكون ذلك مطابقاً لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((التائب من الذنب كم لا ذنب له )).
قلت: لو كان المطلوب بها ما ذكره أبو الهذيل للزم أن يختص بها التائبون عن المعاصي دون من ثبت على الإيمان طول حياته ولم يتلبس بكبيرة، ولا أظن أبا الهذيل يلتزم هذا. والله أعلم.
تنبيه [في تأكيد الشفاعة]
قد تضمنت الأحاديث المتقدمة ثبوت الشفاعة لغير نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد روي عدة أحاديث في ثبوتها للأنبياء والعلماء وغيرهم، اللهم ارزقنا الشفاعة وكرمنا بها يا كريم.