قلنا: فارضوا منا بمثله في الفاسق، ولنختم هذه الحجة بكلام للسيد محمد بن رشيد رضا ذكره في تفسيره المسمى بـ(المنار) والظاهر أنه منسوب إلى خصومنا ومعدود من علمائهم فيكون حجة عليهم، ولفظه أقول: إن مثل من يقترف السيئات معتمداً على العفو والشفاعة كمثل من يرتكب الجرائم في ملأ من الناس وعلى رؤوس الأشهاد، متعرضاً لقبض الشرطة عليه وسوقه إلى المحكمة لتحكم عليه بعقوبة الجريمة اعتماداً على أن الأمير أو السلطان قد يعفو عنه بعد الحكم عليه بالعقوبة، ومثل هذا لا يختلف اثنان في حمقه، والله تعالى قد بين لنا شرط نفع الأعمال الصالحة في مغفرة الذنوب وهو اقترانها بالتوبة الصحيحة كقوله في حكاية دعاء الملائكة للمؤمنين: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ...}[غافر: 7] الآيات، وقوله: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً}[الفرقان: 71] وقوله: {وَإِنّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى}[طه:82] وأما الشفاعة فحسبك قوله فيها: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى }[الأنبياء:28] مع الجزم بأنه تعالى لا يرضى بالكذب، ولا بغيره من الجرائم.
الحجة الثانية عشرة: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ...}[البقرة:254] الآية، وهي نص صريح لأنها خارجة مخرج الزجر والتهديد على ترك هذا الإنفاق المأمور به، ولا شك أن هذا الإنفاق واجب وإلا لما وقع التحذير من تركه، وهذا الخطاب للمؤمنين صريحاً، وقد تضمن نفي الشفاعة لمن أخل بهذا الواجب، والإخلال به ليس بشرك ولا خروج عن الإسلام، بل معصية كبيرة، فثبت نفي وقوع الشفاعة لمن ارتكب كبيرة من الأمة؛ إذ لافرق بين كبيرة وكبيرة.
الحجة الثالثة عشرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل شفاعته مترتبة على فعل الطاعات.
قال في (العلوم): حد ثنا محمد، قال: حدثني أحمد بن عيسى، عن حسين، عن أبي خالد، عن زيد، عن آبائه، عن علي عليه السَّلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما من امرئ مسلم قام في جوف الليل إلى سواكه فاستن ثم تطهر فأسبغ الوضوء ثم قام إلى بيت من بيوت الله عز وجل إلا أتاه ملك فوضع فاه على فيه فلا يخرج من جوفه شيء إلا دخل في جوف الملك حتى يجيء به يوم القيامة شهيداً شفيعاً)) ورواه في المجموع.
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا محمد بن محمد بن إبراهيم الجزار، قال: أخبرنا أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزار ، ثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، حد ثنا الفضل بن غانم ، ثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه عن جده، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً وكنت له يوم القيامة شافعاً وشاهداً)).
وفي أمالي أبي طالب: أخبرنا ابن عدي، أنا عبد الله بن يحيى، ثنا علي بن حجر ، ثنا إسحاق بن بجيح، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من السنة كنت له شفيعاً يوم القيامة )) أخرجه ابن عدي.
وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من سنتي أدخلته يوم القيامة في شفاعتي )) أخرجه ابن النجار، وهذا الحديث له طرق إلا أن بعضها ليس فيه ذكر الشفاعة، بل معناه أنه من حفظ على الأمة أربعين حديثاً بعث يوم القيامة فقيهاً.
قال النووي: قد روينا هذا الحديث عن علي وابن مسعود، ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري من طرق كثيرة، وروايات متبوعات، واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه.
وفي مختصر المقاصد الحسنة أنه ليس فيها طريق تسلم من العلة، وقال البيهقي عقب حديث أبي الدرداء: هذا متن مشهور فيما بين الناس، وليس له إسناد صحيح.
قلت: اتفاق الحفاظ على ضعفه لا يمنع من الاحتجاج به؛ لأن ضعفه إنما هو باعتبار عدم تكامل شروط الصحيح على قواعد أهل الأثر لأن ذلك الضعف منجبر بكثرة الطرق، وقد دل على هذا كلام البيهقي فإنه لم ينف إلا صحة السند لا صحة المتن وصلاحيته للاحتجاج به، ولهذا حكم بشهرته.
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا أبو الطيب طاهر بن عبد الله إمام الشافعية بقراءتي عليه، ثنا أبو العباس أحمد بن محمد الأنماطي إملاء، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد الأستاذ آباذي، ثنا أبو توبة أحمد بن سالم العسقلاني، ثنا الحسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((نعم الشفيع القرآن يوم القيامة يقول يا رب إنك جعلتني في جوفه فكنت أمنعه شهوته يا رب فأكرمه، قال فيكسى حلة الكرامة، قال فيقول يا رب زده فيرضى عنه فليس بعد رضاء الله شيء)).
وفيه أخبرنا أبو بكر بن ريذة قراءة عليه أخبرنا الطبراني، ثنا الديري، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((تعلموا القرآن فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة ، تعلموا البقرة وآل عمران، تعلموا الزهراوين فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يجادلان عن صاحبهما، تعلموا البقرة فإن تعلمها بركة، وإن تركها حسرة ولا تطيقها البطلة)) يعني بالبطلة السحرة.
وله عنده طريق أخرى عن ابن إسحاق إبراهيم بن طلحة بن غسان، عن أبي بكر أحمد بن محمد الأسفاطي، عن أبي خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، عن مسلم، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده، عن أبي أمامة. فذكره، وأخرجه مسلم عن الحسن بن علي الحلواني، عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن معاوية بن سلام، عن زيد بن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، والغمامة والغياية باثنتين من أسفل فيهما: ما أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة أو غيرها، والمراد أنهما كغمامتين، والفرقان بكسر الفاء وسكون الراء: القطعتان والجماعتان.
وقال الهادي في الأحكام: بلغنا عن زيد بن علي عن آبائه، عن علي عليه السَّلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يأتي القرآن يوم القيامة وله لسان طلق ذلق قائلاً مصدقاً، وشفيعاً مشفعاً، فيقول يا رب جمعني فلان عبدك في جوفه فكان لا يعمل في بطاعتك ولا يجتنب في معصيتك، ولا يقيم في حدودك، قال فيقول: صدقت فتكون ظلمة بين عينيه وأخرى عن يمينه وأخرى عن شماله، وأخرى من خلفه تنتره هذه، وتدفعه هذه حتى يذهب به إلى أسفل درك من النار، قال ويأتي فيقول يا رب جمعني فلان عبدك في جوفه فكان يعمل في بطاعتك، ويجتنب في معصيتك، ويقيم فيّ حدودك، فيقول: صدقت فيكون له نوراً يسطع ما بين السماء والأرض حتى يدخل الجنة، ثم يقال: له اقرأ وارق فلك بكل حرف درجة في الجنة حتى تساوي النبيين والشهداء هكذا -وجمع بين المسبحة الوسطى-)).
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم بقراءتي عليه، ثنا ابن حبان، أخبرنا أبوبكر بن أبي عاصم، ثنا ابن عمار، ثنا الربيع بن بدر، ثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((القرآن شافع مشفع وماحل مصدق ، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار)) ورواه في الجامع الصغير، وقال: أخرجه ابن حبان، والبيهقي في الشعب عن جابر، والبيهقي فيها، والطبراني في الكبير عن ابن مسعود، قال الشيخ العزيزي: حديث صحيح.
قوله: وماحل: أي خصم مجادل، وقيل: ساع من قولهم محل بفلان إذا سعى به إلى السلطان، والمراد أنه مجادل عنه، أو ساع في رفع مرتبته إن كان مؤمناً، أو أنه يجادله بأن يخبر بتركه العمل به كما مر، ويسعى به إلى من يجازيه بقبيح فعله إن كان مجرماً. والله أعلم.
وفي أمالي المرشد بالله: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لأصحابها أو لصاحبها حتى غفر له تبارك الذي بيده الملك)) وأخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن الضريس، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب.
وفي أمالي المرشد بالله عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم شهد له يوم القيامة بشهادة وشفعت له بشفاعة)).
وفيه أخبرنا ابن ريذة، أخبرنا الطبراني، ثنا الحسين بن إسحاق التستري وعبدان بن أحمد قالا: حد ثنا محمد بن مصفى، ثنا بقية بن الوليد، ثنا إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: {فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ }[النساء:173] قال: ((أجورهم يدخلهم الجنة ، ويزيدهم من فضله: الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة لمن صنع إليهم المعروف في الدنيا)) وأخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والإسماعيلي في معجمه، قال السيوطي: بسند ضعيف.
وفي أمالي أبي طالب: أخبرنا أبي، ثنا حمزة ابن القاسم، أنا سعد بن عبد الله، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة، عن الصادق، عن أبيه، عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الله سبحانه يجمع فقراء هذه الأمة ومياسيرها في رحبة باب الجنة ثم يبعث منادياً فينادي من بطنان العرش: أيما رجل منكم وصله أخوه المؤمن في الله ولو بلقمة من خبز فليأخذ بيده على مهل حتى يدخله الجنة قال وهم أعرف بهم يومئذ منهم بآبائهم وأمهاتهم، فيجيء الرجل منهم حتى يضع يده على ذراع أخيه المكرم له الواصل له، فيقول: يا أخي أما تعرفني ألست الصانع بي كذا وكذا فيعرفه كل شيء صنعه به من البر والتحفة فقم معي، فيقول: إلى أين؟ فيقول: لأدخلك الجنة فإن الله عز وجل قد أذن لي في ذلك فينطلق به آخذاً بيده ولا يفارقه حتى يدخله الجنة بفضل رحمة الله عز وجل لهما ومنه عليهما)) وهو نص في أن شفاعة هؤلاء إنما تكون لمن وصلهم مؤمناً دون غيره، وإلا لما كان للتقيد بالأخ المؤمن فائدة، ويؤكده اشتراط كون تلك الصلة خالصة لوجه الله تعالى كما يدل عليه قوله (في الله).
وفي (أمالي المرشد بالله) أخبرنا ابن غسان، ثنا أبو الطيب، ثنا ابن مكرم، ثنا نصر بن علي، أخبرني أبي، ثنا الحسن بن أبي الحسناء، قال: سمعت أبا العالية البراء يقول: لما قتل الحسين بن علي أتى عبيد الله برأسه فأرسل إلى أبي برزه... الحديث، وفيه: قال عبيد الله: كيف ترى شأني وشأن الحسين بن علي يوم القيامة؟ قال: الله أعلم وما علمي بذلك، قال: إنما أسألك عن رأيك، قال: إن سألتني عن رأيي فإن حسيناً يشفع له يوم القيامة أبوه، ويشفع لك زياد... الخبر، وفيه دليل على أن المعروف عند الصحابة والمشهور فيما بينهم أن شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تكون إلا للمطيعين دون العاصين؛ إذ الخلاف في من تكون له الشفاعة لم يقع يومئذ، وإنما كانوا في مسائل الأصول على دين واحد وعقيدة واحدة، وإنما ظهر الخلاف في زمن التابعين.
وفي الجامع الصغير عن علي مرفوعاً: ((شفاعتي لأمتي من أحب أهل بيتي )) أخرجه الخطيب، قال الشيخ العزيزي: حسن لغيره.
وفي أمالي المرشد (بالله عليه السَّلام ): أخبرنا ابن ريذة، أخبرنا الطبراني، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أبو كريب، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا عمرو بن حفص، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما من مسلم يقول حين يسمع النداء بالصلاة فيكبر ويشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم يقول: اللهم أعط محمداً الوسيلة واجعل في الأعلين درجته، ومن المصطفين محبته، وفي المقربين ذكره إلا وجبت له الشفاعة يوم القيامة)).
وفي (أمالي المرشد بالله) أخبرنا ابن غيلان، أخبرنا أبو بكر الشافعي، ثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، ثنا علي بن عياش الحمصي، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة)) وأخرجه البخاري عن علي بن عياش بالسند المذكور، وأخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل، والترمذي عن محمد بن سهل وإبراهيم بن يعقوب، وأخرجه أيضاً النسائي عن عمرو بن منصور، وابن ماجة عن محمد بن يحيى والعباس بن الوليد، ومحمد بن أبي الحسين سبعتهم عن علي بن عياش، وعياش بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف بعدها ألف ثم شين معجمة، والحديث أخرجه أحمد والإسماعيلي، وقد توبع ابن المنكدر عليه عن جابر فأخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي الزبير عن جابر نحوه.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) وأخرجه أبو داود.
وفي أمالي أبي طالب أخبرنا ابو الحسين النجري، ثنا الحسين بن علي المصري، ثنا أحمد الأودي، ثنا ابن الحباب، ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن عمرو، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما من عبد مؤمن يسأل الله لي الوسيلة في الدنيا إلا كنت له شهيداً أوشفيعاً يوم القيامة)).
وفيه أخبرنا أبو الحسين الحسيني، ثنا ابن مهرويه، ثنا داود الغازي، ثنا علي بن موسى الرضا، عن أبيه الكاظم، عن أبيه الصادق، عن أبيه الباقر، عن أبيه زين العابدين، عن أبيه الحسين، عن أبيه علي عليه السَّلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ثلاثة أنا شفيع لهم يوم القيامة : الضارب بسيفه أمام ذريتي، والقاضي لهم حوائجهم عند ما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه)).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث طويل يخاطب علياً عليه السَّلام : ((إنك غداً على الحوض خليفتي تذود عنه المنافقين ، وأنت أول من يرد علي الحوض، وأنت أول داخل الجنة من أمتي، وإن شيعتك على منابر من نور راوين مرويين بيض وجوههم حولي أشفع لهم فيكونون في الجنة جيراني، وإن عدوك غداً ظلماء مظلمين مسودة وجوههم مفحمين)) وفيه: ((إن الله أمرني أن أبشرك أنك وعترتك في الجنة وأن عدوك في النار)) رواه الخوارزمي من طريق زيد بن علي عليه السَّلام .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي )) رواه الهادي في الأحكام، وأخرجه ابن عدي، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر، قال العزيزي: بإسناد ضعيف.
قلت: رواية الهادي عليه السَّلام تدفع ضعف إسنادهما.
وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة )) قال العلقمي: بجانبه علامة الحسن.
وفي أمالي أبي طالب: أخبرنا أبو العباس، أنا الحسن القصري، ثنا فضالة بن محمد، ثنا سليمان بن الربيع، عن كادح، عن موسى بن وحية، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السَّلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن أقربكم مني غداً وأوجبكم علي شفاعة أصدقكم لساناً وأداكم لأمانته، وأحسنكم خلقاً، وأقربكم من الناس......)).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول: ((أنا شفيع لكل أخوين تآخيا في الله من مبعثي إلى يوم القيامة))رواه الهادي.
وهذا القدر كاف إذ الاستقصاء متعذر، والتطويل بالزيادة يخرجنا عن المقصود، والمراد التنبيه والدلالة على كثرة الأحاديث في هذا المعنى، أعني كون الشفاعة مترتبة على حصول الطاعة.
قال النووي: وكم من حديث صحيح جاء في ترغيب المؤمنين الكاملين بوعدهم بشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
قلت: ومجموع تلك الأحاديث مع كثرتها تفيد تواتر القدر المشترك وهو أنه لا شفاعة إلا للمطيعين، وإلا لم يكن للترغيب في تلك الأسباب فائدة، وليس للخصم أن يقول تلك الخصال من أسباب الشفاعة ولو كان فاعلها من أهل الكبائر كما يفيده الظاهر؛ لأنا نقول الكبائر محبطة للأعمال كما مر، وإذا كانت هذه الخصال قد بطلت وحبطت فكيف تؤثر في استحقاق فاعلها الشفاعة إذ لا معنى لإحباطها إلا بطلان ما يترتب عليها من الثواب والسلامة من العقاب وسائر وجوه النفع، على أن هذا خلاف مذهب الخصم فإن عنده أن الشفاعة لأهل الكبائر ثابتة ولا يتوقف ثبوتها على سبب غير الإسلام، فإن قيل: يجوز حمل الشفاعة المترتبة على فعل الطاعة على بعض الشفاعات الكائنة في ذلك اليوم فإن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم شفاعات متعددة منها ما يختص به أهل الكبائر وذلك في العفو عنهم قبل دخولهم النار أو بعده، ومنها لكامل الإيمان في تخفيف الحساب وزيادة الدرجات ونحو ذلك، فلا مانع من حمل هذه الشفاعات على زيادة الدرجات للمؤمنين الفاعلين لشيء من تلك الأسباب أو تخفيف حسابهم، وحينئذ فلا تعارض بينها وبين الشفاعة العظمى الكائنة لأهل الكبائر.