قالوا: وفي حكم المسور كل ما يجري مجراه في إفادة العموم لجميع الأفراد كأل الاستغراقية، وسائر صيغ العموم نحو الرجال لم يقوموا، ولم يقم الرجال، ومنهم من قال: إن وقع لفظ كل في حيز النفي كان النفي موجهاً إلى العموم خاصة لا إلى أصل الحكم، ويفيد بمفهومه ثبوت الحكم لبعض الأفراد، والقضية حينئذ سالبة جزئية لأن المنفي هو العموم فلا ينافي ثبوت الحكم للبعض، وسواء وقعت في حيز النفي لفظاً نحو: ما جاء كل القوم، ولم آخذ كل الدراهم، أوتقديراً نحو: كل الدراهم لم آخذ، وإن وقع النفي في حيزها اقتضى عموم السلب أي نفي الحكم عن كل فرد، والقضية حينئذ سالبة كلية كقوله صلى الله عليه وآله وسلم -لما قال له ذو اليدين: أنسيت أم قصرت الصلاة-: ((كل ذلك لم يكن )) وقول أبي النجم:
قد أصبحت أم الخيار تدعي .... علي ديناً كله لم أصنع
برفع كل، وهذا قول عبد القاهر، واختاره ابن هشام في المغني، ورواه عن البيانيين وهو قول صاحب الفصول، وهذا حاصل معنى القاعدتين، وإذا عرفت معناهما فلنذكر الجواب على هذا الاعتراض على مقتضى كل واحدة منهما فنقول: أما على ما ذكره المناطقة فلنا عنه جوابان: جملي، وتفصيلي.
أما الجملي فهو: أن القرآن عربي والواجب تخريجه وتوجيه الاستدلال به على اللغة العربية لا على القواعد الفلسفية والمنطق من علوم الفلاسفة التي قصدوا بها هدم معالم الدين، والقدح في شرائع النبيين، وإطفاء نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وقد مر في المقدمة ذكر المفاسد اللازمة من هذا الفن، وبيان قبحه والاستغناء عنه في تقرير القواعد الدينية.

وأما التفصيلي: فلا شك أنهم يقولون إن بعض الموجبة الكلية ثابتة جزئية، ومرادهم بالموجبة الكلية ما سورت بكل أو نحوه نحو: كل إنسان حيوان، نقيضه بعض الإنسان ليس بحيوان، قالوا: فإن عريت عن السور سميت مهملة نحو الإنسان حيوان، ونقيضها سالبة مثلها نحو: الإنسان ليس بحيوان، وتقسيم القضية إلى موجبة كلية ومهملة إنما هو باعتبار الموضوع فإن دخل عليه ما يفيد بيان كمية أفراده وحصرها والإحاطة بها سميت موجبة كلية، وإن عري عن ذلك وكان كلياً كالإنسان والشفيع سميت مهملة، إذا عرفت ذلك فقول المعترض أن قولنا للظالمين حميم وشفيع موجبة كلية باطل، بل هي مهملة لخلو موضعها وهو حميم وشفيع عن السور، والحكم في المهملة على أفراد الموضوع أي ما صدق عليه حميم وشفيع للظالمين يطاع، واختلف في نقيضها ما هو؟ فمنهم من قال: إن نقيضها إنما هو بحسب الكيف أي الإيجاب والسلب بأن تبدله إن كان إيجاباً بسلب والعكس كما في الآية فإن قوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}[غافر:18] نقيض لقولنا للظالمين حميم وشفيع، والمعنى أن ما صدق عليه أنه حميم وشفيع من الأفراد لا يكون للظالمين، وهذا نص في نفي الشفاعة لكل ظالم؛ لأن قوله حميم وشفيع متناول لكل فرد لوقوعه في سياق النفي المؤكد بمن، ولتناوله ما صدق عليه كما مر، و(أل) في الظالمين للعموم، ودلالة الجمع المعرف كلية كما مر، ومنهم من قال: بل نقيضها سالبة كلية؛ لأن المهملة الموجبة في قوة الموجبة الجزئية ونقيض الموجبة الجزئية نحو الإنسان حيوان سالبة كلية، وهو لا شيء من الإنسان بحيوان، والآية من هذا القبيل فإن نقيض قولنا للظالمين حميم وشفيع قوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}[غافر:18] وهو سالبة كلية؛ لأنه نكرة في سياق النفي، وقد نص على ذلك بعض المحققين، أي نص على أن النكرة المنفية إذا عمت نحو لم يقم إنسان سالبة كلية لا مهملة لأن

الحكم فيها مسلوب عن كل واحد من الأفراد، وكذلك في الآية الحكم وهو متعلق الخبر مسلوب عن كل واحد من أفراد الحميم والشفيع،والمعنى ليس فرد من أفراد من يصدق عليه أنه حميم أو شفيع نافع أو حاصل للظالمين، سلمنا أن النكرة المنفية ليست سالبة كلية بل سالبة مهملة، فالقائلون بذلك يقولون إنها في قوة السالبة الكلية المقتضية للنفي عن كل فرد لورود موضوعها في سياق النفي، وفي هذا مطلوبنا، وبما قررنا تعرف أن الآية حجة لنا لا علينا، وبطلان اعتراض المعترض، وأنه بناه على غير أساس، وأخرجه عن قواعد أهل هذا الفن جهلاً أو تجاهلاً، والذي يظهر منه المغالطة لأن الظاهر أنه العلامة الرازي فإنه ذكره في تفسيره وهو لا يجهل قواعد المنطق لكنه كثير المغالطة والتمويه، وتوضيح مغالطته على ما يفيده كلامه: أنه جعل (أل) الاستغراقية في الظالمين بمعنى كل في إفادة كون القضية مسورة، وحكم بأن قولنا للظالمين حميم موجبة كلية، والآية سالبة جزئية نقيضة لتلك بناء على القاعدة وهي أن نقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية، ورتب على هذا جعل السلب عن بعض الظالمين، وهذه مغالطة ظاهرة لما عرفناك من أن وصف القضية بأنها موجبة كلية أو نحوه لا يكون إلا باعتبار الموضوع وهو قد جعله باعتبار المحمول.

وأما ما ذكره بعض أهل العربية فلا يصح بناء الاعتراض عليه، أما الأولون فلأن كلامهم مبني على ما إذا دخل حرف النفي على صيغة العموم، أو تأخر عنها وكانت الصيغة داخلة على المسند إليه، فقالوا في هذا إذا تأخر كل أو نحوه أفاد سلب العموم المقتضي لثبوت الحكم للبعض كما مر، وفي الآية صيغة العموم داخلة على المسند وهي للظالمين، لا يقال بل حرف النفي داخل على المسند إليه وهو حميم وشفيع وهما نكرة والنكرة في سياق النفي للعموم، وقد تأخرت عن حرف السلب فتفيد سلب عموم الحميم والشفيع للظالمين أي نفعهما، وذلك يقتضي ثبوت نفع بعض من يطلق عليه هذين اللفظين للظالمين، والمراد من الظالمين بعضهم وهم عصاة الأمة للإجماع على خروج الكافر؛ لأنا نقول لم تتأخر هنا صيغة العموم على النفي لأن النكرة ليست صيغة العموم، بل النفي هو صيغة عموم النكرة.

قال السبكي: أما مالم يقم إنسان فلا يقال تأخرت فيه صيغة العموم وهي النكرة عن النفي لأن النفي هو صيغة عموم النكرة، وأيضاً فإنهم لم يحتجوا على أن تأخير كل ونحوه عن حرف السلب يفيد سلب العموم إلا بأن السالبة المهملة عن السور نحو لم يقم إنسان في قوة السالبة الكلية، نحو: لا شيء من الإنسان بقائم، ومعنى أنها في قوتها أنها تقتضي نفي الحكم عن كل فرد لورود موضعها نكرة في سياق النفي، قالوا: فإذا كان لم يقم إنسان بدون كل معناه نفي القيام عن كل فرد وجب أن يكون عند دخول لفظ كل أو ما في معناه لسلب العموم عن الجملة؛ إذ لو كان للنفي عن كل فرد لم يحصل بدخول كل إلا تأكيد المعنى الحاصل قبل دخولها، بخلاف ما إذا أفاد الكلام معها نفي الحكم عن الجملة لا عن كل فرد فهو لإفادة معنى لم يحصل، فيكون تأسيساً وهو أرجح من التأكيد، وهذا تصريح منهم بأن النكرة في سياق النفي تقتضي نفي الحكم عن كل فرد، وأنهم لا يجعلون النكرة بعد النفي لسلب العموم فلا يمكن بناء المعترض اعتراضه على كلامهم، ولا تخريجة للآية على قاعدتهم.
وأما كلام عبد القاهر ومن وافقه فيقال: لا نسلم ثبوت دعواهم فإنه قد يتوجه النفي عند وقوع كل ونحوه في حيزه لعموم النفي نحو: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } [الحديد:23]، {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } [البقرة:71] {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ }[القلم:10] {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ }[البقرة:205]، والمراد قطعاً نفي محبة كل فرد وكل فساد، والنهي عن طاعة كل حلاف مهين، لا نفي محبة بعض هؤلاء والنهي عن طاعة بعضهم دون كل فرد.

سلمنا فقد صرح في الفصول بأن ذلك خاص بكل، وهو ظاهر كلام ابن هشام وروايته عن البيانيين، سلمنا فكلامهم فيما إذا تأخرت صيغة العموم عن النفي، وفي الآية ليس كذلك لما مر إذ المتأخر النكرة، فإن قيل: يمكن تخريج الآية على ما ذكره عبد القاهر لأنه لم يشترط دخول النفي على المسند إليه، بل يكفي دخولها على أداة العموم، سواء كان المصحوب بالأداة مسنداً إليه أم لا، فيقال: قد دخلت ما على الظالمين و(أل) فيه للعموم، فيكون المعنى ما لكل ظالمين من حميم ولا شفيع، وهذا يقتضي ثبوتهما لبعض الظالمين على ما قرره، فالجواب من وجوه:
أحدها: أنا لا نسلم هذه الدعوى كما مر.

الثاني: أن هذا الحكم خاص بلفظ كل على ما اختاره صاحب الفصول وابن هشام، وهو الظاهر من كلام عبد القاهر المحكي في التلخيص وشروحه، ويؤيده رواية ابن هشام عن البيانيين، وهذا هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في نقل هذا المعنى عن البيانيين لظاهر إطلاق أهل العربية والأصول فإنهم يطلقون كون (أل) للعموم، ولم يفصلوا بين أن يتقدمها نفي أو لا، وهم حجة في فنهم؛ ولأن من استقرأ الكتاب والسنة علم عدم الفرق، وأن ما ذهب إليه السائل لا يصح عقلاً ولا لغة قال الله تعالى: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ }[البقرة:205] وقال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ }[الأنعام:151] ولم يقل أحد أن الآية تقتضي جواز قتل بعض الأنفس التي حرم الله بغير حق، وقال: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ }[غافر:31] ولا يجوز أن يقال أنه يريد ظلماً لبعضهم، ومثلها: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ }[فصلت:46] وقال تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }[الأعراف:31] {فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ }[الإسراء:33] {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ }[التوبة:96] {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ }[الزمر:7] وغير ذلك كثير مما علم فيه أنه لا يجوز إثبات الحكم لبعض المنفي عنهم.
الثالث: ثبوت الحكم لبعض الأفراد ليس قطعياً عند القائل به؛ لأن سلب العموم يصدق بعموم السلب، وذلك لأن عدم ثبوت الحكم لكل الأفراد كما يصدق بثبوته للبعض يصدق بنفيه عن كل فرد، وإذا كان سلب العموم يحصل بالحمل على عموم السلب كالعكس والكلام محتمل لهما، وجب الحمل على عموم السلب؛ لأنه أكثر فائدة وموافق لأصل الوضع.

الرابع: أنه لوثبت ما قاله السائل، فدلالة الآية على ثبوت الشفاعة لبعض الظالمين إنما هي عند هذا القائل بمهفوم الخطاب ودلالته ضعيفة، وبعضهم منعها، ولو صحت فلا يعول عليها إلا عند عدم المعارض وهو هنا موجود منه ما تقدم وما سيأتي من أدلة اختصاص الشفاعة بصالح المؤمنين ونفيها عن أهل الكبائر، ومنه الأدلة على خلود أهل الكبائر في النار، على أن لنا أن نقول بموجب دلالة هذا، ويجعل البعض الذين ثبتت لهم الشفاعة هم أهل الصغائر، ومرتكب الصغيرة يسمى ظالماً كما مر في قصة آدم، أو من ارتكب كبيرة ثم تاب عنها.
واعلم: أن دلالة هذه الآية على ما ذهب إليه أئمتنا وشيعتهم من نفي الشفاعة لأهل الكبائر من هذه الأمة قوية صريحة، وما أبداه الخصوم من التشكيك في دلالتها ضعيف لا يقوى على معارضتها، ولا على القدح في صراحتها كما عرفناك في الجواب على ذلك، وأقوى ما يشككون به تخريج الآية على القاعدة التي ذكرها عبد القاهر، وقد عرفت ما فيها، وأنها لو صحت في بعض صيغ العموم فالمحلى بالألف واللام خارج منها للقطع بالعموم المتناول لكل فرد في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى كما في الآيات السابقة، فيجب رد ما فيه احتمال إلى المعلوم لوجوب رد المتشابه إلى المحكم، والمجمل إلى المبين، والمظنون إلى المعلوم، ولقد تتبعت آيات من كتاب الله كثيرة وكلها لا يمكن تخريجها على تلك القاعدة، ولعلها تبلغ مائة موضع أو تزيد، ومع ذلك إني لم أجد آية يجب تخريجها على هذه القاعدة، ولا يترجح على مقابله، بل غاية ما يوجد من ذلك مجرد الاحتمال فقط وهو في غاية القلة.
نعم بقي للخصم أن يقول الآية عامة وأدلة ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر خاصة وبناء العام على الخاص واجب، وتكون الآية مخصوصة بتلك الأدلة.
وجوابه: أنا لا نسلم ثبوت تلك الأدلة فانتفى التخصيص.

الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى في الملائكة: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى }[الأنبياء:28] ومثلها قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى}[النجم:26] والفاسق ليس بمرتضى فلا تجوز شفاعتهم له، وإذا لم تجز من الملائكة لم تجز من الأنبياء؛ إذ لا قائل بالفرق، واعترض من وجوه:
أحدها: أن الفاسق مرتضى عند الله لإيمانه فهو داخل فيها لأن من صدق عليه أنه مرتضى عند الله لأجل هذا الوصف صدق عليه أنه مرتضى عند الله؛ لأن قولنا مرتضى عند الله جزء من مفهوم قولنا مرتضى عند الله بحسب إيمانه، وإذا صدق المقيد صدق المطلق، ولأجل هذا جعلها الرازي حجة لهم.
والجواب: أن هذا مبني على أن الفاسق يسمى مؤمناً وهو باطل لما مر في قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ }[البقرة: 3] وقوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ }[البقرة: 26] من تنافي اسم الإيمان والفسق، وإذا لم يكن مؤمناً فليس بمرتضى، لا يقال لا شك أن تعلقه بالشهادتين واعتقاده كون الشرائع حقاً مرضيان عند الله ومن رضى الله فعله فهو مرتضى عنده؛ لأنا نقول الرضى بالفعلٍ غير الرضى عن الفاعل كما مر عن الهادي في الثانية من مسائل قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ }[الفاتحة:7] فلا يصح إطلاق الرضى عن الفاعل إلا إذا أكمل ما يجب عليه واجتنب الكبائر، ولو سلم أن الفاسق مرتضى بحسب فعله هذا فليس بمرتضى على الإطلاق، وإنما المرتضى على الإطلاق المؤمن الذي ليس بفاسق، وحينئذ يبطل قوله إذا صدق المقيد صدق المطلق، وقد قيل: إن الخصم يوافق على هذا، وإذا لم يكن مرتضى على الإطلاق لم تتناوله الآية.

الوجه الثاني: أنه يجوز حمل الآية على أن المراد من ارتضى الشفاعة له أي من ارتضاه أن يشفع؛ بدليل قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }[البقرة:255].
والجواب: أن الآية خارجة مخرج الترغيب في الطاعة والزجر عن المعصية، وهذا لا يتم إلا على قولنا كتاب الله يحمل على ما تحصل به فائدة، وإن حصلت فعلى ما يكون الفوائد معه أكثر، على أن ذلك الاحتمال خلاف الظاهر ولا موجب للتأويل.
الوجه الثالث: أنه قد ثبت في علم المنطق أن المهملتين لا يتناقضان فإنا إذا قلنا زيد عالم، زيد ليس بعالم لا يتناقضان لاحتمال صدقهما معاً بأن يقال هو عالم بالفقه وليس بعالم بالنحو، وكذلك يقال فيما نحن فيه: صاحب الكبيرة مرتضى، صاحب الكبيرة ليس بمرتضى لاحتمال أنه مرتضى بحسب دينه، ليس بمرتضى بحسب فسقه.
والجواب: أنه لا يجوز حمل كتاب الله على القواعد المنطقية، سلمنا فلا نسلم منعهم التناقض مع الاتحاد في الموضوع والمحمول، وها هنا قد اتحد فيهما، نعم فهم يمنعون ذلك إذا لم يتحدا في الإضافة بأن يختلفا فيها نحو: زيد أب أي لعمر، وزيد ليس بأب أي لبكر، ولعل المعترض أراد هذا وهو أنهما مختلفان في الإضافة فهو مرتضى بحسب دينه، ليس مرتضى بحسب فسقه، وهذا وهم لأنه لا دين للفاسق لأن الدين والإيمان بمعنى واحد، وقد مر أنه لا إيمان له فيجب أن لا دين له، وبه يرتفع الإشكال.
الوجه الرابع: قالوا: روي عن ابن عباس وغيره في قوله: {إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى }[الأنبياء: 28] أي لمن قال لا إله إلا الله.
والجواب: إن صح ذلك فهو محمول على من قالها بحقها وهو الإتيان بالواجب واجتناب المحرم، وإلا لزم ثبوت الشفاعة للكفار اليهود لأنهم يقولونها، فإن قيل: خصصهم الدليل.

295 / 329
ع
En
A+
A-