أحدها: أن لفظ فجار جمع معرف بالألف واللام والجمع المعرف للاستغراق فيعم كل فاجر والفاسق فاجر إجماعاً، رواه الإمام المهدي. فيجب أن يكون في الجحيم لعموم الآية قالوا: يحتمل العهد وهو استعمال شائع في اللغة حتى لقد قيل إنه حقيقة فيه.
قلنا: قد مر الدليل على وضعها للاستغراق فلا تستعمل في غيره إلا بقرينة ولا قرينة هنا. قالوا: القرينة موجودة وهي قوله تعالى قبلها: {كَلاَّ بَلْ تُكَذّبُونَ بِالدِّينِ }[الانفطار:9] والتكذيب به كفر فيحمل اللفظ على الكافر المتقدم.
قلنا: أقرب لفظ إليها قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ }[الانفطار:10] وهذا الحكم عام لكل مكلف، وقوله: {إِنَّ الأَبْرَارَ ...}[الانفطار:13] إلخ مسوق لبيان نتيجة الحفظ والكتابة من الثواب والعقاب، فهي كالتفسير لما قبلها وتقسيمهم إلى مثاب ومعاقب فيجب أن تعم مثله.
قالوا: قد مر عن أبي هاشم أن الجمع المعرَّف لا يقتضي العموم.
قلنا: هو محجوج بما مر، ونزيده هنا بما ذكره بعضهم وهو أن ال تعرف الاسم إذا دخلت عليه، ولا يحصل التعريف عند الاطلاق إلا إذا حمل على العموم لأنه معلوم للمخاطب حملها على ما يحصل به ذلك المعنى، أما لو حمل على الجنس الصادق بالبعض فلا يفيد تعريفاً إذ ليس المجموع بأولى من بعض فيبقى مجهولاً، فإن قيل: إذا أفاد جمعاً مخصوصاً من الجنس فقد أفاد ذلك تعريف البعض.
قيل: هذه الفائدة حاصلة بدون أل لأنه لو قال: رأيت رجالاً أفاد تعريف ذلك البعض من الجنس وتميزه عن غيره، فثبت أن لأل فائدة زائدة وهي للاستغراق، ووجه آخر وهو أن الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر لصحة انتزاع المنكر منه ولا ينعكس، فيجوز أن يقال: رأيت رجالاً من الرجال لا العكس والمنتزع منه أكثر من المنتزع، وإذا ثبت هذا فالمفهوم من الجمع المعرف، إما الكل، أو ما دونه، الثاني باطل لأنه ما من عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من الجمع المعرف، وقد علم أن المنتزع منه أكثر فيجب أن يكون الجمع المعرَّف مفيداً للكل، هذا مع أنه لو ثبت قول أبي هاشم. فلنا أن نتمسك بالآية.
وجه آخر وهو أن يقال: ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية وظاهر الآية يقتضي أن الفجور هو العلة في دخول الجحيم وهي علة عامة، فيجب عموم الحكم لعموم علته، وجه آخر وهو أنه قد ذكر بعض أئمة النحو أن أل الداخلة على اسمي الفاعل والمفعول ليست للتعريف، بل هي اسم بمعنى الذي لأنها تجاب بالفاء كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاَقْطَعُواْ }[المائدة:38] فهي كقولك الذي يأتيني فله درهم، ولصحة عطف الفعل عليها كقوله تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ...}[الحديد:18] الآية فلولا أن المصدقين في قوة قوله الذين يصدقون لما صح العطف عليه، وإذا ثبت ذلك كان المعنى إن الذين فجروا فهم في الجحيم، وذلك يفيد العموم لأن الذين من ألفاظ العموم.
قالوا: دلالة العموم ظنية، والمطلوب القطع.
قلنا: بل قطعية سيما فيما المطلوب فيه القطع، وسيأتي الاحتجاج على ذلك إن شاء الله.
قالوا: لا نسلم أن صاحب الكبيرة فاجر لقوله تعالى في الكفار: {هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ }[عبس:42] إذ لا يخلو المراد من أحد أمرين، وهما أن أولئك الكفرة من جنس الفجرة أو هم الكفرة وهم الفجرة، الأول باطل لأن كل كافر فاجر بالإجماع، فتقييد الكافر بالكافر الذي من جنس الفجرة عبث، فتعين الثاني وهو يفيد الحصر فلا يتناول صاحب الكبيرة إذ ليس بفاجر.
قلنا: هذا مخالف للإجماع كما مر ولنقل أئمة اللغة.
قال الراغب: الفجور شق ستر الديانة، وقال في قوله تعالى: {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }[القيامة:5] أي يريد الحياة ليفجر أي ليتعاطى الفجور بها، وقيل: معناه ليذنب فيها ويقول غداً أتوب ثم لا يفعل، فيكون ذلك فجوراً لبذله عهداً لا يفيء به، قال: وسمي الكاذب فاجراً لكون الكذب بعض الفجور، وقال في النهاية: الفجار جمع فاجر وهو المنبعث من المعاصي والمحارم، ومنه حديث ابن عباس كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور قال: أي من أعظم الذنوب، ومنه الحديث أن أمةً لآل رسول الله فجرت أي زنت، ومنه حديث أبي بكر: إياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار. قال: يريد الميل عن الصدق وأعمال الخير، ومنه قول الأعرابي لعمر لما قال له إن ناقتي قد نقبت، فقال له عمر: كذبت، فقال الأعرابي:
أقسم بالله أبو حفص عمر .... ما مسها من نقب ولا دبر
فاغفر له اللهم إن كان فجر
أي كذب ومال عن الصدق، ومنه حديثه الآخر أن رجلاً استأذنه في الجهاد فمنعه لضعف بدنه فقال له: إن اطلقتني وإلا فجرتك، أي عصيتك وخالفتك ومضيت إلى الغزو، وقال في حديث التجار: ((يبعثون يوم القيامة فجاراً )) الخبر. سماهم فجاراً لما في البيع والشراء من الأيمان الكاذبة، والتدليس والربا الذي لا يتحاشاه أحدهم ولايفطنون له، وقال في القاموس: الفجور: الانبعاث في المعاصي والزنا كالفجور فيهما، وبما ذكرناه يتحقق دخول صاحب الكبيرة في مسمى الفاجر، وأما قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ }[عبس:42] فيجوز اختيار الأول، قوله يكون التقييد عبثاً.
قلنا: لا عبث في جواز أن يكون الثاني تأكيداً، و تأكيد الأخص بالأعم شائع،ولنا أن نختار الثاني.
قوله: فيفيد الحصر. قلنا: ممنوع لما مر، بل المراد هم الجامعون بين الكفر والفجور، وعلى هذا فيكون المراد بالفجور معنى خاص كالزنا.
الوجه الثاني من وجوه الاحتجاج: إخبارهم بأنهم يصلونها يوم الدين، ويوم الدين هو يوم الجزاء، ولا وقت إلا ويدخل فيه، كما تقول: يوم الدين، ويوم الآخرة.
الوجه الثالث: أنه تعالى قال: {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ }[الانفطار:16] فنفى غيوبهم عنها نفياً مؤكداً بالباء فهو قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا }[المائدة:37] وإذا لم يكن هنالك موت ولا غيبة فليس بعدهما إلا الخلود الدائم، ولما كان اسم الفاجر يتناول صاحب الكبيرة ثبت بقاء أصحاب الكبائر في النار دائماً، وذلك ينافي ثبوت الشفاعة لهم، فتعين ثبوتها للمطيعين دونهم وهو المطلوب، فإن قيل: كونهم يصلونها يوم الدين لا يمنع جواز خروجهم بعد صليها بالشفاعة؛ لأنه وإن كان عاماً لأوقات الآخرة، فالعموم غير مراد بالاتفاق، على أنهم في أوقات القيامة ومدة السؤال والحساب لم يكونوا في النار، وإذا جاز تخصيصها في هذا فيجوز تخصيصها بأدلة الشفاعة، قيل: يمنع ذلك قوله تعالى: {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ }[الانفطار:16] قالوا: معناه أن مجموع الفجار لا يغيبون، ونحن نقول بموجبه فإن الكفار لا يغيبون عنها، وذلك كاف في صدق نفي غيبة مجموعهم؛ لأن معناه أنه لا يغيب كل الفجار، فإذا دخل بعضهم صدق أنه لم يغب كلهم ولا حاجة في صدقه إلى أن لا يغيب المسلمون عنها.
قلنا: لو جاز ذلك للزم في البعض الغائب عنها أن يصير إلى الجنة، ولو صاروا إليها لكانوا من الأبرار، وهذا يقتضي أنه لا يتميز الأبرار من الفجار، وهو باطل؛ لأن الله قد ميز بينهم بأن هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وهذا يوجب أن لا يدخل الفجار الجنة كما لا يدخل الأبرار النار.
قالوا: يجوز حمله على أنهم غير غائبين في الحال عن استحقاق الجحيم، وثبوت الاستحقاق لا ينافي عدم وقوع المستحق أو دوامه بالعفو أو بالشفاعة.
قلنا: منع من ذلك قوله: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ }[الانفطار:15] قالوا: ليس نصاً في الدوام لجواز أن يكون معناه وما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلية، بل كانوا يجدون سمومها وحرها في قبورهم، وذلك لا يوجب دوامهم فيها بعد دخولها.
قلنا: المراد دوام نفي الغيبة لأن الجملة الاسمية المنفية يراد بها استمرار النفي لا نفي الاستمرار.
قالوا: تعارض عموم الآية الشامل لكل فاجر بخصوص أدلة الشفاعة لأهل الكبائر من هذه الأمة والعفو عنهم، والخاص مقدم على العام.
قلنا: لا نسلم المخصص.
الحجة العاشرة: قوله تعالى:{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}[غافر:18] ووجه الاحتجاج بذلك أن اللام في الظالمين للاستغراق فتعم كل ظالم والفاسق ظالم إجماعاً، وقد مر تحقيق معنى الظلم في قوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ }[البقرة:35] وإذا ثبت هذا فقد أخبر الله سبحانه على سبيل القطع بأنه لا شفيع للظالمين يوم القيامة تقبل شفاعته وهو عام؛ لأنه نكرة في سياق النفي، وقد أكد العموم بمن ولا نزاع أن شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقبولة فلو كانت للفساق لكانت مقبولة، وفي ذلك تكذيب للآية.
قال السيد حمزة بن أبي القاسم: ولو شفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم للظالم لم يخل إما أن يطاع أو لا يطاع، إن قلت: لا يطاع فقد كفرت؛ لأن الإجماع بين المسلمين أن شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقبولة غير مردودة مُطَاعَةٌ غير معصِّية، وإن قلت: يطاع فقد كفرت لأنك كذبت الله تعالى في خبره لأنه تعالى أخبر ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع، فلم يبق إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يشفع للظالمين.
قلت: ويجب القطع بأن شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المجمع على وقوعها للمتقين دون غيرهم لئلا تتناقض حجج الله تعالى، وهذه الآية أقوى ما يحتج به الوعيدية وقد أورد عليها اعتراضات:
الأول: أنه نفى أن يكون لهم شفيع يطاع، وحقيقة الطاعة نحو حقيقة الأمر في أنها لا تكون إلا لمن فوقك في الرتبة، فالمنفي إنما هو شفيع يطيعه الله، وهذا حق لأنه ليس في الوجود أحد أعلى رتبة من الله تعالى حتى يقال إن الله تعالى يطيعه، ونحن لم نثبت هذا، وإنما أثبتنا شفيعاً يجاب، والآية لم تدل على نفيه، والجواب من وجوه:
أحدها: منع كون الطاعة كالأمر في اقتضاء كون المطاع أعلى رتبة من المطيع، وإنما هي فعل ما يريده الطالب، والمطيع من فعل ذلك، ويدل عليه قول الشاعر:
رب ما أنضحت غيظاً صدره .... قد تمنى لي موتاً لم يطع
لم يفعل ما أراده ولم يجب إلى ذلك فهي إذاً بمعنى الإجابة، وأصرح منه قوله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال له حين نبع الماء من بين أصابعه إن ربك ليطيعك يا محمد: ((وأنت يا عم لو أطعته لأطاعك )).
الثاني: أنه لو ثبت أن الطاعة كالأمر فنقول هي هنا مجاز في المشفع بجامع فعل المراد في كل والإجابة إليه، ولا يجوز حملها على المعنى الحقيقي؛لأنه يؤدي إلى ذهاب فائدة الآية بالمرة؛ إذ كل أحد يعلم أنه ليس فوقه تعالى أحد فيصير الأخبار بذلك كالإخبار بأن السماء فوقنا والأرض تحتنا، ولا يجوز حمل كلام الحكيم على ما تذهب به فائدته، وأيضاً قوله: (شفيع) يمنع من حمل الطاعة على ذلك؛ لأن من كان أعلى رتبة لا يسمى شفيعاً، بل يسمى آمراً وحاكماً، فقوله (شفيع) يفيد أن المطاع ليس بذي رتبة، فتعين أن يكون بمعنى المجاب، فإن قيل: لا نسلم أن حمل المطاع على المعنى الحقيقي يذهب فائدة الآية لأنا نقول الفائدة في ذكره أن المشركين كانوا يعتقدون أن الأصنام تشفع لهم عند الله وأنه يجب عليه قبول شفاعتها، وهذا نوع طاعة، فنفى الله تعالى هذه الطاعة بقوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}[غافر:18] أي يجب إجابته وتحصيل طلبته.
قيل: هذا مبني على ما تزعمونه من أن الآية في الكفار وهو باطل فإنها عامة في الكفار وغيرهم، على أن ذكر الشفيع مع المطاع يمنع من حمله على ذلك، وأيضاً إثبات مثل هذا التأويل يحتاج إلى نقل ولم يوجد.
الوجه الثالث: أن الآية خرجت مخرج الزجر عن المعاصي، ولا زجر إلا إذا أريد بها نفي الشفاعة عن إسقاط العقاب، ولا يمكن حملها على ذلك إلا على قولنا، أما لو حملت على ما ذهب إليه الخصم من نفي الطاعة المقتضية للرتبة دون الإجابة إلى ما طلبه الشفيع لم يكن فيها زجر ولا تحذير، وهذا واضح جلي.
الوجه الرابع: أنه لا خلاف أنه دليل على نفي الشفاعة للكفار، ولو كانت كما زعموا لما صح التعلق بها في نفي الشفاعة عنهم.
الاعتراض الثاني: أن الجمع المعرَّف لا يفيد العموم، وإذا لم يكن كذلك فلا قطع يتناول الآية للفاسق.
والجواب: أنه قد ثبت إفادته ذلك كما مر في الفاتحة، سلمنا فنقول ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية، وظاهر الآية يدل على أن الظلم هو العلة في نفي الشفاعة عنهم وهي علة عامة، والحكم يعم لعموم علته.
الاعتراض الثالث: أن المراد بالظالمين هنا الكفار؛ لأن الآية وردت في زجر الكفار الذين يجادلون في آيات الله، والكفار لا شفاعة لهم.
والجواب: أن حمل الظالمين على الكفار خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا بدليل. قوله: (وردت في زجر الكفار).
قلنا: ممنوع بل وردت في زجر كل مكلف بدليل ما قبلها، وهو قوله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ...}[غافر:17] الآية، وقوله: {وَأَنذِرْهُمْ} والضمير عائد على المكلفين المدلول عليهم بقوله كل نفس، فإن قيل: الأصل في حرف التعريف أن ينصرف إلى المعهود السابق إذا وجد وها هنا قد وجد وهم الكفار الذين يجادلون في آيات الله.
قلنا: إنما نحكم بذلك الأصل ونرجع إليه عند ثبوت العهدية، ووجود ما يدل عليها، ولا دليل هنا، بل الدليل قائم على خلافه، وهو كثرة الآيات الفاصلة بينما تدعونه مرجعاً، وبين لفظ الظالمين وقرب قوله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ }[غافر:17] منه، وهو عام لكل مكلف قوله: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ }[غافر:18] والمراد من ذلك كله زجرهم وتحذيرهم من أنواع الظلم الشاملة لكل معصية، فقد تضمنت الآيات أنواعاً من الزجر والتحذير، منها الإخبار بأن كل مكلف يجزى بما كسب، ومنها إنذارهم ذلك اليوم، والمراد أهواله، وشدائده، ومنها نفي حصول النفع من الحميم والشفيع، وحمل المعنى على ما يوافق قرائن هذه اللفظة أولى من حمله على ما يجعلها أجنبية عنها، بل هو الواجب.
الاعتراض الرابع: المراد ليس لهم شفيع في دار الدنيا من استحقاق العذاب، وذلك لا يمنع من وقوع شفيع في الآخرة في إسقاطه.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن اللفظ عام فيحمل على الحال والمآل لأنه يحتملها، ولهذا يصح التصريح بهما واستثناء أحدهما.
ثانيهما: إن قبلها وأنذرهم يوم الآزفة ويوم الآزفة هو يوم القيامة كما قال مجاهد وابن زيد، وهذا يمنع حمل نفي الشفاعة في دار الدنيا، فإن قيل: لا نسلم أن يوم الآزفة يوم القيامة بل هو يوم المنية وحصول الأجل كما قال أبو مسلم وغيره.
قلنا: ممنوع لقوله تعالى في صفة القيامة: {أَزِفَتِ الآزِفَةُ ، لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ}[النجم:57،58] على أن في حمله على ذلك بعد؛ لأن نفي شفاعة الشفيع عند حلول الأجل وانتزاع الروح مما يستوي فيه التقي والشقي فلا يكون لتخصيص الظالمين بالذكر فائدة، سلمنا فالمراد تحذير المكلف من أن يموت متلبساً بالظلم وبيان أنه إن مات على ذلك لا تنفعه شفاعة شافع في دفع الجزاء المستحق على الظلم وهو الخلود في النار.
الاعتراض الخامس: أن لفظ الظالمين وإن أفاد الاستغراق، فالمراد مجموعه وجملتهم لا كل فرد، ونحن نقول بالموجب، وهو أنه لا شفاعة لهذا المجموع؛ لأن بعضه وهم الكفار ليس لهم شفيع، فحينئذ يصدق ظاهر الآية وهو أنه ليس لهذا المجموع شفيع، ولا يلزم منه نفيها عن كل فرد.
والجواب: أن دلالة العموم كلية أي محكوم فيها علىكل فرد، فلا فرق بين المفرد والجمع، وقد مر القول في ذلك في الأولى من مسائل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }[الفاتحة:2] وفي الخامسة عشرة منها.
الاعتراض السادس: أن قوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}[غافر:18] نقيض لقولنا للظالمين حميم وشفيع، وهذه موجبة كلية، ونقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية، فيجب في الآية أن تكون سالبة جزئية لأنها نقيض لموجبة كلية وهي قولنا للظالمين حميم وشفيع، والسالبة الجزئية يكفي في صدقها تحقق السلب عن البعض، ونحن نقول بالموجب وهو أن بعض الظالمين لا شفيع لهم وهم الكفار.
والجواب: أن هذا الاعتراض مؤسس على قاعدتين متقاربتي المعنى. ذكرهما المناطقة وبعض علماء العربية، ولا بد من الإشارة إلى بيان تلك القاعدتين ليتضح الجواب ويتقرر على مقتضاهما، فنقول: أما المناطقة فهم يقولون إن نقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية.
قال المعترض: وأما بعض علماء العربية فمنهم من قال المسند إليه المسوِّر بكل إذا قدم على المسند المنفي نحو كل إنسان لم يقم أفاد عموم السلب أي نفي الحكم عن كل فرد، وإن أخر عنه نحو لم يقم كل إنسان أفاد سلب العموم، وسلب العموم مقتضٍ لثبوت الحكم للبعض، وهذا مروي عن جماعة منهم ابن مالك.