أما الأولى فلأنه يقال إن تجويز دخوله النار لا يؤثر في الزجر، فإن المعلوم أن لذة شهوة قبيح وإن بلغت ما بلغت لا تغلب هذا الصارف الذي هو تجويز دخول النار وتعذيبه فيها مع ما قد حكى الله تعالى من أليم إحراقها، وتنوع عذابها، وإن قطع بخروجه منها بعد الخزي والوبال، ونحن نعلم أن أحدنا يتجنب فعل القبيح إذا جوز أن يناله بسببه خزي ونكال، وقيد وأثقال، وضرب شديد،وأخذ أموال،وإن قطع بانقطاع ذلك كله في حال حياته، وقد مر في الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:7] أن تجويز العقاب يكون صارفاً عن القبيح إذا كان القبيح واستحقاق العقاب عليه معلومين، ثم يجوز أو يظن وقوع ذلك به، وهذا من ذلك القبيل فإن العاصي يعلم أنه مستحق للعقاب، وأن العقاب ثابت معلوم عنده وهو مجوز لوقوعه إذ لم يقطع بوقوع الشفاعة قبل دخوله النار، وإذا ثبت هذا لم يكن القطع بالشفاعة مؤدياً إلى الإغراء بالقبيح لوجود الصارف المحقق. والله الموفق.
وأما الثانية فلأن الشفاعة ليست لإبطال الوعد والوعيد ولا للمساواة بين المحسن والمسيء، وإنما هي للتجاوز عن المسيء والعفو عنه بإسقاط العقاب، ولا قبح في ذلك فإن العقلاء يستحسنون إغاثة اللهفان والتنفيس عن المكروب، ولا يلزم من ذلك المساواة بين المحسن والمسيء فإن المحسن فرح مستبشر من حين بعثه من حفرته إلى أن ينال ما وعده به ربه في جنته، لا يحزنه الفزع الأكبر وتتلقاه الملائكة بالتبشير والتعظيم، والمسيء بخلافه في ذلك، بل يكون منكسر الخاطر قرح الجنان، يود لو يفتدي بأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ومع ذلك أن منزله الذي يعطاه في الجنة إنما هو من باب التفضل دون الاستحقاق، والمتفضل به لا يكون في اللذة مثل المستحق، وأيضاً ليس في أدلة الشفاعة أن للمجرم المشفوع له مثل المؤمن من التقي، فمن أين تلزم المساواة بين المحسن والمسيء، ومن هنا يرتفع القبح العقلي.

وأما الثالثة فللخصم أن يقول: لم تزيدوا في هذه الحجة علىدعوى ثبوت ما تزعمونه من دوام الخلود في النار، ونحن لا نسلم ذلك، وحينئذ فنقول: نختار قبول شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم ؛ إذ لا مانع منه.
وأما الرابعة: فقال الإمام المهدي: هذا قياس ضعيف لأن أهل الآخرة صاروا ملجئين إلى ترك القبيح فليس الشفاعة لهم نظيراً لهذه الصورة.
قلت: والتحقيق أن تلك الحجج مبنية على الخلاف في كون الشفاعة للمصرين تقبح عقلاً أو تحسن، فقال القاضي: تقبح، واحتج بما مر، وقال أبو هاشم: بل تحسن لأن العفو عن المصر حسن، وطلب الحسن حسن، وعلى هذا فيقال لا وجه للاحتجاج على عدم وقوعها بالعقل.
قال الإمام المهدي: واتفق الشيخ والقاضي على قبح الشفاعة بعد ورود السمع؛ لأنه في حكم المنهي بخلاف العفو فإنه يحسن بعد الوعيد وإنما ينكشف قبح الوعيد لأنه كذب.
الحجة الخامسة: الآية التي نحن بصددها وهي قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ ...} [البقرة:48] الآية، وقد ذكرها الله تعالى في هذه السورة مرتين، ووجه الاحتجاج بها من وجوه:
أحدها: أنه قال لا تجزي نفس عن نفس شيئاً فنكر لفظ نفس، وجعله في سياق النفي فاقتضى العموم، ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت قد أجزت نفس عن نفس شيئاً، وهو ينافي العموم، ويلزم منه تكذيب الصادق، وللخصم أن يقول: نعارضكم بمثله، فيقال: لو أثرت الشفاعة في زيادة النعيم لكانت قد أجزت نفس عن نفس شيئاً فما أجبتم به فهو جوابنا.

الوجه الثاني: أن لفظ شفاعة نكرة في سياق النفي، فتعم شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفي قبولها، ونفي القبول المقصود منه نفي الشفاعة كقوله: على لا حب لا يهتدى بمناره أي لا شفاعة فتقبل، ويجوز أن يكون المراد نفي القبول، وإن وجدت الشفاعة، والأول أولى؛ لأن شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ترد، فإن قيل: هذا اللفظ وإن كان عاماً فالمقصود به معنى خاص إذ المراد الذين قالوا: من بني إسرائيل نحن أبناء الله وأبناء أنبيائه فيشفعون لنا عند الله، وعلى هذا فتكون النفس الأولى مؤمنة، والثانية كافرة، والكافر لا تنفعه الشفاعة.
قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأيضاً فإن الله تعالى لم يقص علينا أخبار الأمم الماضية وما فعلوه من المعاصي، وما توعدهم به من العقاب إلا لنعتبر ونحذر أن نواقع مثل ما وقعوا فيقع بنا مثل ما يقع بهم، وإلا كانت القصص والأخبار عبثاً على أنه قد جاء معنى الآية الكريمة خطاباً للأمة المحمدية قال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا... }[الأنعام:7] الآية ففيها ما يكفي، ولا يقال هي في الكفار لأنا نقول الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا أعم من الكفر، ولذا قال تعالى: {وَذَكّرْ بِهِ} وأصل الإبسال المنع.

الوجه الثالث: أن الآية خرجت مخرج الزجر والتحذير من المعاصي، والتحذير إنما يكون من ضرر أو ذهاب نفع قد حصل ولم يحذر في الآية من فوت نفع قد حصل لأنه لم يحصل فلم يبق إلا أنه حذر من ضرر نازل، لا يقال: بل هو تحذير من أن لا تحصل له زيادة نفع؛ لأنا نقول عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ضرر، بدليل أنه لو قال اتقوا يوماً لا أزيد فيه منافع المستحقين للثواب بشفاعة أحد لم يحصل زجر عن المعاصي، بخلاف ما لو قال: اتقوا يوماً لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شافع فإنه يكون زجراً بليغاً، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب فقط، فإن قيل: بل ظاهر الآية نفي الشفاعة مطلقاً، والظاهر متروك للإجماع على ثبوت الشفاعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فهي مخصوصة إجماعاً، وإذا وجب صرفها عن الظاهر فلستم بالتأويل بأولى منا، ونحن نحملها على نفي الشفاعة للكفار، ويؤيده أن حملها على ذلك حمل لها على أمر متفق عليه بين الأمة فإنهم متفقون على دوام العقاب للكفار ولو ردوها فيهم إذ وردت في بني إسرائيل، وصورة السبب متفق على دخولها في العموم، قيل: لا نسلم تناولها لنفي الشفاعة في جلب النفع لما بينا من أنها وردت للزجر والتحذير فكأنها صريحة في نفي الشفاعة في دفع المضرة فقط، وإن لم تكن صريحة فيه فأقل أحوالها الظهور، ولا موجب للصرف عن الظاهر، فوجب البقاء عليه، وللخصم أن يقول: غاية ما تدعونه ظهور الآية في اختصاص دلالتها بنفي الشفاعة في دفع المضرة دون جلب النفع، والظاهر قابل للتأويل والتخصيص، قولكم لا موجب للصرف عن الظاهر ممنوع، فإن أدلتنا توجبه، وهكذا يقال في جميع الوجوه المذكورة أعني أنه يقال: غايتها أن تقتضي ظهور الآية فيما ذكرتم، والظاهر لا يمنع التأويل والتخصيص لدليل، وأيضاً فإنكم تقولون لا يؤخذ في المسألة إلا بقاطع، والظواهر لا تفيد القطع فينظر، وقد يقال: الظاهر يقوي انضمامه إلى غيره

ولا نسلم اقتضاء أدلتكم العدول عنه لضعفها.
الحجة السادسة: قوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ }[المدثر:48] ووجه الاحتجاج بها أنه لوسقط عقابهم بالشفاعة لكانت قد نفعتهم، وذلك خلاف ظاهر الآية، وفي الاحتجاج بها نظر لأنها وردت في الكفار بدليل السياق وتصريح قوله تعالى فيها: {وَكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ } [المدثر:46] والتكذيب به كفر، والخصم لا يدعي ثبوت الشفاعة للكفار، بل قد احتجوا بمفهومها على ثبوت الشفاعة للفساق، فقالوا: إن تخصيص هؤلاء بأن الشفاعة لا تنفعهم يدل على أنها تنفع غيرهم، وأيدوا المفهوم بما أخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ليخرجن بشفاعتي من أهل الإيمان من النار حتى لا يبقى فيها أحد إلا أهل هذه الآية: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ }[المدثر:42] إلى قوله: {الشَّافِعِينَ })).
وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن ميمون أن كعباً دخل يوماً على عمر بن الخطاب فقال له عمر: حدثني إلى ما تنتهي شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة؟ فقال كعب: قد أخبرك الله في القرآن إن الله يقول: ما سلككم في سقر إلى قوله: اليقين قال كعب: فيشفع يومئذ حتى تبلغ من لم يصل صلاة قط، ومن لم يؤمن ببعث قط فإذا بلغت هؤلاء لم يبلغ أحد فيه خير، ولم ينكر عليه عمر مقالته هذه.

وأخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يؤتى بأدنى أهل النار منزلة يوم القيامة فيقول الله له تفتدي بملئ الأرض ذهباً وفضة فيقول: نعم إن قدرت عليه، فيقول كذبت قد كنت أسألك ما هو أيسر عليك من أن تسألني فأعطيك وتستغفرني فأغفر لك وتدعوني فأستجيب لك فلم تخفني ساعة قط من ليل ونهار، ولم ترج ما عندي قط، ولم تخش عقابي ساعة قط، وليس وراءه أحد إلا وهو شر منه فيقال له: ({مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}[المدثر:42،43]) إلى قوله: ({حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ }[المدثر:47]) يقول الله: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ }[المدثر:48])) وهذه الأوصاف لا تكون إلا في كافر إذ المصدق بالله وبالبعث وبالثواب لا بد أن يدخل في قلبه رجاء أو خوف وإن قل، وظاهر الحديث أن عدم تأثير الشفاعة لعدم حصول شيء من هذه الأوصاف وأنه لو حصل منها شيء لنفعته الشفاعة في إسقاط عقابه.

وأخرج ابن مردويه عن صهيب الفقير قال: كنا بمكة ومعي مطلق بن حبيب وكنا نرى رأي الخوارج فبلغنا أن جابر بن عبد الله يقول في الشفاعة فأتيناه فقلنا له: بلغنا عنك في الشفاعة قول الله مخالف لك فيها في كتابه، فنظر في وجوهنا فقال: من أهل العراق أنتم؟ قلنا: نعم فتبسم وقال: وأين تجدون في كتاب الله قلت: حيث يقول ربنا: {إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ }[آل عمران:192] {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا}[المائدة:37] {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُوا فِيهَا}[السجدة:12] وأشباه هذا من القرآن فقال: أنتم أعلم بكتاب الله أم أنا؟ قلنا: بل أنت أعلم به منا، فقال: والله لقد شهدت تنزيل هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشفاعة الشافعين، ولقد سمعت تأويله من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن الشفاعة لنبيه في كتاب الله قال في السورة التي يذكر فيها المدثر {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلّينَ... }[المدثر:42،43] الآية ألا ترون أنها حلت لمن مات لم يشرك بالله شيئاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إن الله خلق خلقاً ولم يستعن على ذلك ولم يشاور فيه أحداً فأدخل من شاء الجنة برحمته، وأدخل من شاء النار، ثم إن الله تحنن على الموحدين فبعث الملك من قبله بماء ونور فدخل النار فنضح فلم يصب إلا من شاء ولم يصب إلا من خرج من الدنيا لم يشرك بالله شيئاً فأخرجهم حتى جعلهم بفناء الجنة، ثم رجع إلى ربه فأمده بماء ونور، ثم دخل فنضخ فلم يصب إلا من شاء الله، ثم لم يصب إلا من خرج من الدنيا لم يشرك بالله شيئاً فأخرجهم حتى جعلهم بفناء الجنة، ثم أذن الله للشفعاء فشفعوا لهم فأدخلهم الله الجنة برحمته وشفاعة الشافعين)).

وأخرج البيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: يعذب الله قوماً من أهل الإيمان ثم يخرجهم بشفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا يبقى إلا من ذكر الله: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ }[المدثر:42] إلى قوله: {شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ }[المدثر:48] ذكر هذه الأخبار في الدر المنثور ولم يتكلم عليها بتصحيح ولا تضعيف.
قوله في حديث جابر: فأدخل من شاء الجنة برحمته إلخ ينبغي حمله على من يجتنب الكبائر لقوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }[الأعراف:156] وقوله:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا...}[الأعراف:156] الآية وقوله: وأدخل من شاء النار ينبغي حمله على أهل الكبائر لقبح تعذيب المحسن المجتنب للكبائر، وقوله ثم رجع إلى ربه أي إلى أمر ربه، أو موضع أمره.
واعلم أن أصحابنا يتأولون ما صح من هذه الأخبار وما في معناها، وسنذكر تأويلهم إن شاء الله عند الكلام على شبه الخصوم.
الحجة السابعة: قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ، فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ}[الطارق:9،10] والإبتلاء الاختبار، والسرائر ما أسر في القلوب من العقائد وما أخفي من الأعمال، والمعنىأنها تختبر يوم القيامة حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤديها من مضيعها.

وعن ابن عمر يبدئ الله يوم القيامة كل سر منها فيكون زيناً في الوجوه وشيناً في الوجوه، أي من أداها كان وجهه مشرقاً، ومن ضيعها كان وجهه أغبراً، والآية صريحة في نفي الشفاعة لمن اختبرت عقائده وأعماله ولم تكن مطابقة لمراد الله منه بأن تكون على خلاف الأمر أو تقع على وجه يصيرها قبيحة، وإن كانت في الظاهر مطابقة إذ لو نفعته الشفاعة لكان قد وجد له ناصراً، والآية قد نفته نفياً مؤكداً بمن إذ معنى الآية ما له من قوة يدفع بها عن نفسه ما حل به من العذاب، وليس ناصر ينصره في دفعه، وليس للخصم أن يقول أنها في الكفار لأن الضمير عائد على الإنسان السابق ذكره في قوله: {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ }[الطارق:5] كل إنسان بدليل خلق من ماء دافق وكل فرد كذلك، ثم حذرهم من مواقعة الكبائر لأنهم عند ابتلائهم والوقوف على ارتكابهم إياها، وتضييعهم ما أوجب الله عليهم لا يقدرون على الدفع عن أنفسهم، ولا يقدر أحد على الدفع عنهم، وهذا نفي للشفاعة لهم على أبلغ الوجوه لأنه حذر تحذيراً مطلقاً متناولاً للعقائد والأعمال والكفر وما دونه من القبائح، ويؤيده ما أخرجه البيهقي في الشعب قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ضمن الله خلقه أربعة الصلاة والزكاة وصوم رمضان والغسل من الجنابة)) وهن السرائر، التي قال الله: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ }[الطارق:9].
وعن عطاء: السرائر الصوم والصلاة وغسل الجنابة.

وعن يحيى بن كثير مثله رواهما ابن المنذر، وعن قتادة أن هذه السرائر مختبرة فأسروا وأخبروا علانية، فما له من قوة يمتنع بها، ولا ناصر ينصره من الله، وقد جعل الخصوم هذه الآية مثل قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ ...}[البقرة:48] الآية فما ورد هنالك ورد هنا، وليس كذلك فإن دلالة هذه على المقصود قوية، فإن قيل: إنما نفي الناصر في يوم ابتلاء السرائر، وذلك يوم القيامة وهو يوم يقع فيه من الأهوال والفزع والخجل للعصاة والخوف ما يذهل اللب، ويوجب الذل والخزي حتى أن بعضهم ليقول رب أرحني ولو إلى النار كما جاء ذلك في بعض الأخبار، فتحمل الآية على نفي الناصر في ذلك اليوم فلا تدفع شدائده ولا تستر فضائحه ولا يشفع فيه شافع، ولا تغني فيه نفس عن نفس شيئاً ولا تدافع، وبعد مضي تلك الأهوال، وصدور الخلائق ذات اليمين وذات الشمال يأذن الله تعالى في الشفاعة لأهل الكبائر إما قبل دخولهم النار أوبعد دخولهم فيها، أو يفترق ألحال قبل وبعد، وهذا جمع بين الأدلة، والجمع أولى من الإهمال.
قيل: إنما تحمل الآية على ذلك وتجمع بين الأدلة بما ذكرتم، لو كان دليلكم قد صح ودعواكم قد ثبتت، والنزاع قائم في ذلك فلا وجه لإخراج الآية عن ظاهرها.
الحجة الثامنة: قوله تعالى:{ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً }[الانفطار:19]، وهو قوله تعالى:{ وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً }[البقرة:48].
الحجة التاسعة: قوله تعالى:{ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ، يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ، وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ }[الانفطار:14-16] والاحتجاج بها من وجوه:

293 / 329
ع
En
A+
A-