أقول: هذا الإلزام أورده الأشعرية دليلاً على حكم نفي العقل، وقد ذكرناه في السابعة من مسائل الحمد لله، وذكرنا جوابه جملة وتفصيلاً، ومحصله أنه قد ثبت أن الله تعالى عدل حكيم لا يفعل قبيحاً ما لم تظهر فيه وجه الحكمة رددناه إلى هذا الأصل، فيقال هنا: لوكان عدم التكليف أصلح لم يكلفه الله تعالى، وهذا الجواب الجملي.
وأما التفصيلي فخذه من هنالك ومن الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:7] وحاصل الجواب أن تكليف من هذا شأنه نعمة وإحسان، وأنه يقبح الإهمال، وأثبتنا من البراهين على إثبات هذين الأصلين بما لا تجده في غير كتابنا هذا فارجع إلى ذلك إذ لا فائدة في التكرار، وإذا ثبت ذلك فلا وجه لهذا الإلزام، على أنه قد مر أن الخصم يقول بوجوب التكليف فلا وجه لإلزامه بنفس مذهبه، وأيضاً قد مر في الثالثة عشرة عن أبي القاسم أنه لا يحسن تكليف من علم الله أنه لا يؤمن إلا إذا كان فيه لطف لغيره، وعلى هذا فلا يحسن إلزامه بهذا إلا بعد تسليمه بطلان أصله؛ لأنه يقول لم يكلفهم إلا وفيه لطف لغيرهم وإلا لم يقع.

الدليل التاسع: لو وجب الإصلح لكان ما بنى من النعم واجباً فلا يستحق عليه شكر لأن الشكر إنما هو في مقابلة التفضل، ولوجب أن يبقي الله الكفار كلهم ويميتهم كلهم، وقد صور ذلك في رجلين كافرين مات أحدهما شاباً ومات الآخر شيخاً فإن للشيخ أن يقول: هلا أمتني يا رب قبل أن أكفر فإنه أصلح، فإذا قيل: فإني عرضتك بالبقاء بمنافع الثواب وهو أصلح كان للشاب أن يقول: فهلا أبقيتني وعرضتني للثواب لأنه الأصلح، وقد يقال: هذا يلزمكم فيما أوجبتموه على الله تعالى من اللطف والتمكين ونحوهما لأنها نعم عظيمة لما مر في الثانية من مسائل قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }[الفاتحة:7] من إثبات النعم الدينية والدنيوية فما أجبتم به فهو جوابنا، وهذا الجواب إلزام لهم، والجواب المحقق أن الوجوب لا ينافي كونه نعمة يجب الشكر عليها كما مر في العاشرة من مسائل الحمد لله، وأما المثال فيقال: إن لله تعالى أن يجيب على الشاب بأنه ليس لك صلاح في البقاء.
الدليل العاشر: لو وجب الأصلح لما اختلف باختلاف الفاعلين فكان يجب علينا الأصلح فيجب علينا أن نفعل لأنفسنا المباحات وطلب سائر المنافع، والمعلوم خلافه، وقد يجاب بأن في ذلك مفسدة وإلا لوجب، وأيضاً لا نسلم عدم اختلافه بالفاعلين فإن الباري تعالى عالم بذاته لا يخفى عليه وجه المصلحة، بخلاف الواحد منا فإنه عالم بعلم فلا يؤمن أن يرتكب المفاسد وهو يظنها مصالحاً، فإن قيل: قولكم إنما لم يجب علينا ذلك لأنه مفسدة ممنوع إذ لو كان كذلك لقبح فعله منا رأساً.

قيل: المفسدة في إيجابه لا في إباحته، هذا وقد حكى القرشي عن أكثرهم التزام وجوب ذلك، ولعلهم يقولون لا يجب علينا طلب شيء من ذلك إلا بعد قيام الدليل على الوجوب لئلا نطلب ما في طلبه مفسدة لا نشعر بها، ويكون حاصل قولهم إنهم يقولون بوجوب طلب ما هو أصلح من المنافع والمباحات، لا أنه يجب طلب كل مباح ومنفعة، لكن لما كانت عقولنا لا تهتدي إلى تمييز كل ما فيه مصلحة وكل ما فيه مفسدة توقف ذلك على الدليل لئلا يرتكب محظوراً، ويؤيد ذلك أن مذهبهم أن الأصل في الأشياء الحظر. والله أعلم بالمراد.
الدليل الحادي عشر: أنه لو كان واجباً لوجبت النوافل لأنها مع الإيجاب أصلح لنا منها مع الندب لأن ثواب الواجب أعظم من ثواب النفل.

قال الإمام المهدي: وهذا إنما يلزمهم بتدريج وهو أن يقال: إذا كان وجه وجوب الأصلح كون فعله أنفع من تركه لزم أن تجب علينا النافلة لأنه أنفع، وكذلك يلزم وجوب الصدقات وفعل جميع الكفارات الثلاث، ويجب على أحدنا إعطاء الغير جميع ماله لأنه أصلح لذلك الغير فيصير حقاً له كسائر الحقوق، ويمكن أن يقال: هذا الإلزام غير لازم، أما النوافل فلا صلاح في إيجابها وإلا وجبت، وقد قيل: إن في كونها مندوبة صلاح آخر، وقيل: إن الصلاح في فعله كالصلاح في تركه، وكذلك يقال في الصدقات وفعل جميع الكفارات، أعني أنه لا صلاح في إيجاب الجميع وإلا لوقع إلى آخر ما ذكرنا، وقيل: بوجوب ذلك لكن لا على حد وجوب غيره، ويقال مثل ذلك في سائر النعم التي يفعلها بعضنا إلى بعض فإن منهم من التزمها، وسائرهم منع وجوب الصدقة والعطاء الكثير لما فيه من الضرر على المعطي، وهذا أولى، وقد مر في أول هذه السورة الدليل على منع إخراج جميع المال أو أكثره فتقدم منع الزائد على الثلث، لا يقال: نفع ثواب الإنفاق أعظم من الضرر فلا يقدح في كونه أصلح؛ لأنه يقال لا نسلم ذلك ولا طريق إليه، على أن صرفه في نفسه وعائلته أنفع وأصلح وثوابه أعظم، ولهذا أمر الشارع المتصدق أن يبدأ بنفسه ثم بمن يعول، فيعارض ما ذكرتم، ويرجح عليه لخلوصه من الضرر، وأيضاً فيما ذكرتم مفسدة عظيمة وهي أنه لو وجب على أحدنا أن يعطي الغير جميع ماله لأنه أصلح لوجب على ذلك الغير أن يفعل مثله فتخرجوه إلى آخر لهذا الوجه وهلم جرّاً، فلا يستقر ملك ولا يحصل انتفاع كامل لأحد، وفي هذا تفويت الغرض لخلق المنافع والتنكيل منها، وهو باطل فما أدى إليه يجب أن يكون باطلاً فثبت [أن لاصلاح] في إيجاب ما ذكروا فيبطل الإلزام به. والله أعلم.

هذا وأما ما ذهب إليه أبو القاسم من أن وجوب ذلك وجوب جود لا غير فليس فيه خلاف للجمهور إلا في العبارة، وبيانه أن الواجب ما للإخلال به مدخل في استحقاق الذم وتارك الجود لا يستحق ذماً فكيف يسمى واجباً؟
فإن قيل: بل يستحق الذم لأن نقيضه البخل، والبخيل مذموم، قيل: لا نسلم فإن البخل منع إنفاق ما يجب الإيفاء به والجود إنفاق ما لا يجب إنفاقه، ونقيضه أن لا يجود، وتارك الجود لا يستحق الذم وإن استحقه البخيل.
قال الإمام المهدي: على أن البخل لا يتصور إلا بعد ورود الشرع لأن وجوب إنفاق المال شرعي إلا حيث لا يندفع الضرر عن النفس إلا به لوجوب دفع الضرر عن النفس عقلاً لا بكون البخل مذموماً عقلاً، لا يقال كان الجاهلية يذمون من لم يكرم ضيفه ومن عرف منه البخل الشديد، وإن لم يكن واجباً بالمعنى المشهور بل وجوب جود كما ذكره أبو القاسم؛ لأنا نقول: إنما استحسنوا ذلك الذم لاعتقادهم قبح الإمساك، وسواء كان ذلك علماً أو جهلاً كما سموا الأصنام آلهة لما اعتقدوا استحقاقها للعبادة، فكذلك لما اعتقدوا وجوب إكرام الضيف وقبح الاستهانة به استحسنوا ذم البخل بحقه، فثبت أن وصف الجود بالوجوب خطأ في العبارة.
الموضع الرابع في شبه المخالف وهي أربع:
الأولى: أنه قد ثبت أنه يجب على الله تعالى الأصلح في الدين فيقاس عليه الأصلح في الدنيا.
قلنا: لا نسلم الأصل سلمنا فلا علة جامعة لأنه إنما وجب في الدين لكونه إزاحة للعله، فجرى مجرى التمكين، ومنعه فساد في التكليف الذي قصد به التعريض إذ يعود على الغرض بالنقض، ولذلك لا يكون إلا بعد التكليف، وليس كذلك الأصلح في الدنيا.

الثانية: قالوا: قد ثبت أن الموسر إذا شاهد من قد أشرف على الهلاك من الجوع وعلم أنه إذا دفع إليه ما يدفع به الضرر وهو قادر على ذلك ولا يتضرر بما دفع فإنه يجب عليه دفع ما يمنع الهلاك حتى أنه يذم وينسب إلى البخل إن لم يفعل، وليس ذلك إلا لقبح الإخلال بالفعل، فكذلك حال القديم تعالى فإنه لا يتضرر بما دفعه إلى العبد فيجب أن يوصل إليه المنافع التي ذكرناها.
والجواب أن يقال: لا يخلو إما أن نفرض الكلام فيه بقضية العقل قبل ورود الشرع أو بعده، إن كان الأول فصاحب المال إما أن يلحقه غم بمشاهدة هذا الفقير المشرف على الهلاك ومضرته أولا، إن لحقه وجب عليه ذلك دفعاً للضرر عن نفسه وإلا يلحقه غم فهو محل النزاع، ونحن لا نسلم أنه يجب عليه بذل شيء من ماله، ولا أنه يحسن ذمه، بل نحكم أنما فعله تفضل وإحسان، وإن كان الثاني فالشرع قد جاء بوجوب الزكاة فإن كان عليه الزكاة وجب عليه ذلك وإلا فلا، وقال في الغياصة: الشرع قد ورد بوجوب سد رمق المشرف على الهلاك من ماله، بل ورد في الشرع أخذ ذلك لمن خشي على نفسه التلف وإن كان بغير رضى صاحب المال لحرمة النفس فإن حرمتها آكد، وأما وصفهم له بالبخل فإنما يصفه بذلك من يعتقد الوجوب كما مر من وصفهم بذلك من لم يكرم ضيفه، أو من يستدل بذلك على قلة رحمته وعلى زهده في الخير، وأما على جهة أنه أخل بواجب فلا، ولهذا فإن له أن يعتذر بعدم الوجوب عليه، وإذا تقرر هذا فلا يصح أن يستدل بالوجوب علينا فيما هذا حاله على وجوب الأصلح على القديم تعالى؛ إذ وجوب ذلك علينا لدفع الضرر عن أنفسنا أو إيجاب الشرع وذلك غير موجود في الباري تعالى؛ إذ لا يتضرر ولا جاء الشرع بوجوب شيء عليه.
وقال الإمام المهدي في جواب هذه الشبهة ما معناه: إنا وإن سلمنا وجوب ذلك علينا فليس لأجل وجوب الأصلح، بل لأنه يستحق الذم شرعاً لا عقلاً إلا من باب نفرة النفوس والرقة البشرية لا الوجوب العقلي.

الشبهة الثالثة: أن الله تعالى دعا إلى الإحسان وهو داعي حكمه ولا صارف عنه فيجب أن يفعله.
والجواب: أنه لا يجب وجود الفعل عند وجود داعي الحكمة وانتفاء الصارف لا محالة إلا إذا توفر الصارف عن الترك كصارف القديم على ترك الواجب، وأيضاً يقال ما تريدون بالوجوب هل وجوب استمرار أو الذي يستحق عليه الذم، وأيهما قلتم فهو باطل.
أما الأول فلأنه إنما يكون فيما إذ دعى الداعي ووجد صارف متوفر عن الترك كما في داعي القديم تعالى إلى فعل الواجب، فأما مجرد الداعي وعدم الصارف فلا يوجب إيجاد الفعل، ولهذا فإن أحدنا قد يدعوه الداعي إلى فعل ولاصارف عنه ولا يفعله كالقيام والقعود، وأما الثاني فلا طريق إليه.
الشبهة الرابعة: قالوا قد ثبت أنه يقبح من الواحد منا منع غيره من النظر في مرآة قد نصبها في حائطه، ومن الاستظلال بظل جداره ومن الاستضاءة بناره حيث احتاج إلى شيء من ذلك ولا نفع في منعه، وكذلك من رأى أعمى يريد أن يتردى في بئر بين يديه ولم ينذره وهو لا يضره ذلك ولا ينتفع بتركه، ولا وجه لقبح ذلك واستحقاق الذم عليه إلا كونه إخلالاً بواجب فيلزم مثله في الباري تعالى.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا غير نظير مسألتنا لأنهم أوجبوا على الله ما هو سبب للصلاح، وإنما نظيرها أن يوجبوا على أحدنا أن ينصب المرآة ليرى الناس وجوههم فيها، أو يبني حائطاً ليستظلوا به لأن المصالح الدنيوية أفعال يحدثها الله تعالى، وكلما قالوه غير واجب في الشاهد.
الثاني: أن وجه القبح في حقنا ليس ما ذكروه وإنما هو كونه عبثاً؛ إذ لا غرض للمانع في ذلك إذ لو قدرنا أن له غرضاً صحيحاً لم يقبح منه المنع، وقال القرشي: أما إذا فعل ذلك يعني نصب المرآة وبناء الحائط يحسن منه المنع لأنه يعود على غرضه بالنقض، وكذلك الباري تعالى إذا فعل الأشياء التي ينتفع بها الخلق لم يحسن أن يمنعهم منها.

هذا وأما سكوته عن إرشاد الأعمى، فقال الإمام المهدي: إنما يقبح شرعاً لا عقلاً إلا لما مر من الرقة والنفرة.

فائدة
قال الإمام المهدي: العلم بهذه المسألة من فروض الكفاية إعداداً لحل الشبهة.

المسألة الرابعة
في الآية دليل على أن الله تعالى منعم على الكافر، وعلى أنه يحسن التذكير بالنعم عند كفران المنعم، وعلى قبح عصيان المنعم.

291 / 329
ع
En
A+
A-