المسألة الأولى [تنبيه العرب بفضل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ]
هذا الخطاب وأمثاله وإن كان خاصاً ببني إسرائيل ففيه تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد لحقتهم، وجميع أقاصيص الأنبياء " تنبيه وإرشاد لهذه الأمة قال الله تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِي ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}[الزمر:17،18] وهذا عام ومثله قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ }[الزمر:55] وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ}[يوسف:111].
وعن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: قد مضى والله بنو إسرائيل وما يعني بما تسمعون غيركم. ذكره النيسابوري.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر أنه كان إذا تلا: {اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ }[البقرة:47] قال: مضى القوم وإنما يعني به أنتم.

المسألة الثانية [ذكر المراد من تفضيل بني إسرائيل]
قد تقدم معنى بيان الأفضلية وجهات التفضيل في الثالثة من مسائل قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا }[البقرة:31] وفي الثانية من مسائل قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ }[البقرة:34] وقد اخلتف في المعنى المراد من تفضيل بني إسرائيل إذ لا يجوز حمل الآية على ظاهرها، وإلا لزم تفضيلهم على نبينا وأمته صلى الله عليه وآله وسلم ، بل على الملائكة، وكل ذلك باطل اتفاقاً، وفي ذلك وجوه:
أحدها: أن المراد تفضيلهم على عالم زمانهم، وهذا مروي عن الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، واختاره ابن جرير فهو من العموم الذي أريد به الخصوص، ويؤيده ما مر في الفاتحة من أنه قد يطلق على أهل كل زمان عالم، وقد قيل: إن الشخص الذي سيوجد لا يكون من العالمين حال عدمه، وقد احتج ابن جرير على ذلك بحديث رواه قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية وحد ثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر جميعاً عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ألا إنكم وفيتم سبعين أمة ))..
قال يعقوب في حديثه: أنتم آخرها.وقال الحسن: أنتم خيرها وأكرمها على الله.
قلت: ويشهد له قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }[آل عمران:110].

الثاني: أن يكون لفظ العالمين عاماً في الموجود ومن سيوجد لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة، فالآية تدل على أنهم فضلوا على العالمين في أمر ما، وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، بل لعل غيرهم أفضل منهم في أكثرها، وحاصل هذا أن اللفظ عام، والنعمة التي فضلوا بها مخصوصة، وقد اخلتف في تعيينها فقال المرتضى: هي ما من الله به عليهم من بعثة موسى عليه السَّلام وإنقاذهم به من الكفر والنيران، وتخليصه إياهم من الذل والهوان من فرعون اللعين وإهلاكه بعد أن تبعهم وطلبهم، وقيل: هي ما ذكره الله في قوله: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ}[المائدة:20] وهذا اختيار الرازي.
الثالث: أن المراد بالعالمين الجم الغفير من الناس يقال: رأيت عالماً من الناس ويراد به الكثرة، وعلى كل قول لا يلزم منه التفضيل على هذه الأمة لأن من قال بالعموم خص النعمة، ولا يلزم التفضيل على كل عالم شيء خاص التفضيل من جميع الوجوه ومن قال بالخصوص فوجه عدم التفضيل مطلقاً ظاهرٌ.

المسألة الثالثة [في الأصلح]
قال الرازي: قوله تعالى: {وَأَنّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ }[البقرة:47] يدل على أنه لا يجب على الله رعاية الأصلح لا في الدنيا ولا في الدين؛ لأن هذا التفضيل عام لنعم الدنيا والدين، وذلك التفضيل إما أن يكون واجباً أو لا، إن كان الأول لم يجز الامتنان به عليهم إذ لا منة لمن أدى الواجب، وإن كان الثاني فهو المطلوب ويدل عليه أنه تعالى خصص بهذه النعمة بني إسرائيل دون غيرهم، هذا تلخيص كلامه، والجواب أنه قد تقدم له نحو هذا في الفاتحة، وقد تقدم الجواب عليه في العاشرة من مسائل قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ }[الفاتحة:2] وفي الخامسة من مسائل قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }[الفاتحة:7] وأن المراد بها اللطف، وذكرنا هنالك أنه لا وجه للكلام معه في ذلك، وفي المواقف وشرحه أن الخلاف في وجوب الواجب على الله تعالى وقبح القبيح منه يتفرع على قاعدة التحسين والتقبيح؛ لأنه لا حاكم بقبح القبيح منه جل وعلى وجوب الواجب عليه إلا العقل.
إذا عرفت هذا فاعلم أن الكلام في الصالح والأصلح إنما هو للعدلية والخلاف إنما وقع بينهم، واختلافهم في جهتين:
الأولى: في وجوب الأصلح في باب الدين، وهذه الجهة قد تقدم الكلام عليها في الخامسة من مسائل قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }[الفاتحة:7].
الثالثة: في وجوب المصالح الدنيوية، وهذه الجهة هي التي نتكلم فيها في هذا الموضع، وتحقيق القول فيها يكون في أربعة مواضع:
الأول: في حقيقة المصلحة الدنيوية.
الثاني: في ذكر الخلاف في المسألة، الثالث في دليل القائل الرابع في شبه المخالف.

[المصلحة الدنيوية]
الموضع الأول: في حقيقة المصلحة الدنيوية اعلم أن المصلحة والنعمة معناهما واحد، وقد سبق حد النعمة في الأولى من مسائل قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }[الفاتحة:7] إلا أن ذلك الحد شامل للنعم الدينية والدنيوية، وينبغي أن نذكر هنا حداً يختص بالدنيوية زيادة في تحقيقها وتمييزها فنقول: حقيقة المصلحة الدنيوية هي التي يصح أن ينتفع بها الحي بحياة ولا ضرر فيها على غيره، ولا وجه من وجوه القبح مع تعريها عن الدعاء والصرف في الدين وما يحترز عنه بهذه المنافع لا تكون في حقه تعالى مصلحة؛ إذ لا يجوز عليه الانتفاع، وقوله مع تعريها عن الدعاء... إلخ لتخرج الألطاف والمفاسد لأن المنافع إذا دعت إلى ما كلفناه كانت مصالح دينية وهي التي تسمى ألطافاً، وإذا صرفتنا عما كلفناه كانت مفسدة ولم تكن مصلحة لا دينية ولا دنيوية إلا عند من يجوز في النعمة أن تكون قبيحة، وقد مر الخلاف في ذلك، والمصلحة الدنيوية هي ما تفضل الله به علينا من الأموال وأنواع النبات والثمار، والأولاد والصحة وغير ذلك مما لا يكون فيه لطف ولا مفسدة.
الموضع الثاني: في ذكر الخلاف ذهبت البصرية إلى أن المصالح الدنيوية إذا لم يكن فيها لطف غير واجبة على الله تعالى، وبه قال الإمام المهدي، والقرشي والرازي وغيرهم من أصحابنا، وحكاه القرشي عن جمهور أهل الحق، وقالت البغدادية: بل تجب ثم اختلفوا فقال أبو القاسم البلخي: وجوب جود لا أنه حق للغير كالدين، وقال سائر أصحابه: بل واجب كالدين فيستحق الذم بتركه، وحكى القرشي عنهم أنهم يقولون بوجوب ما كان أصلح أي أنفع حتى حكموا بوجوب ابتداء الخلق ووجوب التكليف ونحو ذلك مما يعده أصحابنا تفضلاً، قال: وفيهم من طرد هذه القضية في الشاهد أيضاً فحكم بوجوب الأصلح من فعل العباد.
الموضع الثالث في أدلة الجمهور ولهم على ما ذهبوا إليه أدلة:

أحدها: أن هذا إيجاب ما لا دليل عليه، وإثبات ما لا دليل عليه يفتح باب الجهالات كما مر، وتوضيحه أن مجرد كون الشيء نفعاً لا ينبغي في وجوبه، بل لا بد من أحد ثلاثة وجوه:
أحدها: أن يختص بوجه لأجله يجب نحو رد الوديعة وشكر المنعم ونحوهما.
ثانيهما: أن يكون لطفاً كمعرفة الله تعالى وبعثة الأنبياء وكالشرعيات.
ثالثها: أن لا يتم الواجب وترك القبيح إلا به كالقيام، وفتح الباب والنظر في العقليات، وكالإعادة من فعل الباري تعالى وكالطهور في الشرعيات فإذا لم يحصل أحد هذه الوجوه فلا يقتضي الوجوب، وما نحن فيه لم يحصل فيه واحد منها فلا يجب، وللخصم أن يقول لا نسلم عدم الدليل هنا، وسيأتي.
الدليل الثاني: أنه لو كان ما فعله الله تعالى من ابتداء الخلق والتكليف ونحوهما واجباً لأنه أنفع لو جب أن يفعله قبل الوقت الذي فعله فيه، فإن قيل: إنما لم يفعل ذلك لما فيه من المفسدة.
قيل: المفسدة لا تثبت إلا بعد التكليف والكلام مفروض قبله.
قيل: وقد التزم أبو القاسم أن الله تعالى خلق الأحياء في أول وقت يمكن خلقه فيه، وإنما لم يقدم خلق الأحياء وغيرهم قبل أوقات حدوثها لما فيه من المفسدة على المكلفين إذ لو لم يكن هناك مفسدة لوجب تقديمه وهو لا يخل بالواجب، ولا يشترط في المصلحة والمفسدة التعيين، بل إذا قد ثبت أن الباري تعالى عدل حكيم لا يخل بمصلحة ولا يفعل ما فيه مفسدة وجب علينا القطع فيما خفي علينا وجه الحكمة فيه بأنه مطابق للحكمة وأن فيما فعله مصلحة، وأنه لم يترك ما الظاهر فيه المصلحة إلا لأنه يلزم منه مفسدة راجحة أومساوية، وقد تقدم نحو هذا في الفاتحة، وقولهم إن المفسدة إنما تثبت بعد التكليف مسلم لكن العلم بحصولها عنده متقدم قطعاً، ودفع المفاسد يجب قبل حصولها كما نهى تعالى عن سب آلهة الكفار دفعاً لمفسدة سب الله عز وجل، ولم يبسط تعالى لعباده الرزق كما يفهم من لو التي للامتناع دفعاً لمفسدة البغي في الأرض.

الدليل الثالث: أنه لو وجب الأصلح لزم أن يكون حال المثاب من المؤمنين في الجنة كحال الأنبياء لأنه أصلح لهم وفي ذلك رفع التفاضل: وقد يقال: إن أردتم أنه يلزم أن يكون حاله مثل الأنبياء في الثواب فممنوع لأن الثواب مستحق على العمل وليس للمؤمن من العمل مثل ما للنبي، وأيضاً قد مر أن الثواب يكون على جهة التعظيم، والتعظيم به إنما يكون بحسب العمل الموجب له، فلو جوزنا أن يكون ثواب المؤمن كثواب النبي لكان فيه تعظيم من لا يستحق التعظيم وهو قبيح، وإن أردتم أن يكون حاله مثلهم في التفضل فللخصم أن يقول: إن الله تعالى إنما زاد النبي لأنه أصلح له دون غيره.
الدليل الرابع: أنه يلزم تكليف الصبيان والبهائم لأنه أصلح لهم وقد يقال: لو كان أصلح لفعله.
الدليل الخامس: أنه كان يجب أن يخلق الأحياء في الجنة ولا يخلقهم في الدنيا لأن ذلك أصلح لهم، ويمكن أن يقال لو كان أصلح لفعله، وأيضاً لو خلقهم في الجنة لكانت المنافع التي يعطيهم فيها من باب التفضل والكائنة بعد التكليف ثواب مستحق عليه تعالى، والثواب أبلغ من التفضل فكان خلقهم في الدنيا وتكليفهم أصلح، لا يقال كان الابتداء بالثواب أصلح لأنا نقول لا يصح الابتداء به كما مر.
السادس: أنه كان يلزم العفو عن العاصين لأنه أصلح، فإن قيل: الخصم يقول بوجوب العقاب لأن فيه صلاحاً إذ لا يتم الوعيد الذي هو صلاح إلا به.
قيل: ونحن نقول إذا كان الوعيد وكذا التكليف يقدحان في وجوب العفو قَبُحَا إذ يفوت بهما العفو وهو أنفع ولأن الابتداء بالثواب أصلح فلا يجبان.
قال القرشي: على أن هذا الأصلح الذي ذكروه لم يثبت بنفس العقاب بل بالوعيد فهلا وقع الوعيد والعفو لأنهما أصلح وإن كشف ذلك عن الكذب لأنه إذا حصل وجه الوجوب وجب الفعل، ولقائل أن يقول: هذا الدليل معلول وبيانه من وجوه:

أحدها: أنا لا نسلم أن العفو أصلح لما في تجويزه من الإغراء بالقبيح فكيف إذا قيل بوجوبه، وقد مر في الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:7] إقامة البرهان على هذا وهو يقتضي القول بوجوب العقاب بل قد صرح به هنالك في مواضع.
الثاني: أنه لو كان أصلح لوقع لأن الله حكيم لا يفعل المفسدة، والمعلوم خلافه فوجب القطع بأنه لأنه ليس بأصلح.
الثالث: أن العقاب إذا كان مقطوعاً بالعفو عنه لم يكن للوعيد فائدة إذ المقصود به الزجر عن المعاصي وماذا يؤثر مع القطع بالعفو، وإذا كان المراد منه هذا وجب القطع بعدم العفو، ومع ذلك فلا يجوز القول بأن فيه صلاحاً فضلاً على أن يكون أصلح، وقد مر معنا هذا مبسوطاً في قوله: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:7].
قوله: وإذا كان الوعيد والتكليف يقدحان... إلخ.
قلنا: لم يقبح العفو لذلك بل لما فيه من الإغراء كما مر.
قوله: ولأن الابتداء بالثواب أصلح.
قلنا: قد مر في مواضع أنه لا يحسن الابتداء بالثواب.
قوله: على أن هذا الأصلح... إلخ.

قلنا: بل ثبت بالعقاب إذ لا فائدة للوعيد مع العلم بانتفاء العقاب، وأيضاً قد مر في الفاتحة أن اللطف واجب، ومر في السابعة من مسائل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ }[البقرة:21] وفي الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:7] أن العلم باستحقاق الثواب والعقاب لطف، وإذا كان كذلك كان العلم باستحقاقهما واجباً ولا يجب إلا وهما مستحقان قطعاً وإلا كان قد وجب علينا فعل القبيح، لا يقال الاستحقاق لا ينافي العفو لأنا نقول إن أردت أنه لا ينافي وجوبه الذي هو محل النزاع فباطل لأنه لا يقال فيما وجب إسقاطه بالعفو أنه مستحق؛ لأن معنى الاستحقاق لمستحقه استيفاؤه، ومع فرض وجوب العفو لا يكون له ذلك، وإن أردت أنه لا ينافي جوازه وحسنه، فغير محل النزاع، على أنها قد تقدمت الإشارة إلى أن العقاب واجب، وذلك ينافي جواز حسن العفو عقلاً.
سلمنا فقد منع منه الشرع، وبما ذكرنا يعلم بطلان قوله: فهلا وقع العفو والوعيد... إلخ إذ لا صلاح في وقوعهما معاً، وإنما الصلاح في الوعيد فلا وجه لقوله وإن كشف عن الكذب... إلخ لأنه لا يكشف عنه مع ما قررنا من عدم الصلاح في العفو.

الدليل السابع: أن الأصلح لو كان واجباً لوجب أن يخلق الله تعالى للواحد منا من الشهوات والمشتهيات من الأموال والبنين ما لا يتناهى لأنه أصلح لنا، ولا حد تنتهي إليه الكثرة إلا وفي مقدوره تعالى ما هو أكثر، وإذا قيل بهذا لزم إما القول بتناهي مقدور الباري تعالى أو إخلاله بواجب، وكلاهما باطل فما أدى إليه يجب أن يكون باطلاً، فثبت بطلان الأصلح، لا يقال: إنما لم يفعل ذلك لأنا لا نحتمل من الشهوات إلا قدراً متناهياً لأنا نقول ما صحح بشهوة واحدة في محل واحد صحح حلول ما لا نهاية له من الشهوات في ذلك المحل؛ لأن زيادة الشهوات لا تفتقر إلى زيادة البنية، ثم لو احتاجت عاد الإلزام فنقول يوجد من الشهوات وبناها ما لا يتناهى.
قلت: وللخصم أن يقول: إنما لم يفعل ذلك لأن منه مفسدة، فإن قيل: لا طريق إلى كونه مفسدة.
قيل: لولا المفسدة لفعله ولا يجب تعيين الطريق، على أن الله تعالى قد نبه عليها بما يقوله سبحانه: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ}[الشورى:27] وفي حديث قدسي: إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسد أوكما قال، فإن قيل: نحن نفرض وجوب هذه الزيادة في أحياء لا تكليف عليهم، بل من أهل الجنة بحيث لا يعلم بها المكلفون فلا يصح كونها مفسدة في حقهم.
قيل: يمكن أن يقال: إنما لم يفعل ذلك لعلمه بأنه لا مصلحة في فعله لأنه حكيم لا يخل بواجب وخصمكم إنما يقول بوجوب ما علم الله أنه أصلح دون ما علم أن فيه مفسدة أو لاصلاح فيه، على أن في إلزامهم بوجوب الزيادة لأهل الجنة نظر لأن الظاهر أن محل الخلاف إنما هو وجوب الأصلح في الدنيا.
الدليل الثامن: أنه لو وجب الأصلح لقبح تكليف من المعلوم أنه يكفر لأن عدم التكليف أصلح له.

290 / 329
ع
En
A+
A-