وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن أبي الدرداء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كانت ليلة ريح كان مفزعه إلى المسجد حتى يسكن، وإذا حدث في السماء حدث من كسوف شمس أو قمر كان مفزعه إلى الصلاة.
وأخرج أحمد، والنسائي، وابن حبان عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((كانوا -يعني الأنبياء- يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة )).
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس أنه نعي إليه أخوه قثم وهو في مسير فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين.
وأخرجه أيضاً بنحوه سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في الشعب إلا أنهم قالوا: فنعي إليه ابن له.
وأخرج البيهقي في الشعب عن عبادة بن محمد بن عبادة بن الصامت قال: لما حضرت عبادة الوفاة قال: أحَرِّجٌ على إنسان منكم يبكي فإذا خرجت نفسي فتوضؤا وأحسنوا الوضوء، ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجداً فيصلي ثم يستغفر لعبادة لنفسه فإن الله تبارك وتعالى قال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ }[البقرة:45] ثم اسرعوا إلى حفرتي.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي من طريق معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة وكانت من المهاجرات الأول في قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ }[البقرة:45] قالت: غشي على عبد الرحمن بن عبد الرحمن غشية فظنوا أنه أفاض نفسه فيها فخرجت امرأته فيها إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر والصلاة، فلما أفاق قال: أغشي علي آنفاً؟ قالوا: نعم قال: صدقتم إنه جاءني ملكان فقالا لي انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين فقال ملك آخر: ارجعا فإن هذا ممن كتبت له السعادة وهم في بطون أمهاتهم ويستمتع به بنوه ما شاء الله فعاش بعد ذلك شهراً ثم مات.

وفي سلوة العارفين للموفق بالله عليه السَّلام : حكى التنوخي أن هارون الرشيد حبس واحداً من ولد الحسين عليهما السَّلام فأمر بعض خدمه بقتله ليلاً في موضع كذا، فحمله إلى ذلك الموضع ليقتله فسأله الحسيني أن يمهله يصلي ركعتين فأمهله فأحرم بصلاته فلم يفرغ عنها إلا وقد أظللتهما سحابة مظلمة لا يرى أحدهما صاحبه وأرسلت مطراً شديداً، فلما انجلت السحابة وكان الحسيني قد غاب عنه ونجي.

المسألة الثالثة [في الظن]
قد مر أن الظن ترجيح أحد الجانبين وهذا معناه اللغوي، وعليه جرى أهل الإصطلاح ويطلق على الشك، وقد اخلتف فيه علماء الكلام هل هو جنس برأسه أو من قبيل الاعتقاد فذهب أبو علي وقاضي القضاة وغيرهما إلى الأول، وهو ظاهر كلام الإمام المهدي، وذهب أبو هاشم إلى الثاني، وهو الظاهر من قول كثير من الأصوليين، واختاره الرازي في التفسير فقال: الظن هو الاعتقاد الراجح، وقال في تفسير قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ...}الآية [البقرة:31] بعد أن ذكر أن الظن هو الاعتقاد الراجح ما لفظه: ولما كان قبول الاعتقاد للقوة والضعف غير مضبوط فكذا مراتب الظن غير مضبوطة، فلهذا قيل: إنه عبارة عن ترجيح أحد طرفي المعتقد في القلب على الآخر مع تجويز الطرف الآخر، ثم إن الظن المتناهي عنه في القوة قد يطلق عليه اسم العلم، فلا جرم قد يطلق أيضاً على العلم اسم الظن كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ }[البقرة:46] قالوا: إنما يطلق لفظ الظن على العلم هاهنا لوجهين:
أحدهما: التنبيه على أن علم أكثر الناس في الدنيا بالإضافة إلى علمه في الآخرة كالظن في جنب العلم.
والثاني: العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا }[الحجرات:15] ثم قال: واعلم أن الظن إن كان عن أمارة قوية قبل ومدح، وعليه مدار أكثر أحوال هذا العالم، وإن كان عن أمارة ضعيفة ذم كقوله تعالى: {وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً }[النجم:28] وقوله: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ }[الحجرات:12].

المسألة الرابعة [الظن في مسائل الاعتقاد]
تقرر أن العمل بالظن في مسائل الا عتقاد لا يجوز، وقد مر الاستدلال على ذلك في السابعة من مسائل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ }[البقرة:21] وهذه المسألة أعني مسألة البعث والتصديق بيوم القيامة من تلك المسائل لا يجوز العمل فيها إلا بالعلم، ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}[الجاثية:32] فلم يكتف تعالى منهم بالظن، بل ذمهم وتوعدهم على الاقتصار عليه.
إذا عرفت هذا فاعلم أنه لا يجوز حمل الظن في الآية على ما يقتضيه الظاهر أعني أنهم يجوزون وقوع اللقاء والبعث تجويزاً راجحاً؛ إذ لا يجوز من الله تعالى أن يمدحهم على ما يقبح منهم فعله، وقد ذم غيرهم على مثله فلا بد من التأويل، وللعلماء في تأويلها قولان:
أحدهما: أن الظن فيها بمعنى اليقين، وهذا مروي عن جماعة من السلف منهم أبو العالية، ومجاهد، والسدي، وابن جريج، ويؤيده قراءة ابن مسعود: يعلمون بدل يظنون، وهذا الاستعمال مجاز مشهور.
قال ابن جرير: والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن يحصى، وقد قال تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا}[الكهف:53] والمراد علموا ضرورة؛ لأن العلم في الآخرة ضروري، وسبب هذا المجاز اشتراك العلم والظن في رجحان الاعتقاد وإن افترقا يكون العلم مانعاً في النقيض، والظن غير مانع منه، فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق أحدهما على الآخر.

وفي المصابيح: أن الظن يقوم مقام العلم فيما طريق جنسه المنافع والمضار، وقد مر قريباً وفي الثانية من مسائل قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا }[البقرة:31] أن العلم يستعمل بمعنى الظن، وظاهركلام الرازي وغيره أن ذلك مجاز، وقد مر، وأنه يطلق عليه بالاشتراك، وأما صاحب المواقف وشارحها فقالا: إن إطلاق العلم على الظن ونحوه من الإدراكات وتسميتها علماً كما ذهب إليه الحكماء اصطلاح مخالف لاستعمال اللغة والعرف والشرع إذ لا يطلق في شيء من استعمالاتها على الظان والشاك والواهم أو الجاهل جهلاً مركباً أنه عالم، ويلزم أن يكون أجهل الناس بما في الواقع أعلمهم به.
قلت: أما إطلاقه على الظن فلا نسلم امتناعه لما مر.
القول الثاني: أن يحمل اللفظ على ظاهره وهو الظن الحقيقي وفيه وجوه:
أحدها: أن يجعل من مجاز الحذف ويكون المراد من ملاقاة ربهم ملاقاة ثوابه أو حسابه، وذلك معلوم لا مظنون.
ثانيها:أن يراد بالملاقاة الموت من باب إطلاق المسبب على السبب لأن الموت سبب في ملاقاة الرب سبحانه، ووقته غير معلوم إلا أنه متوقع كل لحظة توقعاً راجحاً عند المؤمن لأنه قطع أمله، أو أنه يحب لقاء الله (إن زعمتم أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت).

ثالثها: أن المعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بظنونهم فإن الإنسان الخاشع قد يسيء الظن بنفسه فيغلب على ظنه أنه يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة، وذلك من صفات المدح، ويجوز أن يقدر ملاقاة عقابه لأن المؤمن الخاشع قد يغلب عليه الخوف حتى يكون تجويز العقاب عنده راجحاً، وهاهنا قول ثالث: وهو حمل اللفظ والملاقاة على الظاهر الذي هو تجويز وقوع اللقاء والبعث تجويزاً راجحاً لأن الإيمان بلقاء الله هو الذي يوقف المعتقد عند حدوده ولو لم يكن الاعتقاد يقينياً إذ من غلب على ظنه أن هذا الشيء الضار فإنه يتجنبه، أو أنه نافع فإنه يطلبه، وقد مر أن دفع الضرر المظنون واجب عقلاً، ولهذا جعله بعض أئمة الأصول دليلاً على وجوب العمل بالآحاد، وهذا اختيار بعض المتأخرين.
قال: والاكتفاء بالظن أبلغ في التقريع والتوبيخ كأن هؤلاء الذين يأمرون بالبر وينسون أنفسهم وهم يقرءون الكتاب لا يصل إيمانهم بالله وبكتابه إلى درجة الظن الذي يأخذ صاحبه بالاحتياط.
قلت: وهو توجيه قوي، ويعضده إجراء الآية على ظاهرها لولا قيام الدليل على خلافه.

المسألة الرابعة [شبهات المستدلين على رؤية الله تعالى بهذه الآية]
احتج بعض المجوزين لرؤية الله تعالى في الآخرة بهذه الآية ونحوها مما فيه ذكر الملاقاة على جواز الرؤية، وتقرير الاحتجاج بها أن اللقاء في اللغة: اتصال أحد الجسمين بالآخر كما مر، وهذا اللقاء سبب للإدراك فحيث يمنع حمله على معناه الحقيقي لكون الباري تعالى ليس بجسم وجب حمله على الرؤية مجازاً من إطلاق السبب على المسبب.
والجواب: أن الآية متروكة الظاهر اتفاقاً، وحينئذ فلستم بأولى منا بالتأويل، ولنا في تأويلها وجوه:
أحدها: ما مر لأهل القول الثاني بمعنى الظن.
الثاني: أن اللقاء عبارة عن العلم المحقق الشبيه بالمشاهدة والمعاينة توسعاً.
الثالث: أنا لا نسلم أن اللقاء يكون بمعنى الرؤية، وإنما هو بمعنى الاتفاق في الحضرة وإن لم تحصل رؤية، ومن ثم جاز أن يقال لقيني فلان ولم أره، لا يقال إنا لم ندع استعماله بمعنى الرؤية حقيقة، وإنما ادعينا ذلك مجازاً، ولا مانع منه والعلاقة واضحة وصحة النفي دليل المجاز لأنا نقول الأصل في الإطلاق الحقيقة، فلا يعدل عنه إلا لموجب ولا يوجب هنا، وإنما الحاكم إلى التجويز جعلكم المنع الحقيقي للملاقاة هو اتصال أحد الجسمين بالآخر، فأما إذا جعلناه الاتفاق في الحضرة كان الخروج عن الحقيقة ممنوعاً، لا يقال لا نسلم أن ذلك معناه لأنا نقول قد أقمنا الدليل عليه بقولنا ومن ثم جاز... إلخ، وذلك معلوم، فإن قيل: المعلوم أنه إذا قال قائل: إذا لقيت فلاناً فاقرئه عني السلام فمعناه إذا رأيته، قيل: بل معناه إذا صادفته وكنت في حضرته بدليل أنه يصح أن يقال ذلك للأعمى ولا رؤية له فكيف تدعون العلم بذلك، وغايته حصول الظن لقرينة وهي أن الملاقاة إنما تكون في الأغلب مع الرؤية.

الرابع: أن الملاقاة لو أفادت الرؤية لرآه كل إنسان لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ}[الانشقاق:6] فبين أن كل إنسان يلاقيه، ثم قسمهم بقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ...} [الانشقاق:7] الآية، ويجب أيضاً أن يراه الكفار لقوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ}[التوبة:77] والمنافق لا يرى ربه اتفاقاً، وقال تعالى في معرض التهديد والتحذير من المعاصي: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ }[البقرة:223] فلو كان اللقاء بمعنى الرؤية لوجب أن يراه الكافر إذ تناولته الآية، ولو فرض أنها في المؤمنين لكان المعنى واعلموا أنكم من أهل الثواب، وقد وقع الاتفاق على أن أحداً لا يعلم أنه من أهل الثواب إلا الأنبياء أو من أخبروه، وفي الحديث: ((من حلف على يمين ليقطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان)) وليس المراد رأى الله لأن ذلك وصف أهل النار.
الخامس: أن العرف مانع من حمل الملاقاة على الرؤية ولهذا يقول المسلمون فيمن مات قد لقي الله ولا يعنون أنه رأى الله، ويقال: لقي فلان جهداً شديداً ولقيت من فلان الداهية، ولاقى فلان حمامه، وكل ذلك لا يقصد به الرؤية، فإن قيل: إنما امتنع حمل اللقاء على الرؤية فيما ذكرتم للدليل وامتناعه في تلك الصور لا يمنع من حمله عليها في ستر الصور،وعند ذلك نقول: إنما امتنع حمل قوله تعالى: {إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ }[التوبة:77] وما أشبهه على الرؤية لما علم ضرورة من أن الكافر لا يرى ربه، وكذلك منع العقل من حمل قول أهل العرف على الرؤية ولأجل ذلك جاز تقدير مضمر يناسب المقام، ولما كان الإضمار خلاف الأصل اقتصر فيه على ما به يحصل المعنى ويفهم المراد، فقيل: المراد إلى يوم يلقونه يلقون حسابه أو حكمه، أو نحو ذلك مما يناسبه.

قيل: نعارضكم بمثله فنقول: إنما امتنع حمل اللقاء على الرؤية فيما ذكرتم لقيام الدليل على امتناع رؤية الله تعالى، ووجب التأويل والتقدير بما يناسبه ويحصل به المعنى المراد، وسيأتي دليل امتناع الرؤية إن شاء الله، ثم إنا نقول العدول من الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا لموجب كما مر، ولا موجب هنا، وقد ذكرنا أن المعنى الحقيقي للملاقاة هو الاتفاق في الحضرة، وتوضيح ذلك أن اللقاء يراد به القرب ممن يلقاه على وجه يزول الحجاب بينهما، ولذلك يقول الرجل إذا حجب عن الأمير ما لقيته وإن كان قد رآه وإذا أذن له في الدخول عليه يقول لقيته وإن كان ضريراً.

[البقرة:47]

قوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}[البقرة:47] التفضيل: الزيادة في الخير، وفي الآية مسائل:

289 / 329
ع
En
A+
A-