قال العزيزي: ورواه أيضاً البيهقي في الزهد بإسناد صحيح، ومن كلام علي عليه السَّلام : (من لم ينجه الصبر أهلكه الجزع) رواه في النهج، ومعناه أن من لم يعتصم بالصبر ويتخلص به من هموم الدنيا ونوائبها أهلكه الجزع في الدنيا بالهموم، وفي الآخرة بالعذاب؛ لأن الجازع آثم، والإثم مهلكة، وقال عليه السَّلام : (الصبر يناضل الحدثان والجزع من أعوان الزمان). رواه في النهج، وفيه عنه عليه السَّلام في صفة المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً، وأذل شيء نفساً، يكره الرفعة ويشنأ السمعة، طويل غمه، بعيد همه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، مغمور بفكرته، ضنين بخلته، سهل الخليقة، لين العريكة، نفسه أصلب من الصلب وهو أذل من العبد) قوله لين العريكة: أي لين الجانب كناية عن تواضعه وحسن معاملته.
وأخرج البيهقي عن علي عليه السَّلام قال: (الإيمان على أربع دعائم: على الصبر، والعدل، واليقين، والجهاد). رواه في النهج.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن علي عليه السَّلام قال: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد إذا قطع الرأس نتن باقي الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له.
وعن علي عليه السَّلام :(لا يعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمان). رواه في النهج.
وعن عمر قال: وجدنا خير عيشنا الصبر.

تنبيه [في أنواع وأحكام الصبر]
واعلم أن الصبر تدخله الأحكام الخمسة فيكون واجباً، ومندوباً، ومحرماً ومكروهاً، ومباحاً.
فأما الواجب: فأنواعه ثلاثة:
أحدها: الصبرعن المحرمات، وهذا أشد أنواع الصبر لأن المعاصي غالباً مطابقة لدواعي الهوى محبوبة عند النفس كما مرت الإشارة إلى ذلك في الحديث النبوي، وأشد أنواع الصبر عن المعاصي هو الصبر عن المألوف المعتاد منها؛ لأن العادة طبيعة خامسة، فإذا انضافت إلى الشهوة تظافر جندان من جنود إبليس على جند الله تعالى فلا يقوى باعث الدين على قمعها إلا بمجاهدة قوية ونية صادقة، ومصابرةدائمة، سيما إذا كانت المعصية مما تيسر فعله كالغيبة والنميمة والكذب، والمراء، والثناء على النفس تصريحاً وتلويحاً، والمزاح المؤذي للغير، وإيراد الكلمات التي يراد بها الازدراء والاستخاف ونحو ذلك.
الثاني: الصبر على أداء الوجبات، ولهذا النوع ثلاث حالات:
الأولى: قيل فعل الواجب وذلك بالصبر على تصحيح النية والإخلاص إذ لا يقبل عمل إلا بهما.
الثانية: حالة العمل فيجب الصبر على استكمال ما يجب من الشرائط والأركان، ومراقبة الملك المنان، فلا يتكاسل ولا يغفل عن ذلك.
الثالثة: بعد الفراغ منه فإنه يحتاج إلى الصبر عن إفشائه رياًء أو سمعة، وعن العجب به وعما تحبطه وهذه الحالات معلومة من الشرع الشريف.
النوع الثالث: الصبر على ما نزل بالعبد مما لا يدخل تحت اختياره كالمصائب الكائنة بموت الأحبة وهلاك الأموال، وزوال الصحة بالأمراض، ونحو العمى وفساد الأعضاء، وبالجملة سائر أنواع البلاء الكائن من جهة الله تعالى، فالصبر على هذا واجب لقوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ }[لقمان:17] ولما جاء في وجوب الرضاء بالقضاء وأن الجزع يحبط الأجر ويوجب الوزر.
وعن علي عليه السَّلام : (إن صبرت جرى عليك القضاء وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القضاء وأنت مأزور) أوكما قال. رواه في النهج.

وهذه الأنواع الثلاثة قد تقدمت الإشارة إليها في حديث علي عليه السَّلام .
وقال ابن عباس: الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: صبر على أداء فرائض الله تعالى فله ثلاثمائة درجة، وصبر عن محارم الله تعالى فله ستمائة درجة، وصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى فله ستمائة درجة.
وأما المندوب: فأنواعه كذلك ثلاثة، صبر على المكروهات، وعلىالإتيان بالمستحبات، وفيه الثلاث الحالات في النوع الثاني من الواجب، وعن مقابلة الجاني ونحوه بمثل فعله ومكافأتة عليه فمن أوذي بفعل أوقول أو جنى عليه في نفسه أو له استحب له الصبر على ذلك بترك المكافأة لقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}[النحل:126].

وقال علي عليه السَّلام : (إنما هو سب بسب، وعفو عن ذنب) رواه في النهج، وهذا النوع من أعلى مراتب الصبر المندوب لكثرة ما جاء في الكتاب والسنة من الأمر به والحث عليه، بل لو قيل:إن أكثر ما جاء في الصبر إنما هو في هذا النوع لم يبعد قال تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}[آل عمران:186]، فبالغ تعالى في الحث عليه حتى سماه عزيمة أي فريضة، ولم يرد سبحانه حقيقتها لقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ...}الآية [النحل:126]، وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}[البقرة:194]، وقوله: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} الآية[الشورى:41]، ونحو ذلك كثير، وقال تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً}[المزمل:10] وقال تعالى حاكياً: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكّلُونَ}[إبراهيم:12].
وأخرج الشيخان من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسم مالاً فقال بعض الأعراب من المسلمين: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاحمرت وجنتاه، ثم قال: ((يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر )).

وعن بعض الصحابة أنه قال: ما كنا نعد إيمان الرجل إيماناً إذا لم يصبر على الأذى، وقد قيل: إن الصبر على أذى الخلق قد يكون واجباً تارة، ومندوباً أخرى، ولعل الواجب فيما إذا كان تبعاً لواجب كأن يصبر على ما يلحقه من الأذى بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كانت المكافأة تفوت الغرض المقصود منهما، وكذلك الصبر على ما كان من أذى القرابة فلا يكافئهم؛ لأن ذلك يؤدي إلى التمادي في القطيعة والإصرار عليها، وفي الحديث: ((صل من قطعك )).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلاً قال له إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني أفأرفضهم؟ قال: ((إذاً يرفضكم الله جميعاً )) أو ما هذا معناه. والله أعلم.
وأما الصبر المحرم فأنواعه كثيرة كالصبر عن الطعام والشراب حتى يموت عطشاً وجوعاً، وعند أكل الميتة للمضطر عند الأكثر، وكصبر الإنسان على ما يهلكه من سبع أو حية أو حريق، أو غرق، أو كافر يريد قتله.
قال بعض المحققين: بخلاف استلامه وصبره في الفتنة، وقتال المسلمين فإنه يباح له، بل يستحب الصبر كما دلت عليه النصوص الكثيرة، وقد سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه المسألة فقال: ((كن كخير ابني آدم )) وفي لفظ: ((كن عبدالله المقتول ولا تكن القاتل)) وفي لفظ: ((دعه يبوء بإثمه وإثمك)) وفي لفظ ((فإن بهرك بشعاع السيف فضع يدك على وجهك)).
قلت: ودليل هذا القسم أعني تحريم الصبر في تلك الأنواع عقلي وهو ما تقرر عقلاً من وجوب دفع الضرر عن النفس وشرعاً كقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ }[البقرة:195] ونحوه.
وأما المكروه: فكالصبر عن الأكل والشرب والجماع حتى يضر بدنه، أو تضرر زوجته بترك جماعها، وكالصبر على فعل المكروه.

وأما المباح: ففيما عدا ذلك، وضابطه كلما استوى طرفاه من الأفعال المخير بين فعلها وتركها، وتقسيم الصبر إلى الأحكام الخمسة مأخوذة من الأدلة السابقة وغيرها، وقد أشرنا إلى بعضها في أثناء بيان الأقسام.

خاتمة في الأسماء التي تتجدد للصبر بالإضافة إلى متعلقه
اعلم أن الصبر ضربان: أحدهما: بدني كتحمل المشاق، وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة من العبادات وغيرها، وإما بالانفعال وهو احتمال الألم ونحوه كالصبر على الضرب الشديد، والمرض العظيم، والجرح المؤلم، وهذا ليس بفضيلة تامة، بل قد لا توجد فيه فضيلة ويكون من قسم المباح، وقد يكون محموداً ومذموماً بحسب مطابقة الشرع وعدمها.
والثاني: نفساني وهذا هو الصبر التام الذي يتعلق به كمال الفضيلة، فإن كان صبراً عن مشتهى سمي عفة، وضده الفجور والزنا والشره، والدناءة ووضاعة النفس، وقيل: إنما يسمى عفة إن كان صبراً عن شهوة الفرج المحرمة وضده ما مر، فإن كان عن شهوة البطن سمي شرف نفس، وضده الشره وما بعده، وإن لم يكن صبراً عن مشتهى بل كان عن تحمل مكروه اختلفت أساميه بحسب اختلاف موقعه، فإن كان في مصيبة لم يتعد به اسم الصبر، ويضاده الجزع والهلع والحزن، وهو إطلاق داعي الهوى ليسترسل في رفع الصوت وضرب الخدود وشق الجيوب ونحوها، وإن كان في احتمال الغنى سمي ضبط النفس، وضده البطر والأشر، وإن كان في محاربه بأن يصبر عن إجابة داعي الفرار والهرب سمي شجاعة، وضده الجبن والخور، وإن كان في كظم غيظ بأن يمسك النفس عن قضاء وطر الغضب سمي حلماً، ويضاده التذمر والاستشاطة، وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمي سعة صدر، ويضاده الضجر والتبرم وضيق الصدر، وإن كان في إخفاء كلام لا يحسن إظهاره سمي كتمان سر وسمي صاجبه كتوماً، وضده إذاعة أو إفشاء أو نميمة، أو فحشاء، أو سباً أو كذباً أو قذفاً، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً، وضده حرصاً، وإن كان على قدر ما يكفي من حظوظ الدنيا سمي قناعة، وضده حرصاً وشرهاً، وإن كان في إناءة بأن لا يجيب داعي العجلة سمي وقاراً وثباتاً، وضده طيشاً وخفة، وإن كان عن إجابة داعي الانتقام سمي صفحاً وعفواً، وضده انتقاماً وعقوبة، وإن كان في إعطاء بأن لا

يجيب داعي الإمساك والبخل سمي جواداً أو سخاء، وضده بخلاً، وإن كان عن إجابة داعي الطعام والشراب في وقت مخصوص سمي صوماً، وضده إفطار، وإن كان عن إجابة داعي العجز والكسل سمي كيساً، وضده عجزاً وكسلاً، وإن كان عن إجابة داعي الاتكال على الناس سمي مروءة، وإذا تعلق بالتسوية سمي عدلاً، وضده ظلماً.
فهذه أنواع الصبر، وله عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلقه، والاسم الجامع لذلك كله هو الصبر، وهذا يدلك على ارتباط مقدمات الدين بالصبر من أولها إلى آخرها، ولهذا قيل: إن الإيمان هو الصبر، وليس ذلك إلا لكونه أكثر أعماله وأعزها وأساسها كما قيل في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الحج عرفة )) وقد نبه الله على هذه الأقسام في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}[البقرة:177].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً )) وقد مر، ومن هنا يظهر لك سر أمر الله تعالى في هذه الآية بالاستعانة بالصبر، وقد تكلم بعض الناظرين فيما به تحصيل الاستعانة بالصبر وأجاد في ذلك فقال: الاستعانة بالصبر تكون بالالتفات إلى الأسباب التي تأفك الناس وتصدهم عن صراط الشريعة كاتباع الشهوات والولوع باللذات، والبعد عن المؤلمات، ثم بالقياس بينها وبين ما رغب الله فيه وأوعد بالعقاب على فعله، ثم بملاحظة أن ما أوعد الله به أولى بأن يتقى، وما وعد به أولى بأن يرجى ويطلب.

المسألة الثانية في معنى الاستعانة بالصلاة
قال المرتضى عليه السَّلام : الاستعانة قد تكون على أمر الدنيا وأمر الآخرة، فمن ذلك ما في العاجلة من الأمر والنهي وما وعد الله به أهل طاعته من العون لهم عند الإقبال إليه، والتمسك بحبله، والاعتصام بأمره، وفي ذلك ما يقول جل ثناؤه: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ }[العنكبوت:45] فكذلك المواظبة على طاعة الله سبحانه زاجرة عن معصيته ذائدة عن مخالفته، وفي الآخرة إداء ثوابهم فكانت الصلاة عوناً على الأمر في الآخرة وطريقاً إلى الجنة، ونجاة من الهلكة أو طاعة للرحمن، فيما أمر به في واضح الفرقان.

قلت: قد أشار عليه السَّلام على أن الاستعانة بالصلاة تكون على أمور الدنيا والآخرة، ومن الاستعانة بها في الدنيا أنها تكون لطفاً في ترك الفحشاء والمنكر، وهذا هو الأمر الأكبر الذي ينبغي أن يقصد من الاستعانة بالصلاة، وليست الاستعانة بها مقصورة عليه لأن الآية تدل بظاهرها على أنه يستعان بها في كل أمر كجلب المنافع وتيسير الأرزاق، ودفع البلايا وكشف الهموم والرزايا، والألطاف المبعدة عن المعاصي المقربة من فعل كل واجب، ويؤيد ذلك ما جاء في الكتاب والسنة كأن يستدفع بالتقوى البلاء، ويستمنح بها الرخاء، ويستوجب بها الألطاف، وأن المعاصي سبباً للنكبات جالبة للمصيبات موجبة للخذلان، والآيات والأخبار في ذلك كثيرة منها قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}[الطلاق:2،3] وقوله سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}[الشورى:30] وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ}[محمد:17] وقال جل ثناؤه: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ...}[الأنفال:29] الآية وقال تعالى: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ }[النساء:155] ونحوها وقد مر في قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:7] ما يؤيد هذا، وهو أن المعاصي قد تكون سبباً للختم على القلوب والطبع عليها، وفي كلام علي عليه السَّلام :(من قصر في الطاعة ابتلي بالهم) رواه في النهج.
وأخرج أبو داود، وأحمد، وابن جرير عن حذيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة.

288 / 329
ع
En
A+
A-