وفي سنن أبي داود حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، حدثنا أبي، ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((أتسمع حي على الصلاة حي على الفلاح فحي هلا)) وفيه حدثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين، عن ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني رجل ضرير البصر شاسع الدار ولي قائد لا يلايمني فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: ((هل تسمع النداء ؟ قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة)) وأخرجه ابن ماجة من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة، عن زائدة، عن عاصم فذكره، وأخرجه الطبراني، وأحمد، وابن حبان وزاد في روايته ((فأتها ولو حبواً )) قالوا: ولا يخفى ما يفيده الحديث من الوجوب.
وفي صحيح مسلم حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الفضل بن دكين، عن أبي العميس، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درحة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يتهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. وأخرجه ابن ماجة، وأبو داود وغيرهما.
أبو العميس هو: عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي. قال أبو حاتم: صالح وثقه أحمد وابن معين. احتج به الجماعة، وروى له المؤيد بالله. توفي قريباً من المائتين.

وعلي بن الأقمر هو: الهمداني الوادعي قال في التقريب: كوفي ثقة، وقوله يهادي معناه: يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه ويعتمد عليهما.
وفي صحيح مسلم حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر العبدي حدثنا زكريا بن أبي زائدة، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة، وقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه، وهذا الأثر نص في الوجوب من حيث أنه نفى التخلف إلا عن المنافقين، ونسب التارك إلى الضلال، وفي رواية أبي داود إلى الكفر، وقال: إنها من سنن الهدى ومن مال عن طريقة الهدى وقع في الحيرة والردى.
والجواب أنه قد ثبت بالدليل عدم وجوب صلاة الجماعة كما سيأتي، وحينئذ فلا يجوز حمل هذين الخبرين على ظاهرهما لأن لا تتعارض في حجج الله، بل يجب التأويل بما يقع به الجمع بين الأدلة، لا سيما وحديث ابن أم مكتوم معارض بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ }[الفتح:17] ونحوها.
قال بعض المحققين: لا بد من التأويل لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ }[الفتح:17] وفي أمر الأعمى بحضور الجماعة مع عدم القائد ومع شكايته من كثرة السباع والهوام في طريقه غاية الحرج.
قلت: والعقل أيضاً يوجب التأويل، أو الرد إن لم يحتمله إذ في حمله على الظاهر مخالفة للدليل العقلي الدال على قبح تكليف ما لا يطاق، وتكليفه بالمشي مع بعد داره وعدم القائد كما في رواية أحمد مع خوفه من السباع كتكليفه بنقط المصحف، وقد ذكر المتكلمون أن تكليفه بذلك قبيح عقلاً كما مر، وإذا وجب التأويل فقد ذكر العلماء فيه وجوهاً:
أحدها: أن المقصود منه سد الذريعة لئلا يجعل المنافقون الرخصة سبباً للاستمرار على ترك الجماعة.

قال في شرح سنن الترمذي: ليس بمثل هذا الدليل يثبت فرض في الإسلام؛ لأن المنافقين كانوا في ذلك الزمان يتكاسلون فلو رخص لأحد في ذلك لبطلت الجماعة وأمتزج المنافق مع الموحد المخلص، فحسم الباب، وفيه ضعف لما تضمنه من تكليف الأعمى بما لا يقدر عليه أو بما فيه حرج، وهو لا يجوز لما مر.
الثاني: أن الوجوب خاص بجماعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما مر، وفيه ضعف لما مر.
الثالث: أنه سأل هل له رخصة في أن يصلي في بيته وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره، فقيل لا، ويؤيده أن الجماعة تسقط بالعذر بالإجماع والعمى عذر إذا لم يجد قائداً كما في حديث عتبان بن مالك وهو في الصحيح فإنه لما قال أن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي فأحب أن تأتيني في مكان من بيتي أتخذه مسجداً فعذره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأتى مكانه وبرك عليه.

الرابع: ما ذكره العلامة المقبلي وهو أن الحديث لما كان مع رجل من أهل المحافظة على الأمور الدينية وفضائل الشريعة التي ينزلونها منزلة الواجب فسأل الرخصة لذلك، وعامله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك لأنه أمر مناسب مع بيان عدم الوجوب بأدلته، ونحوه قول عبد الله بن عمرو: وقد حضه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الاقتصاد فراجعه في ذلك ثم قال بعد أن طعن في السن: وددت أني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فليحفظ هذا فهو أمر كلي يجيئ في عدة مواضع يأمر العبد بالفعل، ويلام على الترك نظراً إلى حاله مع وجود دليل على عدم الوجوب العام، ولكن يكون بمنزلته من هو مثله كما قال صلى الله عليه وآله وسلم للبدوي الذي سأله عن الوتر ليس لك ولأصحابك إنما هو لأهل القرآن على معنى ما دمت راغباً عن الفضائل فإذا كنت راغباً فيها سلك بك مسلك أهلها، وأما حديث ابن مسعود فقول صحابي ليس فيه إلا حكاية المواظبة على الجماعة، وعدم التخلف عنها، ولا يستدل بمثل ذلك على الوجوب، غاية ما فيه أنه فهم الوجوب من كونها من سنن الهدى وفي المواظبة عليها كما يفيده قوله: ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وفهمه ليس بحجة كسائر المجتهدين، على أنا نقول ليس كل سنن الهدى واجبة توجب الكفر والضلال فإن غالبها إنما هي مستحبة لا غير، والمواظبة على الفعل لا تقتضي وجوبه، سيما إذا قام دليل ينفي الوجوب كما في الجملة، هذا وقد تأول العلماء كلامه بأنه أراد بالسنة فيما يرجع إلى الجماعة المعنى المتعارف بين الفقهاء، وقوله: لضللتم محمول على التغليظ أو على الترك تهاوناً وقلة مبالاة وعدم اعتقادها حقاً، ويؤيده أنه علق الصلاة والكفر بترك الكل للجماعة كما يدل عليه توجيه الخطاب إليهم جميعاً، وقد صرح به في رواية ابن ماجة أنه قال: لو أن كلاً منكم صلى في بيته لتركتم سنة نبيكم... إلخ، ومن البعيد اجتماعهم جميعاً على ترك الجماعة إلا عن

تهاون واستخفاف كما سيأتي في حديث: ((ما من ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الجماعة ...)) الخبر أو لفعلتم فعل الكفرة، أو أنه يؤدي إلى الكفر بأن تتركوا شيئاً فشيئاً حتى تخرجوا عن الملة.
الدليل الثامن: ما رواه ابن ماجة في السنن قال: حدثنا علي بن محمد، ثنا أبو أسامة، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحكم بن ميناء أخبرني ابن عباس وابن عمر أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول على أعواده: ((لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين)) والختم على القلب إنما يكون لمرتكب الكبيرة كما في قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:7].
والجواب: أنه لا حجة في هذا الحديث لأنه وارد في جماعة الجمعات، وهو مصرح به في صحيح مسلم قال: حدثني الحسن بن علي الحلواني، حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية وهو ابن سلام، عن زيد يعني أخاه أنه سمع أبا سلام قال: حدثني الحكم بن ميناء أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة حدثاه أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول على أعواد منبره: ((لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين)).
قال في المنتقى: ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر وابن عباس، وكذلك هو في الجامع الصغير بلفظ الجمعات منسوباً إلى هؤلاء وإلى ابن ماجة من حديث ابن عمر وابن عباس.

الدليل التاسع: ما أخرجه ابن ماجة قال: حدثنا عبد الحميد بن بيان الواسطي، أنبأنا هشيم، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر )) قيل: وهذا الإسناد صحيح، ورواه في الشفاء، وأخرجه الدارقطني والحاكم من طرق عن شعبة من طريق العباس الدوري عن عبد الرحمن بن غزوان فزاد أبي نوح عن شعبة قال الحاكم: هذا حديث قد أوقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وهشيم وقراد أبي نوح ثقتان فإذا وصلاه فالقول فيه قولهما، ووافقه الذهبي.
وفي سنن أبي داود حدثنا قتيبة، ثنا جرير، عن أبي جناب، عن مغزا العبدي، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر ، قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى)) ورواه في الشفاء.
وأبو خباب هو: الكلبي واسمه يحيى بن أبي حية. قال أبو نعيم: ثقة يدلس وقال يزيد بن هارون: كان صدوقاً يدلس، وأثنى عليه أبو زرعة وابن معين بالصدق، وكلهم رموه بالتدليس، وقال في التقريب: ضعفوه لكثرة تدليسه. قال الفلاس: متروك مات سنة أربع وأربعين ومائة. احتج به الأربعة إلا النسائي، وروى له المرادي.
وورى ابن حزم في المحلى بإسناده إلى شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعاً: ((من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر )) وصحح إسناده عبد الحق.
وفي الشفاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من سمع النداء من جيران المسجد لم يحبسه مرض أو علة لم يشهد الصلاة فلا صلاة له)).

وعن معاذ بن أنس الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادي الله ينادي بالصلاة ويدعو إلى الفلاح فلا يجيبه)) أخرجه الطبراني في الكبير.
قال العزيزي: بإسناد حسن. والجفاء: البعد عن الشيء.
وقال الدارقطني: حدثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي، نا أبو السكين الطائي زكريا بن يحيى، وحدثنا محمد بن مخلد، نا جنيد بن الحكم، نا أبو السكين الطائي، حدثنا محمد بن سكين الشقري المؤذن، نا عبد الله بن بكير الغنوي، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: فقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوماً في الصلاة فقال: ((ما خلفكم عن الصلاة ؟ قالوا: لحاً كان بيننا فقال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) هذا لفظ ابن مخلد.
وقال أبو حامد: لا صلاة لمن يسمع النداء ثم لا يأتي إلا من عذر، وذكر أيضاً من حديث يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد )) والحديث في الجامع الصغير منسوباً إلى البيهقي والدارقطني، وأخرجه أيضاً الحاكم وقد ضعف الحديثان الأول بمحمد بن سكين بالتصغير، والثاني سلمان بن أبي داود اليماني وهو منكر الحديث كما قال البخاري وأبو حاتم، قال البخاري: ومن قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه.
قلت: ذكره في الجداول من رجال المرشد بالله وقال: غمزه المحدثون، وقال ابن حجر في التلخيص: حديث لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد مشهور بين الناس وهو ضعيف.
وفي المجموع حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السَّلام قال: لا صلاة لجار المسجد لا يجيب إلى الصلاة إذا سمع النداء.

وأخرج ابن حزم في المحلى من طريق يحيى بن سعيد القطان، حدثنا أبو حيان يحيى بن سعيد التيمي، حدثني أبي عن علي بن أبي طالب عليه السَّلام : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، فقيل له: يا أمير المؤمنين ومن جار المسجد؟ قال: من سمع الأذان.
ومثله من طريق سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، عن أبي حيان المذكور، عن أبيه، عن علي عليه السَّلام . قال في الحواشي: هذا الإسناد والذي قبله صحيحان.
قلت: وأخرجه عبد الرزاق والبيهقي، وأخرجا أيضاً عن الحرث عن علي عليه السَّلام قال: من سمع النداء من جيران المسجد فلم يجب وهو صحيح من غير عذر فلا صلاة له.
وأخرج الدارقطني ولفظه: من كان جار المسجد فسمع المنادي ينادي فلم يجبه من غير عذر فلا صلاة له، وضعف بالحارث وقد مر توثيقه، وذكر في المحلىآثاراً بمعناه عن ابن مسعود وأبي هريرة، وأبي موسى، وعائشة وفيه: عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عدي بن ثابت قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال: من سمع النداء ثم لم يأت الصلاة فلا صلاة له إلا من عذر، وهذا هو الذي قال الحاكم أوقفه غندر، وغندر هو محمد بن جعفر.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن المراد بالنداء نداء الجمعة للتصريح بوجوب السعي إليها عند ندائها في قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9].
وأخرج الطبراني في الكبير عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من سمع النداء يوم الجمعة ولم يأتها ثم سمع النداء ولم يأتها ثلاثاً طبع على قلبه فجعل قلب منافق)) قال العراقي: وإسناده جيد.
وروى أبو داود وغيره عن ابن عمر مرفوعاً: ((الجمعة على من سمع النداء )).

وجاء في غير حديث الوعيد على من ترك الجمعة بغير عذر فيستفاد من مجموع ذلك حصول الظن بأن قوله من سمع النداء من جيران المسجد للخصوص؛ إذ قد تخرج ألفاظ العموم عن موضوعها لقرينة، والظن كاف في حصولها، سيما مع ما سيأتي من أدلة نفي وجوب الجماعة ومع قوة دليل المخالف في عموم الجنس المعرف كما مر في الفاتحة، وعلى هذا الوجه فيكون النفي بقوله فلا صلاة له متناولاً لكل صلاة صلاها لأن النكرة في سياق النفي للعموم، ومعناه أنه إذا تمادى على ترك الجمعة لم تقبل له صلاة، ويشهد له قوله في حديث جابر: ((فمن تركها يعني الجمعة استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ولا زكاة له)) الخبر أخرجه ابن ماجة، وهو في أمالي أبي طالب.
الثاني: أن الحديث ليس فيه دلالة على شرعية الجماعة فضلاً عن وجوبها،وإنما يدل على شرعية الصلاة في المسجد وإن لم تقم فيه جماعة،وهو محمول على نفي الكمال والفضيلة إذ لم يقل أحد بوجوب الإتيان بالصلاة في المسجد ولا بكونه شرطاً في صحتها إلا في الجمعة، وقد روي من حديث علي عليه السَّلام عند أئمتنا وغيرهم: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )).
وفي الصحيحين من حديث جابر: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)).
وفي سنن الترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام )) وفي هذا المعنى عدة أخبار وهي موجبة لحمل قوله لا صلاة لجار المسجد... إلخ على نفي الفضيلة دون الحقيقة.
قال في حواشي الفصول ما لفظه: فإن قلت قد قال علماؤنا في الفقه في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا صلاة لجار المسجد إلا فيه )) الخبر أن المراد نفي الأفضلية فقط، وقالوا في الأصول: المراد نفي كونها واقعة شرعاً، وهذا هو نفي الإجزاء.

قلت: الجمع بين الكلامين أن كلامهم في الأصول أن الخبر ونحوه يفيد لفظه نفي الإجزاء ما لم يرد دليل يوجب حمله على نفي الأفضلية فقط، وقد وردت الآثار بصحة الصلاة في غير المسجد فلذلك حمل على نفي الأفضلية.
قلت: وهذا تصريح بأن الحديث إنما ورد في الحث على الصلاة في المسجد مطلقاً، وأنه لم يفهم منه الدلالة على شرعية الجماعة فكيف يستدل به على وجوبها.
الثالث: أنا لو فرضنا وروده في صلاة الجماعة فقد ذكر بعض جهابذة الأصول أن هذا التركيب ونحوه مما ينفى فيه الفعل والمراد نفي صفته من المجمل؛ لأنه لا بد من إضمار شيء يتعلق به النفي، وهو متردد بين الإجزاء والكمال إذ يفهم منه تارة هذا، وتارة هذا، وما أضمر للضرورة قيد بقدرها فلا يضمر الجميع ولا أحدهما معيناً إذ ليس بأولى من الآخر فكان مجملاً، سلمنا أنه ليس بمجمل فالمنفي إما الحقيقة أو الإجزاء أو الكمال، والحقيقة غير منفية لوجوبها جنساً، والإجزاء لا حاجة إليه إذ تقدير الكمال كاف بما مر في الفاتحة، سلمنا وجوب توجه النفي إلى الحقيقة، وأما ما هو أقرب إلى نفيها وهو الإجزاء فذلك مع عدم القرينة الصارفة عنه، والقرينة هنا موجودة وهي أدلة عدم وجوب الجماعة، فإن قيل: تصريحه في حديث ابن عباس بنفي القبول يدفع الإجمال، وتقدير الكمال، وتعيين تقدير نفي الإجزاء إذ نفي القبول هنا بمعنى نفي الإجزاء.

282 / 329
ع
En
A+
A-