الدليل السادس: قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لقد هممت أن آمر بالصلاة أن تقام ثم آمر رجالاً من قريش فيحملون حزماً من حطب فيه نار فأحرق على قوم لا يحضرون الصلاة بيوتهم)) رواه في الشفاء.
وفي سنن أبي داود وحدثنا عثمان ابن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلى بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) وأخرجه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة بهذا الإسناد.
ورواه مسلم ولفظه حدثنا ابن نمير، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب واللفظ لهما قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)).
أما أبو معاوية فهو الضرير وقد وثقه جماعة، وقيل: إنه كان يرى الإرجاء وربما دلس، وقال في الجداول: الشيعي الثبت، وقيل: إنه غال في التشيع.
وأما أبو صالح فهو: ذكوان السمان ثقة.
وفي صحيح البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)) وأخرجه النسائي، وهو في صحيح مسلم قال: حدثني عمرو الناقد، قال: سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد فذكره ولفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد ناساً في بعض الصلوات فذكر نحوه، وفي آخره: ((ولو علم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها يعني صلاة العشاء)).
وأبو الزناد هو: عبد الله بن ذكوان وثقه جماعة، ووصمه آخرون بأنه كان عاملاً لبني أمية، وروى حديث أن آدم خلق على صورة الرحمن أنكره مالك إنكاراً شديداً.
وفي صحيح مسلم حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لقد هممت أن آمر فتياني أن يستعدوا لي بحزم من حطب ثم آمر رجلاً يصلي بالناس ثم تحرق بيوتاً على من فيها)).
قال مسلم: وحدثنا زهير بن حرب، وأبو كريب، وإسحاق بن إبراهيم، عن وكيع عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنحوه.
وقد ذكره الترمذي فقال حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لقد هممت أن آمر فتيتي أن يجمعوا حزم الحطب ثم آمر بالصلاة فتقام ثم أحرق على أقوام لا يشهدون الصلاة)).
قال الترمذي: حسن صحيح، قال وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن أنس، وجابر.
أما هناد فهو: ابن السري الدارمي أبو السري الكوفي، وثقه النسائي، أخذ عنه أحمد بن عيسى، توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين، احتج به مسلم والأربعة، وروى له المرادي والنرسي.
وأما ابن برقان بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف فهو الكلابي أبو عبد الله الرقي، قال ابن معين: ليس بذاك في الزهري وهو أمي ثقة، وفي التقريب: صدوق يهم في حديث الزهري.
وأما ابن الأصم: فاسمه عمرو بن عبيد بن معاوية البكائي بفتح الموحدة والتشديد أبو عوف كوفي، قال في التقريب: ثقة.
ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لولا ما في البيوت من النساء والذرية أقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار)) وفي إسناده أبو معشر، قال في النيل: وهو ضعيف.
وفي سنن أبي داود حدثنا النفيلي، ثنا أبو المليح، حدثني يزيد بن يزيد، حدثني يزيد بن الأصم سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعون حزماً من حطب ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم)) قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف الجمعة عنى أو غيرها؟ قال: صمتا أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يؤثره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ذكر جمعة ولا غيرها.
أما النفيلي فهو: عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل بنون وفاء مصغراً النفيلي الحراني يروي عنه أحمد وأبو زرعة وأكثر عنه أبو داود، وقال: مارأيت أحفظ منه، وروى عنه البخاري بالواسطة فرد حديث، وقال أبو حاتم: ثقة مأمون، وفي التقريب ثقة حافظ، توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين.
وأما أبو المليح فلعله الحسن بن عمر أو عمرو بن يحيى الفزاري مولاهم أبو المليح الرقي قال أحمد: ثقة ضابط، توفي سنة إحدى وثمانين ومائة.
والحديث حجة على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن الحديث ورد في بيان فضل شهود العشاء والفجر في جماعة كما في بعض رواياته السابقة، وسائر الروايات محمولة عليها إذ القصة واحدة والحديث واحد، وإنما وقع التصرف من أبي هريرة أومن بعض الرواة، فتارة يذكرون العشاء والفجر، وتارة يذكرون العشاء، وتارة يأتون بلفظ عام للصلوات، وقد رواه أمير المؤمنين وغيره وسيأتي، ولفظ أمير المؤمنين: لأن أصلي الفجر وعشاء الآخرة في جماعة أحب إلي من أن أحيي ما بينهما، أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً وإنهما ليكفران ما بينهما)) ولم يذكر الزيادة التي ذكرها أبو هريرة وهو في مقام التعليم والتبيين لما جاء به خاتم المرسلين، فلو كانت ثابتة في الحديث لذكرها الوصي عليه السَّلام ، فلعل أبا هريرة وهم في الزيادة أو خلط رواية واردة على سبب برواية أخرى بأن تكون رواية الهم بالإحراق في غير التخلف عن الجماعة أو نحو ذلك كما سيأتي في سائر الوجوه، وأبو هريرة مشهور بسوء الحفظ وقلة الضبط، وقد تقدمت الإشارة إلى بعض ما قيل فيه في الخامسة من مسائل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ }[البقرة:8] وكان أبو حنيفة لا يقبل روايته، وذكر أبو جعفر الإسكافي أن أبا هريرة كان مدخولاً عند شيوخ العدلية غير مرضي الرواية، ضربه عمر بالدرة وقال: قد أكثرت الرواية وأحرى بك أن تكون كاذباً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن إبراهيم التميمي كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلا ما كان من ذكر جنة أو نار، وروى أبو أسامة عن الأعمش قال: كان إبراهيم صحيح الحديث فكنت إذا سمعت الحديث آتيه فأعرضه عليه فأتيته يوماً بأحاديث من أبي صالح عن أبي هريرة فقال: دعني من أبي هريرة إنهم كانوا يتركون كثيراً من حديثه.
وروي عن علي عليه السَّلام أنه قال: ألا إن أكذب الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله أو قال الأحياء أبو هريرة الدوسي.
وفي إملاء النقيب أبو جعفر العلوي ما لفظه: وقد صرح -يعني أمير المؤمنين- غير مرة بتكذيب أبي هريرة وقال: لا أجد أكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الدوسي، وكذلك روى عن ابن عباس وعائشة أنهما طعنا في حديث الاستيقاض.
وفي مسند الطيالسي أن عائشة أنكرت عليه حديثه في المرأة التي ربطت الهرة.
وفي أمالي المرتضى أنها أنكرت لروايته لحديث: ((إنما الطيرة في المرأة والدار والدابة )) وقالت: كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم من حدث بهذا عن رسول الله وإنما قال عليه الصلاة والسلام: ((كان أهل الجاهلية يقولون أن الطيرة في المرأة والدار والدابة ثم قرأت: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ ...}[الحديد:22] الآية، ذكر هذا كله علامة العصر.
وذكر المنصور بالله أنه كان من أهل الغفلة، وصرح الحافظ بكذبه، ولحق بمعاوية ودخل معه الكوفة، وأساء القول في أمير المؤمنين عليه السَّلام ، وشهد عليه بأنه قد أحدث في حرم المدينة، وروى في من أحدث فيه حديثاً قد تقدم في البسملة، وتولى المدينة لمعاوية.
وقال الإمام محمد بن عبد الله الوزير نقلاً عن بعض أهل البيت": أما أبو هريرة فهو عند أئمة العترة غير مرضي، ممقوت العلانية والسريرة؛ لأنه من الفئة الباغية الداعية إلى النار بنص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبدون هذه تسقط روايته لانتفاء العدالة والضبط فلا يؤمن أن يكون خلط حديثاً بحديث، بل هو الظاهر لما سيأتي، وقد قال أمير المؤمنين عليه السَّلام في كلامه في الرواه المروي في نهج البلاغة ما معناه: أن منهم من هو منافق ولم يعلم الناس أنه منافق فتقربوا إلى أئمة الضلال برواية الزور والبهتان فولوهم الأعمال، ومنهم من لم يحفظ الشيء على وجهه فوهم فيه، وبما حكيناه من كلام الأئمة والعلماء في أبي هريرة فهو لا يخلو من أحد هذين القسمين، وعلى أيهما فلا يجوز الاعتماد على روايته في إثبات مثل هذا الأصل العظيم الذي يعم المكلفين حكمه، ويلحقهم عند الإخلال به إثمه.
الوجه الثاني: أن المراد بالحديث الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة في تأكيد أمر شهود الصلاة في جماعة بدليل ما سيأتي من أدلة الاستحباب.
الوجه الثالث: أن الحديث يدل على خلاف المدعى وهو عدم الوجوب؛ إذ لو كانت واجبة لما هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتركها، وأيضاً لو كانت واجبة شرطاً أو فرضاً لبين ذلك عند التوعد.
قيل:وفيه نظر لجواز أنه فعلها في جماعة آخرين قبل التحريق أو بعده، ولأنه قد دل على وجوب الحضور، وهو كاف في البيان كما لو صرح بوجوبها.
الوجه الرابع: أنه صلى الله عليه وآله وسلم هم ولم يفعل، ولو كانت واجبة لما تركهم، وردّ بأنه لا يهم إلا بالجائز، والترك لا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أنهم انزجروا بذلك على أن في رواية أحمد بيان بسبب الترك.
الوجه الخامس: أن الحديث ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون فرادى.
قال النووي: وسياق الحديث يزيد هذا التأويل، وقوله في حديث ابن مسعود رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق. صريح في هذا التأويل.
قلت: ولعله أراد بقوله: وسياق الحديث يزيد هذا أن قوله لا يشهدون الصلاة لا يستلزم حضورها في جماعة إذ يقال لمن فعل شيئاً أنه قد حضره أي لم يغب عن فعله، فإن قيل: إن في بعض طرق هذا الحديث ما يدفع هذا التأويل ويخصص هذا الوعيد بمن لا يشهد الصلاة في جماعة، وذلك ما في رواية أبي داود: ((ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة )). وفي رواية أحمد عن أبي هريرة: العشاء في الجمع أي في الجماعة.
وفي سنن ابن ماجة حدثنا عثمان بن إسماعيل الهذلي الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، عن أبي ذئب، عن الزبرقان بن عمرو الضمري، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لينتهين رجال عن ترك الجماعة أو لأحرقن عليهم بيوتهم)).
قيل: أما حديث أبي داود ففي إسناده يزيد بن يزيد وقد قيل بجهالته.
قال في التقريب: يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي الدمشقي ثقة فقيه. مات سنة أربع وثلاثين ومائة، وقيل: قبل ذلك.
قال في الحواشي: ولا التفات إلى قول ابن قانع فيه، وقد روى عن أبي أمامة ثم قال في التقريب: يزيد بن يزيد بن جابر الرقي عن يزيد بن الأصم، قيل: هو الذي قبله، وقيل: آخر من أهل الرقة مجهول.
وقال في الحواشي بعد ذكره الأزدي: أما سميه الرقي فتفرد عنه أبو المليح فتحصل من هذا جهالة ابن يزيد،والمجهول لا يقبل حديثه.
وأما رواية أحمد فينظر في سندها،وأما رواية ابن ماجة فتكلم عن رجالها بما قيل فيهم من مدح وذم، فأما الهذلي فقال في التقريب: مقبول، ومن وصف بمقبول فهو من المرتبة السادسة من مراتب المدح المقتضي للعدالة، وهي إشارة إلى نقص هذه المرتبة بالنسبة إلى ما تقدمها إلا أنه ليس بمتروك عندهم.
وقال السندي في شرحه عن ابن ماجة: أن عثمان لا يعرف حاله، وأما الوليد فهو الدمشقي قاله السندي في شرحه، وقال: إنَّه يدلس، وقد تقدمت ترجمته في الفاتحة، وحكينا هنالك عن التذكرة أنه يدلس، ولا يحتج به إلا إذا صرح بالسماع وهو هنا لم يصرح به.
وأما أبو ذئب فلم أجده، فإن كان ابن أبي ذئب فقد تقدمت ترجمته في الفاتحة واسمه محمد بن عبد الرحمن.
وأما الزبرقان فهو: ابن عمرو بن أمية، ويقال ابن عبد الله. قال في التقريب: ثقة، لكن الضمري المذكور في السند قال في التقريب: إنه ابن عبد الله ولم يذكر إلا رواية أبي داود له ووثقه ثم ذكر الأول بعده، وقال إنه روى له النسائي، و أبو داود، و ابن ماجة. قال: ولم يفرق الأكثر بينهما.
وأما أسامة فقال علامة العصر: إنه أحد خاذلي أمير المؤمنين عليه السَّلام ، فثبت أن هذه الروايات لا يدفع بها التأويل المذكور لضعفها، وأن الحديث إنما جاء في شأن جماعة من المنافقين، ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يهم بتحريق بيوت أصحابه المؤمنين في غفلة من دون إعذار ولا إنذار.
الوجه السادس: أن الصلاة المتوعد عليها هي الجمعة، ويدل عليه ما رواه مسلم في الصحيح قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص سمعه منه عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((القوم يتخلفون عن الجمعة لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم)) وأخرجه أحمد، وابن مسعود أحفظ من أبي هريرة بلا شك، بل لا نسبة لأبي هريرة بالنظر إليه، وقد مر أن أصل الحديث ورد في بيان فضل العشاء والفجر في جماعة من دون الزيادة التي ذكرها أبو هريرة في الهم بالإحراق، وأن من الجائز أن يكون لسوء حفظه وقلة ضبطه خلط حديثاً بحديث، فجعل الحديث الوارد في الهم بإحراق المتخلفين عن الجمعة في المتخلفين عن جماعة الفجر والعشاء تارة، وعن أحدهما أخرى، وتارة في المتخلفين عن الصلاة مطلقاً، ويجوز أن يكون بعض هذا التصرف ممن دونه من الرواة فقد عرفت ما قيل في بعضهم، وبهذا يدفع قول من قال إن الحديث الوارد في الجمعة وفي إحدى الصلاتين وفي الصلاة مطلقاً كله صحيح؛ إذ لا منافاة فيحمل على تعدد الواقعة، وغاية ما فيه أنه يحتمل تعداد الواقعة ولا احتجاج بمحتمل، لا سيما ولنا أن نقول حديث ابن مسعود معين لأحد الاحتمالين.
الوجه السابع: أن الحديث ورد في الحث على مخالفة أهل النفاق، والتحذير من التشبه بهم لا لخصوص ترك الجماعة.
الوجه الثامن: أن فريضة الجماعة كانت واجبة ثم نسخت.
قال الحافظ: أن يتقوى لثبوت النسخ بالوعيد المذكور في حقهم وهو التحريق بالنار، ويدل على النسخ الأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز.
الوجه التاسع: أن الوجوب خاص بجماعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
قال الشوكاني: اعلم أن الاستدلال بحديثي الأعمى وحديث أبي هريرة على وجوب مطلق الجماعة فيه نظر لأن الدليل أخص من الدعوى؛ إذ غاية ما في ذلك وجوب حضور جماعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده لسامع النداء، ولو كان الواجب مطلق الجماعة لقال في المتخلفين إنهم لا يحضرون جماعته ولا يجمعون في منازلهم، ولقال لعتبان بن مالك انظر من يصلي معك، ولجاز الترخيص للأعمى بشرط أن يصلي في منزله جماعة.
الدليل السابع: ما روي عن ابن أم مكتوم أنه قال: يا رسو الله إني ضرير البصر شاسع الدار ولي قائد لا يلازمني فهل من رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: ((هل تسمع النداء ؟ قال: نعم. قال: ((لا أجد لك رخصة)).
وفي رواية أخرى أنه قال: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((هل تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ؟ قال فحي هلا)) يعني هلم إلى الصلاة. رواهما في الشفاء.
وفي صحيح مسلم حدثنا قتيبة بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم وسويد بن سعيد، ويعقوب الدورقي كلهم عن مروان الفزاري قال قتيبة: حدثنا الفزاري، عن عبيد الله بن الأصم، حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه قال: ((هل تسمع النداء بالصلاة ؟)) فقال: نعم. قال: ((فأجب)). وأخرجه النسائي وأحمد نحوه ولفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى المسجد فرأى في القوم رقة فقال: إني لأهم أن أجعل للناس إمامًا ثم أخرج فلا أقدر على رجل يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله إن بيني وبين المسجد نخلاً وشجراً ولا أقدر على قائد كل ساعة أيسعني أن أصلي في بيتي؟ فقال: أتسمع الأذان؟ قال: نعم. قال: فأتها.