المسألة الخامسة [وجوب صلاة الجماعة]
احتج بقوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ }[البقرة:43] على وجوب صلاة الجماعة، وهذه المسألة قد كثر فيها النزاع، وأطال بعضهم في الاحتجاج عليها، ولأجل إرادة تحقيق الخلاف ومعرفة الحق فيها جعلنا الكلام عليها في ثلاثة مواضع:
الأول: في ذكر الخلاف.
الثاني: في ذكر أدلة القائلين بالوجوب.
الثالث: في الاحتجاج على نفي الوجوب وإثبات كونها سنة فقط.
الموضع الأول: في ذكر الخلاف اختلف الناس في حكم صلاة الجماعة على ثلاثة أقوال:
الأول: أنها فرض عين ولا يجوز تركها إلا لعذر، وهذا قول عطاء وأبي العباس الحسني، وأبو ثور وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، والأوزاعي، وابن خزيمة، وابن حبان وداود، وابن حزم وسائر أهل الظاهر وغيرهم من المتأخرين الإمام القاسم بن محمد، ثم اختلفوا فذهب بعضهم إلى أنها شرط في صحة الصلاة فلا تصح صلاة من صلى وحده، وهذا قول داود وأصحابه.
قال ابن حزم: وهو قول جميع أصحابنا.
وروي عن أحمد واختاره أبو الوفاء بن عقيل وأبو الحسن التميمي، وهو ظاهر مذهب الإمام القاسم بن محمد، وقال آخرون بل يأثم التارك وتبرأ ذمته بصلاته وحده، وهذا قول المتأخرين من أصحاب أحمد وروي عنه، وبه قال أبو العباس.
القول الثاني: أنها فرض كفاية ونسبه في الروض إلى مالك، والليث، وابن سريج، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وتخريج أبي العباس للهادي، وأحد تحصيلي أبي طالب، وأحد قولي المنصور بالله، واختاره النووي، وعليه جمهور المتقدمين من أصحاب الشافعي.
قال في النيل: وبه قال كثير من المالكية والحنفية منهم الطحاوي والكرخي حكاه عنهما القسطلاني.

القول الثالث: أنها سنة مؤكدة، وإليه ذهب زيد بن علي، والقاسم، والهادي، والناصر، والمؤيد بالله، وأبو طالب وغيرهم من العترة "، وهو أحد قولي المنصور بالله، واختاره علامة العصر، وروي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ورجَّحَهُ المقبلي والشوكاني، وحكاه القرطبي عن الجمهور.

[أدلة الموجبين لصلاة الجامعة]
الموضع الثاني في أدلة الموجبين ولهم على ذلك أدلة:
أحدها: الآية الكريمة أعني قوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ }[البقرة:43] ووجه الاستدلال بها أنه عبر بالركوع عن الصلاة؛ لأنه من جملة أركانها فكأنه قال صلوا مع المصلين، والصلاة يعبر عنها بأركانها كما سميت سجوداً وقرآناً وتسبيحاً، وعلى هذا فلا بد لقوله واركعوا مع الراكعين من فائدة غير فائدة الأمر بإقامتها إذ الأمر بالإقامة قد وقع في أول الآية، وليست تلك الفائدة إلا إيقاعها في الجماعة، ومع تفيد ذلك لأنها تقتضي المعية والجمعية، والمعلوم أن الركوع مع الراكعين لا يكون إلا في حال مشاركتهم في الركوع فتكون إقامة الصلاة في الجماعة واجبة للأمر بها في قوله: واركعوا، وقد تقرر أن الأمر المقيد بصفة أو حال لا يكون المأمور ممتثلاً إلا إذا أتى به على تلك الصفة والحال، فإن قيل: لو دل على الوجوب هنا لدل عليه في حق مريم + فإن الله قد أمرها بمثله فقال: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ }[آل عمران:43] والمعلوم أن المرأة لا يجب عليها إقامة الصلاة في جماعة اتفاقاً.
قيل: يجوز أن يكون الوجوب خاصاً بمريم + دون غيرها من النساء، ولا محذور في ذلك فإن الله قد خصها بخصائص كالتطهر والاصطفاء على نساء العالمين، ويجوز أن يكون الأمر في حقها للندب، والقرينة الصارفة الإجماع المذكور، فإن قيل: الأمر بالركوع مع الراكعين لا يدل على وجوب فعله معهم حال ركوعهم، بل يدل على الإتيان بمثل ما فعلوا كقوله تعالى: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ }[التوبة:119] إذ المعية تقتضي المشاركة في الفعل ولا يستلزم المقارنة فيه.
قيل: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها، هذا والمصاحبة تفيد قدراً زائداً على المشاركة ولا سيما في الصلاة فإنه إذا قيل صليت مع الجماعة لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة.
والجواب: أن الآية خطاب لليهود وفيها احتمالات:

أحدها: ما ذكرتم وهو أضعفها لما فيه من التكلف والعدول عن المعنى الحقيقي بلا ملجئ، بل قيل: إن ذلك لا يجوز إجماعاً.
قال في (مفاتيح الغيب): أجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة.
ثانيها: أن يكون الركوع باقياً على معناه اللغوي وهو الانقياد والخضوع، ويكون المراد أمرهم بالخضوع لله تعالى والانقياد لأحكامه، ويرجحه أنه الأصل ولا مقتضى للعدول عنه وعموم الفائدة إذ الانقياد لأحكام الله تعالى يشمل جميع شرائع الإسلام، وبه تتحقق المغايرة بين الأمر بإقامة الصلاة والأمر بالركوع، وفيه تعظيم لأهل الإسلام حيث أمر هؤلاء بالكون معهم، وأنه لا سلامة إلا لمن سلك طريقتهم من الانقياد للإسلام والخضوع للملك العلام، وحاصل هذا الأمر ومغزى فائدته هو الأمر بالإسلام كما قال مقاتل في معنى الآية: أمرهم أن يكونوا من أمة محمد ومعهم.
ثالثها: أن المراد بالركوع الركوع المعروف في الصلاة، وإنما أمروا به وإن كان مدرجاً في الصلاة التي أمروا بها لأنه لا ركوع في صلاتهم، فنبه به على أن المطلوب منهم هو صلاة المسلمين وهو في معنى الأول في أن حاصله الأمر بالدخول في الإسلام.
قال النسفي في معنى الآية: أي أسلموا واعملوا عمل أهل الإسلام، ويقوي هذا الاحتمال أن فيه حمل الركوع على الحقيقة الشرعية، وألفاظ الشارع تحمل عليها إذا وردت مجردة عن القرائن مع ما في الكلام من المبالغة في الرفع من شأن صلاة المسلمين من حيث أنه أمر بها أولاً بالأمر العام، ثم أكدها بالأمر بما هو ركن من أركانها، وكنى بها عن الإسلام جملة، وإذا تقرر هذا علمت ضعف ما ذكره الخصوم من الحمل على المعنى المجازي، وأنه لا وجه يقتضيه، ولا قرينة تدل عليه، وإذا ثبت ضعفه بل بطلانه بطل الاستدلال بالآية على وجوب الجماعة.
سلمنا أنه عبر بالركوع عن الصلاة فلا نسلم اقتضاء ذلك وجوب إيقاعها في جماعة.
قوله: ولا بد لقوله اركعوا من فائدة... إلخ.

قلنا: فائدته التأكيد بالتكرار، والكلام إذا تكرر تقرر مع ما فيه من التنويه بشأن المسلمين حيث أمر بصلاتهم والتمسك بدينهم.
قوله حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها...إلخ.
قلنا: بل معناها المصاحبة اللائقة بالمذكور معها فتارة تكون اسماً لمكان الاجتماع كما في قوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ }[يوسف:36] وتارة لزمانه كقوله تعالى: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً }[يوسف:12] وتارة يراد بها مجرد المشاركة في الفعل، فدل على الإتيان بمثل ذلك الفعل من دون استلزام المقارنة في زمان أو مكان كما في قوله تعالى: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ }[التوبة:119] إذ المطلوب منهم الإتيان بمثل أفعالهم دون نظر إلى أمر وراء ذلك، وقوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة:43] بقوله: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ }[التوبة:119] أشبه إذ ليس فيها ما يدل على الزمان والمكان.
قوله: إذا قيل صليت مع الجماعة لا يفهم منه إلا اجتماعهم ...إلخ.
قلنا: مسلم لأنه اللائق بذلك التركيب، وليس كذلك إذا قيل صليت مع المصلين فلا يفيد إلا أنه من أهل الصلاة، والآية على تقريركم في قوة قوله صلوا مع المصلين، وبما قررنا يبطل الاحتجاج بالآية، وقد ذكر السيد محمد بن الهادي في الروضة والغدير أن الآية لا تدل على أن المراد بها صلاة الجماعة لا بمنطوقها ولا بمفهومها.
الدليل الثاني: قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ...}الآية[النساء:102]، ووجه الاستدلال بها أنه تعالى أمرهم بالصلاة في الجماعة بقوله: فلتقم، ثم أعاد الأمر في حق الطائفة الثانية بقوله: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}[النساء:102] فلو كانت الجماعة سنة لكان أولى الإعذار بسقوطها حال الخوف،وفي الآية أيضاً دليل على وجوبها على الأعيان وإلا لسقطت في الطائفة الثانية بفعل الأولى.

والجواب: أن هذا الأمر إنما أريد به التعليم أي تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الخوف في الجماعة إن أراد فعلها إذ المعنى وإذا كنت فيهم فأردت أن تقيم الصلاة بهم، والأوامر الواردة في تعليم الصفات والكيفيات ليست للوجوب لأن الغرض منها متعلق بالكيفية وهي تابعة في الوجوب وعدمه لما هي كيفية له، ولا يستلزم الأمر بالكيفية وجوب المكيف بها، لا سيما إذا كان الأمر بالصفة على تقدير وجوب الموصوف كما في هذه الآية، ولهذا لم يقل أحد من العلماء بوجوب صلاة الاستخارة المأمور بها بقوله: ((فليركع ركعتين ثم ليقل اللهم إني استخيرك )) ونظائره كثيرة في تعلم الأذكار ونوافل الصلاة، والصيام، وليس لأحد أن يقول إنما عدلوا عن الواجب لقرينة؛ لأن الظاهر أنه لا قرينة سوى ما ذكرنا.
الدليل الثالث: قوله تعالى: {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ }[الحجر:98] فأمره بالدخول معهم في سجودهم، والمراد بالسجود الصلاة فإنها تسمى بذلك وهذا أمر، والأمر للوجوب.
والجواب: أن في الآية وجوهاً وأيها كان فلا دلالة فيها على ما ذهبتم إليه أحدها أن يكون المراد بالسجود الصلاة، فيكون المعنى وكن من المصلين، والمراد من هذا الأمر إنما هو الأمر بالدوام على هذه العبادة لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل متلبساً بها أي من الدائمين على الصلاة.
ثانيها: أن المراد بالسجود الخضوع والتواضع لله تعالى.
ثالثها: أنها واردة مورد التعليم لما يدفع به الضيق والحزن وهو الفزع إلى الله تعالى بالذكر المأمور به في قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ }[الحجر:97] وكثرة السجود، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة، ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى قبلها: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ }[الحجر:97].

الدليل الرابع: قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}[القلم:42،43] ووجه الاستدلال بها أنه عاقبهم يوم القيامة بأن حال بينهم وبين السجود بسلب الاستطاعة لتركهم السجود في الدنيا وقد كانوا يدعون إليه فلا يجيبون، والمراد من إجابة الداعي هي إتيان المساجد لحضور الجماعات كما أخرج البيهقي في الشعب عن سعيد بن جبير في قوله: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ }[القلم:43] قال: الصلوات في الجماعات.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس في الآية قال: الرجل يسمع الآذان فلا يجيب الصلاة.
وأخرج ابن مردويه عن كعب الأحبار قال: والذي أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود، والفرقان على محمد أنزلت هذه الآيات في الصلوات المكتوبات حيث ينادى بهن {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ }[القلم:42] إلى قوله: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}[القلم:43] الصلوات إذا نودي بها، وقد فسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإجابة بإجابة النداء إلى الصلاة، والنداء هو الدعاء إليها، فيكون ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك مؤيداً لدلالة الآية، وسنذكره فيما بعد.
والجواب: أن الآية نزلت في الكفار فإنهم كانوا يدعون إلى السجود أي الصلاة في حال سلامتهم فيمتنعون منها.
قال الخازن: و(يدعون إلى السجود فلا يستطيعون) السجود يعني الكفار والمنافقين تصير أصلابهم كصياصي البقر أو كصفحة نحاس فلا يستطيعون السجود، ثم قال: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ }[القلم:43] يعني في دار الدنيا كانوا يدعون إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة، وقوله {وَهُمْ سَالِمُونَ} يعني يدعون إلى الصلاة وهم أصحاء فلا يأتونها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس بقوله: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ }[القلم:43] قال: الكفار يدعون في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ }[القلم:42] قال: ذلكم يوم القيامة ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: ((يؤذن للمؤمنين يوم القيامة في السجود فيسجد المؤمنون وبين كل مؤمنين منافق فيتعسر ظهر المنافق عن السجود)).
وقوله: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ }[القلم:43] قال: في الصلوات.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يجمع الله الخلائق يوم القيامة ثم ينادي مناد من كان يعبد شيئاً فليتبعه)) إلى أن قال: ((وبقي المسلمون فيقال لهم ما كنتم تعبدون فيقولون الله)) إلى أن قال: ((فعند ذلك يؤذن لهم في السجود بين كل مؤمنين منافق فيقصم ظهورهم عن السجود ثم تلا الآية: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ))[القلم:42].
وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا والطبراني، والآجري في الشريعة، والدار قطني في الرؤية، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في البعث عند عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يجمع الله الناس يوم القيامة )) وذكر حديثاً طويلاً وفيه: ((فيخر كل من كان يسجد طائعاً ساجداً ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون)).

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه البيهقي في البعث والنشور عن ابن مسعود أنه ذكر الدجال، ثم ذكر حديثاً فيه طول، وفيه: ((فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً ، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كأنما فيها السفافيد فيقولون ربنا فيقول قد كنتم تدعون إلى السجود وأنتم سالمون)).
فهذه الروايات صريحة في أنها نزلت في الكفار والمنافقين، والمعلوم أنهم إنما كانوا يدعون إلى مطلق الصلاة من دون نظر إلى كونها وحداناً أو في جماعة، وليس في الآية ولا في هذه الروايات ما يدل على أن توبيخهم وسلبهم الاستطاعة على السجود في الآخرة بتركهم صلاة الجماعة، بل الذي تقضي به هذه الأخبار أنهم عوقبوا على تركهم السجود المعروف نفسه، ولهذا قيل إن ظهورهم قصمت وأنها طبق واحد؛ إذ المراد أنهم لم يقدروا على فعل السجود لخلل في ظهورهم، فثبت أنه لا وجه للاستدلال بها على شرعية الجماعة في الصلاة فضلاً عن وجوبها، ومما يؤيد ذلك أنه جعل عدم استطاعتهم السجود في الآخرة عقوبة على تركهم السجود في الدنيا، ولم يدع أحد أن سجودهم المدعو إليه في الآخرة يكون في جماعة فذلك ما قابله وهو السجود المدعو إليه في الدنيا.
وأما ما روي عن سعيد بن جبير فإن صح عنه فلا حجة فيه لجواز أنه توهم ذلك كما توهم من استدل بها.
وأما أثر ابن عباس فقد روينا ما يعارضه مع أنه لا دلالة فيه على ذلك، وإنما يدل على أنه يجب إجابة الأذان في الصلاة أي إلى فعلها أعم من أن يكون في جماعة أو لا.
وأما كعب الأحبار فهو معدود من المنحرفين عن أمير المؤمنين عليه السَّلام .

وأما تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإجابة بإجابة النداء إلى الصلاة فلم يرد ذلك التفسير في تفسير الدعاء المذكور في الآية، بل ورد في غيرها، وسيأتي الكلام عليه، ولا يلزم من وروده هنالك أن يكون هو المراد هنا وكيف يقال ذلك والنداء والدعاء يختلف باختلاف متعلقاته فإن الدعاء إلى الجهاد غير الدعاء إلى الصلاة، وكذلك الدعاء المتضمن للإعلام بوجوب الصلاة غير الدعاء إلى فعلها والحضور لإقامتها. والله أعلم.
الدليل الخامس: ما رواه في المجموع قال حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السَّلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تزال أمتي يكف عنها مالم يظهروا خصالاً عملاً بالربا وإظهار الرشا وقطع الأرحام وترك الصلاة في جماعة وترك هذا البيت أن يؤم فإذا ترك هذا البيت أن يؤم لم يناظروا)) وفي بعض النسخ: يكف عنها البلاء، والحديث رواه في العلوم وأحكام الهادي والشفاء، وهو يدل على وجوب الجماعة لأنه قرن تركها بالكبائر.
والجواب أن دلالة الإقتران ضعيفة كما قرر في الأصول، ولو سلم اعتبارها فمع عدم الدليل الصارف عنها، وهنا قد ثبت أن صلاة الجماعة سنة غير واجبة لما سيأتي عن أمير المؤمنين وغيره، والجمع بين الأدلة متعين، وحينئذ يقال إنما قرن ترك الجماعة بالكبائر المذكورة لتأكيد سنيتها والحث على المحافظة عليها كما قال في غسل الجمعة أنه حق واجب مع قيام الدليل على أنه لم يرد بالوجوب فيه معناه المعروف، لا يقال قد توعد على تركها بحلول البلاء كما توعد بذلك على ارتكاب تلك الكبائر، وهذا يدل على الوجوب لأنا نقول الذي دل عليه الخبر أن فعلها من أسباب كف البلاء، وكونها كذلك لا يقتضي وجوبها إذ يستدفع البلاء بطاعات قولية وفعلية ولا قائل بوجوبها كما جاء في الحديث: ((إن قول لا حول ولا قوة إلا بالله يستدفع به أنواعاً من البلاء)) وغير ذلك كثير.

280 / 329
ع
En
A+
A-