أما المجامع فروى المرشد بالله في الأمالي قال أخبرنا أبو القاسم الذكواني، قال: حدثنا أبو محمد بن حبان، قال: حدثنا عمر بن عبد الله يعني بن الحسن، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمي الحسين بن حفص، قال: حدثنا حسين بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واقع أهله في رمضان فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((أعتق رقبة ، قال: لا أجد، قال: صم شهرين متتابعين، قال: لا أقدر عليه. قال: أطعم ستين مسكيناً. قال: لا أجد، قال فأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعرق فيه تمر خمسة عشر صاعاً فقال: خذ هذا فتصدق به فقال: يا رسول الله ما أجد أحوج إليه مني ومن أهل بيتي قال: كله أنت وأهل بيتك وصم يوماً واستغفر الله)) قوله: حدثنا حسين بن سعد أظنه هشام بن سعد كما في سنن البيهقي، والحديث أخرجه بهذه الزيادة -أعني الأمر بصيام يوم- أبو داود وابن ماجة.
وإسناد أبي داود هكذا حدثنا جعفر بن مسافر، ثنا ابن أبي فديك، ثنا هشام بن سعد عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة فذكره.
أما جعفر فهو: ابن مسافر بن راشد التنيسي أبو صالح الهذلي قال في التقريب: صدوق ربما أخطأ.
وأما ابن فديك فهو: محمد بن إسماعيل بن مسلم الدؤلي مولاهم أبو إسماعيل وثقه غير واحد، وقال النسائي: لا بأس به، وفي (الكاشف) صدوق، احتج به الجماعة وروى له المرادي، وفي المناقب: وأما هشام فهو ابن سعد القرشي، وفي التقريب المدني وهو يتيم زيد بن أسلم وأكثر عنه.
قال أبو داود: هو أثبت الناس في زيد بن أسلم، وقال أبو زرعة: محله الصدق ولينه جماعة وبعضهم شدد فيه، وسواه أبو حاتم بابن إسحاق، وقال في التقريب: صدوق له أوهام ورمي بالتشيع، مات سنة ستين ومائة أو قبلها.

احتج به مسلم والأربعة، وروى له الأخوان، قيل: وإنما روى له مسلم في المتابعة، وروى له البخاري أيضاً تعليقاً، والحديث قد ذكره ابن حزم مرفوعاً من طرق وضعفها كلها وقال لا يصح فيها شيء؛ لأن أحدها من طريق أبي أويس أعني الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وأبو أويس ضعيف ضعفه ابن معين وغيره.
قلت: أبو أويس هو: عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي أبو أويس قريب مالك.
قال في التقريب: صدوق يهم، وقال في حواشيه: ضعفه أحمد وابن معين وابن المديني والنسائي لا بأس، وعن الأولين لا بأس به، وعن الثاني وأبي حاتم أنه ليس بحجة، وقال أبو داود: صالح الحديث قال فقد اتفقت كلماتهم جميعاً إلى أن فيه ضعفاً وأنه ليس بحجة، وحديثه عند مسلم في الشواهد، وقال في الجدوال: وثقه أحمد، توفي سنة سبع وستين ومائة.
احتج به مسلم والأربعة، وروى له الناصر ثم قال ابن حزم: والثاني رويناه من طريق هشام ابن سعد.
قلت: بالسند المتقدم، وقد عرفت كلام الناس فيه، وقال ابن حزم: ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما، ولم يستجز الرواية يحيى بن سعيد القطان، وقال بعضهم: هشام ضعفه من قبل حفظه أيضاً، وقد عد هذا الحديث من مناكيره، وحكى ابن حجر عن الحليلي أن الحفاظ أنكروا عليه هذا الحديث، وقالوا: إنما رواه الزهري عن حميد، قال: ورواه وكيع عن هشام، عن الزهري، عن أبي هريرة منقطعاً.
قال أبو رزعة الرازي: أراد وكيع الستر على هشام بإسقاط أبي سلمة.
قال بعضهم: ومثل هذا الذي اختلط فيه الأمر على الراوي لا يكون حجة قال والثالث رويناه من طريق عبد الجبار بن عمر، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وعبد الجبار ضعفه البخاري، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو داود السجستاني: منكر الحديث.

قلت: عبد الجبار هذا هو الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتانية الأموي مولاهم مات بعد الستين ومائة، روى له الترمذي وابن ماجة، وقد عرفت ما قيل فيه، وضعفه أيضاً في التقريب وقال في هامشه: وثقه ابن سعد وضعفه جماعة، وحديثه هذا أشار إليه الدارقطني.
قال:الرابع رويناه من طريق الحجاج بن أرطأة عن عطاء، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر الواطئ في نهار رمضان أن يصوم يوماً مكانه، والحجاج لا شيء ثم هو صحيفة.
قلت: الحجاج ثقة أثنى عليه أحمد والثوري وغيرهما، وعداده في الشيعة، وضعف الحديث عندنا إنما هو من أجل عمرو بن شعيب وأبيه وجده.
قال ابن حزم: وروينا مرسلاً من طريق مالك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن المسيب ومن طريق ابن جريج، عن نافع عن جبير بن مطعم، ومن طريق أبي معشر المدني، عن محمد بن كعب القرظي كلهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره بقضاء يوم، والمرسل لا تقوم به حجة.
قلت: وحديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضاً البيهقي، وكذلك حديث أبي هريرة من طريق هشام بن سعد، ومما يؤيده عدم ثبوت الأمر بصيام يوم أن حديث المجامع مروي في الكتب المعتبرة من كتب أهل البيت والمحدثين بطرق صحيحة ولم يذكر في شيء منها أنه أمره بصيام يوم مكانه، فبطل أن يكون في إيجاب القضاء على من تعمد الجماع في نهار رمضان نص صحيح من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والمستقيئ فروي من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء )) أخرجه الخمسة، وقواه الدارقطني، وتكلم عليه جماعة منهم أبو داود، وقالوا: لا نراه محفوظاً، وأنكره أحمد.

قلت: الحديث قد ثبت نحوه عن علي عليه السَّلام في المجموع قال فيه: حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السَّلام قال: إذا أذرع الصائم القيء لم ينقض صيامه وإن استقاء أفطر وعليه القضاء.
وأخرج البيهقي وابن أبي شيبة نحوه عن علي عليه السَّلام ، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يقول: من ذرعه القيء وهو صائم فلا يفطر وإن تَفَيّءَ أفطر.
وأخرج نحوه عن الحسن وابن سيرين وعطاء وإبراهيم، والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير، والشعبي، وابن عياش، وعلقمة ومجاهد، وما ثبت فلا يمكن رده بل يعدل فيه إلى أحد أمرين وهما القول بأنه يقر حيث ورد ولا يقاس عليه، وإما أن يحمل على من استقاء لعذر كمن أصابه مرض وكان علاجه بالقيء فإنه يباح له الإفطار بالتقيء وينفعه القضاء؛ إذ السبب هنا من جهة الله وهو المرض، فإن تعمد التقيء بلا عذر ولا سبب فلا يقبل منه القضاء ولا يصح منه، وإنما يكلف بالتوبة النصوح، ويشهد لهذا كثير من الوجوه المتقدمة في دفع وجوب قضاء الصلاة مع ما جاء في الصيام خاصة، وذلك فيما أخرجه أبو داود، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا شعبة (ح) وثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، عن عمارة بن عمير، عن ابن مطوس، عن أبيه قال ابن كثير عن أبي المطوس عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أفطر يوماً من رمضان في غير رخصة رخصها الله لم يقض عنه صيام الدهر)).
وقال أبو داود أيضاً: حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان، حدثني حبيب، عن عمارة، عن ابن المطوس قال: فلقيت ابن المطوس فحدثني عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل حديث ابن كثير وسليمان.
قال أبو داود: واختلف على سفيان وشعبة عنهما ابن المطوس وأبو المطوس، وأخرجه أحمد والضياء.

قال العزيزي: وهو ضعيف وإن علقه البخاري، ولفظ البخاري ويذكر عن أبي هريرة رفعه: ((من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه)).قال: وبه قال ابن مسعود.
قال القسطلاني: هذا الحديث قد وصله أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن خزيمة من طريق سفيان الثوري وشعبة وكلاهما عن حبيب بن أبي ثابت عن عمارة بن عمير، عن أبي المطوس بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الواو المفتوحة عن أبيه عن أبي هريرة نحوه.
قال الترمذي: سألت محمداً يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس لا أعرف له غير هذا الحديث، وقال في التأريخ أيضاً: تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا.
وقال ابن حزم: أبو المطوس غير مشهور بالعدالة، وعن أحمد لا أعرفه ولا أعرف حديثه من غيره.
قال ابن حجر: واختلف فيه يعني في الحديث على حبيب بن أبي ثابت اختلافاً كثيراً فحصلت فيه ثلاث علل الاضطراب، والجهل بحال أبي المطوس، والشك في سما ع أبيه عن أبي هريرة، ولعله أراد بالاختلاف على حبيب أنه تارة يرويه عن أبي المطوس وتارة يوسط بينهما عمارة بن عمير، لكن قد مر عن أبي داود أن حبيباً قال: فلقيت ابن المطوس فحدثني عن أبيه عن أبي هريرة، وكذلك روى النسائي عن حبيب أنه قال: وقد رأيت أبا المطوس فصح لقاؤه إياه.
قلت: أبو المطوس هذا ذكره في التقريب، وقال هو يزيد، وقيل: عبد الله لين الحديث، وقال في هامشه: وثقه ابن معين.
وأما المطوس فقال في التقريب: مجهول وعده في الجداول من رجال المؤيد بالله.

قلت: الحديث يصلح للاحتجاج مع ما مر عن ابن خزيمة من تصحيحه، ومع موافقته لما مر من الأدلة القاضية بأنه لا قضاء على العامد في الجملة، مع أنه قد قال بمدلوله أعني أنه لا يقضيه صوم الدهر أمير المؤمنين عليه السَّلام وأبو بكر وابن مسعود وغيرهم، فأما المروي عن أمير المؤمنين فذكره ابن حزم من طريق ابن أبي شيبة عن أبي معاوية، عن عمر و بن يعلى الثقفي، عن عرفجة، عن علي بن أبي طالب عليه السَّلام قال: من أفطر يوماً من رمضان متعمداً لم يقضه أبداً طول الدهر.
أما أبو معاوية فقال في الجداول: أبو معاوية الضرير محمد بن حازم التيمي مولاهم الشعبي الثبت، وذكر رواية أبي بكر بن أبي شيبة عنه، وقال: وثقه الذهبي والعجلي، وقال الحاكم: احتج به الشيخان، وقد اشتهر عنه غلو التشيع، احتج به الجماعة، وروى له المرادي، وفي المناقب.
وأما عمرو فهو: ابن عبد الله بن يعلى الثقفي، قال في التقريب: الكوفي وربما نسب إلى جده ضعيف.
قلت: لعل وجه تضعيفه التشيع كما تبين عنه قولهم الكوفي.
وأما عرفجة فهو: ابن عبد الله الثقفي أو السلمي.
قال في الجداول: عن علي وابن مسعود، وعائشة، وثقه ابن حبان، وقال محمد بن منصور: كان من خيار أصحاب ابن مسعود، احتج به النسائي، وروى له المرشد بالله والمرادي.
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي، قال: أخبرنا أبو محمد الديباجي، قال: حدثنا أبو علي بن الأشعث الكوفي بمصر، قال: حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن أبيه أن علياً عليه السَّلام أتي برجل مفطر في شهر رمضان نهاراً من غير علة فضربه تسعاً وثلاثين سوطاً لحقّ شهر رمضان حيث أفطر.

وروى ابن حزم من طريق سفيان عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن علي بن أبي طالب أتي بالنجاشي قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين ثم ضربه من الغد عشرين، فقال: ضربناك العشرين لجرأتك على الله وإفطارك في شهر رمضان.
وهذان الأثران من جملة أدلة القوم بأنه لا يكلف المتعمد للإفطار من دون علة القضاء؛ لأن قوله عندنا حجة، ووجه الاحتجاج بهما أنه عليه السَّلام لم يذكر قضاء ولا كفارة، فهما مؤكدان لصريح ما مر عنه عليه السَّلام من أنه لا يقضيه الدهر.
وروى ابن حزم من طريق عبد الله بن المبارك عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن البيلماني أن أبا بكر قال لعمر بن الخطاب فيما أوصى به من صيام شهر رمضان في غيره لم يقبل منه ولو صام الدهر أجمع.
وهذا نص في المقصود لكن قال الحافظ: فيه انقطاع، ولعله أراد أن ابن البيلماني لم يسمع من أبي بكر. والله أعلم.
قلت: ابن البيلماني هو مولى عمر سمع منه ومن ابن عباس، ضعفه في التقريب، ولينه أبو حاتم، ووثقه ابن حبان، واحتج به الأربعة، وروى له المرادي، ولعله سمع هذا الأثر عن عمر.
وروى ابن حزم من طريق سفيان الثوري عن عبد الله بن سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن عمر أنه أتى بشيخ شرب الخمر في رمضان فقال للمنخرين للمنخرين ولداننا صيام ثم ضربه وسيره إلى الشام.
وأخرج البخاري تعليقاً عن عمر أنه قال لنشوان -أي سكران- في رمضان: ويلك وصبياننا صيام فضربه.
قال القسطلاني: وصله سعيد بن منصور والبغوي في الجعديات، والحجة منه أن عمر لم يأمره بالقضاء ولو كان يلزمه لما سكت عنه، كيف وقد تكلم في الإنكار عليه بما لا مزيد عليه وعاقبه بالنفي إلى الشام، ولو كان يلزمه شيء غير ذلك لبينه.
وأخرج الترمذي من طريق المغيرة بن عبد الله اليشكري قال حدثت أن عبد الله بن مسعود قال: من أفطر يوماً من رمضان من غير علة لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه.

وذكر ابن حزم بلفظ: من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر وإن صامه، وقال ابن حزم وبأصح طريق عن علي بن الحسين عن أبي هريرة أن رجلاً أفطر في رمضان فقال أبو هريرة: لا يقبل منه صوم سنة.
ومن طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: من أفطر يوماً من أيام رمضان لم يقضه يوم من أيام الدنيا.
وهذه الآثار تقوي حديث أبي هريرة وتوضح دلالته، وتزيدها بياناً، وهي أن صيام الدهر بنية قضاء يوم من رمضان لا يسقطه عنه، وتدفع ما قيل فيه من الاحتمالات والتأويلات الباردة كما قيل إن معناه أنه لم يجد فضيلة الصوم المفروض بصوم النافلة المشار إليه بقوله: لم يقضه صيام الدهر، وقول آخرين أن معناه المبالغة والتشديد.

وقال ابن المنير: معناه أن القضاء لا يقوم مقام الأداء ولو صام عوض اليوم دهراً، وحاصله أن للصوم وصفاً خاصاً به وهو الكمال، وهذا هو الذي نفى حصوله بالقضاء يعني أن كمال فضيلة الأداء لا تحصل بالقضاء إذ لا سبيل إلى اشتراك القضاء والأداء في كمال الفضيلة، ووصف عام وهو المنحط عن كمال الأداء، ولا يخفى ما في هذه التأويلات من التكلف الذي لا ملجئ إليه، لا يقال بل الملجئ إليه أنها لم تعهد عبادة واجبة مؤقتة لا تقبل القضاء إلا الجمعة لأنا نقول بل قد عهد في الصلاة وهي أم العبادات وقد مر ولولم يكن إلا صلاة الحائض لكفت في النقض عليكم، ثم إنَّ ما مر من الآثار عن الصحابة تمنع من صحة هذه التأويلات وجوازها إذ صرح في بعضها بنفي الإجزاء، وفي بعضها بنفي القبول، وفي بعض بتقييد النفي بالتأبيد وحتى يلقى الله تعالى مع ما فيها، وفي الحديث من التأكيد البليغ حيث نفى صحة هذا القضاء وإجزائه وإن صامه يعني وإن صامه صوماً صحيحاً باذلاً فيه صحته وكماله جهده وطاقته، ثم أسند القضاء إلى الصوم إسناداً مجازياً وأضاف الصوم إلى الدهر إجراءً للظرف مجرى المفعول به إذ الأصل لم يقض هو في الدهر كله، ثم أكد ذلك بالنفي المؤبد، وأنه يلقى الله ليس له من قضائه نفع بل هو قضا أو لم يقض داخل تحت المشيئة، ومع هذا التأكيد كيف يبقى لموجب القضاء وجه يعتمد عليه.

هذا وأما الإجماع الذي حكاه النووي فقد ذكرنا ضعف دعوى الإجماع في مثل هذا فيما مر، وقد عرفناك خلاف جماعة من أكابر الصحابة والتابعين وكيف ينعقد إجماع مع خلاف أمير المؤمنين عليه السَّلام ، وممن خالف في ذلك الإمام القاسم بن محمد فإنه ذكر في الاعتصام أن المرخص له في الإفطار وهو يطيق كالمسافر يلزمه القضاء والفدية والذي كان لا يطيق الصوم، أو كان له مانع شرعي كالحائض فليس عليه إلا القضاء، والذي لا يطيق الصوم ولا القضاء فعليه الفدية فقط، ثم قال: وأما المفطر عمداً فقد وجبت له النار لارتكاب المعصية عمداً والله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً}[الجن:23] ثم قال وروى الطبراني والبيهقي عن ابن مسعود موقوفاً: من أفطر يوماً من غير رخصة له لم يقض عنه صيام الدهر كله.
قال عليه السَّلام : معنى هذا الخبر صحيح مع عدم التوبة، وأما مع التوبة فهل تلزم كفارة وممن خالف في ذلك ابن حزم، وإذا تقرر أنه لا يجب على من تعمد إفطار شهر رمضان أشراً وبطراً قضاء بطل ما قالوه من قياس الصلاة عليه؛ إذ لا قياس على غير أساس.

279 / 329
ع
En
A+
A-