ثالثها: أنا وإن سلمنا تعلقها بالذمة وأنها دين ثابت على تاركها فنحن لا نقول بسقوطها عنه بمعنى أنه لا يؤاخذ ولا يجب عليه شيء بسبب تركها ولا يقول هذا أحد من أهل الإسلام، بل قولنا في حقه أعظم من قولكم؛ لأنا نقول إنها قد تحتمت عقوبته وباء بإثم لا سبيل إلى استدراكه وتكفيره إلا بأعظم الطاعات وأكبرها وهي التوبة، واستئناف العمل، وجعلنا توبته إسلاماً،وتركه للصلاة كفراً، وإنما موجب خطأكم أنكم بنيتم قولكم على مقدمة وهي أن هذا الدين قابل للأداء فيجب أداؤه، وهذا هو محل النزاع، وأنتم لم تقيموا عليها دليلاً، وإنما أثبتم الحكم بنفسه، ونحن نقول لم يبق للمكلف سبيل إلى استدراك هذا الفائت وإن الله لا يقبله إلا في وقته وعلى صفته المشروعة، وقد أقمنا من الأدلة على ذلك ما قد عرفتم ونحن نطالبكم بإقامة الدليل على أن هذا الحق قابل للأداء في غير وقته المحدود له شرعاً، وأنه يكون عبادة في غير وقته.
رابعها: أن الحديث وارد في الحج وليس له وقت محدود بل وقته العمر، وورد أيضاً في النذر المطلق كما في الصحيحين من حديث ابن عباس أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذراً أفأصوم عنها؟ قال: ((أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدّي ذلك عنها؟ قالت: نعم قال: فصومي عن أمك)).
وعن ابن عباس أن امرأة من جهينة جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: ((نعم حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه اقضوا الله فالله أحق بالوفاء)) متفق على صحته.

ونحن نقول في مثل هذا الدين القابل للأداء دين الله أحق أن يقضى؛ إذ القضاء المذكور في الأحاديث ليس بقضاء عبادة مؤقتة محدودة الطرفين بل مطلقة، ونحن إنما منعنا القضاء في المؤقتة بوقت محدود؛ لأن الله لا يقبل المؤقت في غير وقته، ولهذا كثرت الأخبار في الحث على المحافظة على الوقت حتى سمي من ترك الصلاة عن وقتها كافراً.
والجواب عن الرابعة: أنه لا يجوز حمل النسيان في الحديث على الترك لمقابلته بالذكر والنسيان، إذا قوبل بالذكر كان بمعنى السهو لا بمعنى الترك وإلا لم يكن لقوله: (إذا ذكرها) فائدة، ولأنه قابل الناسي بالنائم، وهذه المقابلة في عرف الشرع إنما تكون إذا قصد به الساهي مع أن الناسي إذا علقت به الأحكام الشرعية لم يكن المراد به إلا الساهي، وهذا مطرد في كلام الشارع، وأيضاً في الحديث: ((لا كفارة لها إلا ذلك )) ومعلوم أن من تركها عمداً لا يكفر عنه فعلها بعد الوقت إثم التفويت.
قيل: وهذا مما لا خلاف فيه بمعنى أنه لا يكفر ذلك الإثم إلا التوبة؛ إذ لوكان فعلها مكفراً للإثم اللاحق بسبب التفويت لكان معنى الحديث من ترك الصلاة عمداً فكفارة إثمها فعلها بعد الوقت، وفي هذا من الشناعة أعظم مما شنعتم به علينا حيث قلنا لا تنفعه ولا تقبل منه إذ قولكم يؤدي إلى بطلان فائدة تحديد الصلاة بالأوقات، فإن قيل: لنا أن نستدل بالحديث على وجه آخر وهو أن قوله: لا كفارة لها إلا ذلك يدل على أن المراد بالناسي التارك فيكون العامد مراداً بالحديث لأن النائم والناسي بمعنى الساهي لا إثم عليهما.

قيل: هذا الاستدلال باطل؛ لأنه يستلزم عدم وجوب القضاء على الناسي والنائم لعدم الإثم الذي جعلوا الكفارة منوطة به، والأحاديث الصحيحة قد صرحت بوجوبه عليهما، وكذلك الإجماع، وقد استضعف الحافظ هذا الاستدلال وقال: الكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد، على أنه قد قيل إن المراد بالكفارة هي الإتيان بها تنبيهاً على أنه لا يكفي مجرد التوبة منهما والاستغفار كما يكفي ذلك من العامد.
قلت: ويجوز أن يكون ذكر الكفارة مقصوداً به الحث على المسارعة بفعلها عند الذكر، وأنه لا يجوز التأخير عن ذلك الوقت، ولا يقبل فعلها في غيره كما جاء في بعض الروايات: لا وقت لها إلا ذلك.
قوله: سلمنا أن المراد بالناسي ضد الذاكر... إلخ.
قلنا: لا نسلم أن تخصيصهما بالذكر لما ذكرتم لجواز أن تكون العلة في وجوب القضاء عليهما هي التدارك والتلافي للمصحلة الفائتة في حقهما، فكأن تخصيصهما بالذكر للتنبيه على هذه العلة، ولم يذكر العامد لأنه لا سبيل إلى التلافي والتدارك في حقه إلا بأعظم الطاعات وهي التوبة لعظم معصيته، كما قيل في عدم لزوم كفارة قتل العمد واليمين الغموس.
والجواب عن الخامسة: أنه قد مر أن الحديث ليس على ظاهره اتفاقاً، بل هو متأول، وفي تأويله وجوه:
أحدها: أن ذلك في الصبي يبلغ والمجنون والمغمي عليه يفيقان، والحائض والنفساء تطهران، والكافر يسلم فمن أدرك من هؤلاء ركعة قبل خروج وقت الصلاة لزمته تلك الصلاة، وهذا التأويل ذكره الطحاوي، والحامل له على الانتصار لمذهب الحنفية في بطلان صلاة من أدرك من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس للنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس.
الثاني: أن ذلك وارد في صلاة الجماعة، وأن المسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة كان مدركاً لفضيلة الجماعة، وهذا لا خلاف فيه، وعلى هذين التأويلين فعدم دلالة الحديث على مطلوب الخصم واضح، لكن في حمله على الثاني ضعف ظاهر لمنافاته لصريح لفظه.

الثالث: أن المراد به أنه إذا دخل في الصلاة في آخر وقتها فصلى ركعة ثم خرج الوقت كان مدركاً لتلك الصلاة كلها، إلا أنهم اختلفوا هل يكون أداء أو قضاء؟ أو ما أدرك في الوقت أداء وما بعده قضاء؟ أقوال ثانيها للجمهور، وهذا الوجه هو الذي عليه الجمهور، ويدل عليه الحديث، لكن ليس للخصم فيه حجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرد أن من أدرك ركعة من العصر فقد صحت صلاته بلا إثم، بل هو آثم بتعمد ترك التأخير إلى هذا الوقت اتفاقاً إلا على احتمال للجويني؛ إذ هو مأمور بأن يأتي بجميعها في وقتها، فعلم أن هذا الإدراك لا يرفع الإثم وإنما كتبت له هذه الفريضة تفضلاً من الله تعالى لإتيانه بركعة منها في الوقت، وهذا يدل على عظم شأن الوقت، ثم إن لخصومكم أن يقبلوا الاحتجاج بالحديث لمذهبهم، واحتجاجهم به أظهر من احتجاجكم، وبيان ذلك أنه قد ثبت أنه لم يرد بالإدراك الصحة والإجزاء مع سقوط الإثم، بل هما مع الإثم بالتأخير ولم يعتبر في الإجزاء فعلها مطلقاً، بل شرط إدراك ركعة منها في الوقت، فدل على أنه لو فعلها كلها بعد الوقت لم يكن مدركاً لها وهو المطلوب، ولو جوزنا فعلها كلها بعده لكنا قد أبطلنا معنى الحديث.
والجواب عن السادسة: أن تأخير النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق إنما كان نسياناً كما جاء في رواية، ولهذا سأل هل علم أحد أنه صلى صلاة العصر، أو لاشتغاله بالحرب كما في رواية أخرى، وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف كما في حديث أبي سعيد، وعلى هذين الوجهين فلا تعلق للخصم بذلك؛ إذ النزاع إنما هو في تركها عمداً لا لعذر، ولا يجوز أن يقال إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعمد تركها لا لعذر؛ لأن ذلك عندنا وعند الخصم يكون كفراً أو فسقاً، وكلاهما لا يجوز على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

والجواب عن السابعة: بأن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم بتأخيرها إلى بني قريظة عذر في ذلك، والمعذور خارج عن محل النزاع كما مر.
والجواب عن الثامنة: بأنه لا حجة لكم في ذلك لوجهين:
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعتبر تلك فريضة وإنما اعتبرها نافلة، بل أمر بالصلاة في وقتها، فلو كان يصح فعلها فريضة بعد الوقت لأجاز النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأخيرها مع الأمراء، إما لدفع شرهم أو للمحافظة على الألفة ولزوم جماعة الأمة، لكنه أمر بفعلها في وقتها ثم فعلها معهم ثانياً نافلة لأحد هذين الأمرين، وبهذا التقرير فالاحتجاج بالحديث لخصمكم أولى من الاحتجاج به لمذهبكم لما فيه من الدلالة من المحافظة على الوقت.
الثاني: أن الأمراء لم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل ولا العكس، وإنما كانوا يؤخرون صلاة الظهر إلى وقت العصر، والعصر إلى اصفرار الشمس ونحن نقول إنه إذا أخر الصلاة هذا التأخير فإنه يصليها في وقت الأخرى وإن لم يكن معذوراً، وإنما الخلاف في الإثم فمن أجاز الجمع بين الصلاتين في وقت أحداهما قال لا إثم عليه في ذلك، ومن لم يجز الجمع قال إنه يأثم، وقد ثبت بما مر أنه إذا بقي من النهار ما يسع ركعة من العصر أنه يكون مدركاً للعصر، وعلى الجملة أنما تضمنته هذه الحجة خارج عن محل النزاع؛ إذ محله فيما إذا أخر صلاة النهار إلى الليل أو العكس وصلاة الصبح إلى بعد طلوع الشمس عمداً ولم يدرك من الصبح ولا من العصر ركعة كاملة، وبهذا تعرف ضعف بناء ابن عبد البر الاحتجاج بحديث: ((إنما التفريط على من لم يصل الصلاة ...))إلخ على أن المراد بوقت الأخرى هو وقت التي تليها كتأخير الظهر إلى وقت العصر، وكيف نقول إن المراد ذلك والوقت هذا مشترك بين هاتين الصلاتين في الجملة، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر ولا مرض.

قال بعض العلماء: وهذا لا ينازع فيه، ولكن هل أجاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الصبح في وقت الضحى من غير نوم ولا نسيان، ومن هنا يعلم جواب الحجة التاسعة، بل هي من جملة الأدلة على اشتراك الوقت.
والجواب عن العاشرة: أن الحديث مطلق مقيد بما جاء في الأحاديث المعلومة من وجوب الإتيان بها في وقتها، وأن من أخرها عن وقتها لا لعذر فقد كفر، ولو أخذ بهذا الإطلاق لبطلت فائدة تحديد أوقات الصلاة، وقد روي أن الحديث بنحو ما رواه عبادة مقيداً بذكر الوقت أخرجه أحمد وغيره عن كعب بن عجزة مرفوعاً وفيه:(( إن ربكم يقول من صلى الصلاة لوقتها وحافظ عليها ولم يضيعها استخفافاً بحقها فله علي عهد أن أدخله الجنة ومن لم يصلها لوقتها ولم يحافظ عليها استخفافاً بحقها فلا عهد له إن شئت عذبته وإن شئت غفرت له)).
قيل: وفي إسناده عيسى بن المسيب ضعيف.
قال شارح المسند: له شاهد عند الطبراني في الكبير عن ابن مسعود حسنه المنذري.

والجواب عن الحادية عشرة: بأنا نقول بموجب قول أمير المؤمنين عليه السَّلام لكن من أين لنا أن المراد بحقها قضاؤها، بل لكل عبادة حق بحسب ما يقتضيه الدليل الخارجي، وقد دل الدليل على أن الانتهاء كاف في حق الكافر، وتارك الصلاة كافر، سلمنا فعام مخصوص أو محمول على المبالغة في هذا الأثر ما لا يشترط في التوبة، وقد كان السلف يحتاطون في دينهم بما ليس بواجب عليهم كما فعل عمار رضي الله عنه من قضاء بعض ما لا يجب عليه من الصلوات، ويؤيد هذا أنه قد مر عن علي عليه السَّلام أن الندم توبة، وثبت ذلك عن غيره، وروي مرفوعاً، ومن هنا يؤخذ أن حقها الذي ذكره أمير المؤمنين في قوله فتؤدي حقها هو التوبة لا غير، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً، إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً}[مريم:59،60] الآية، فلم يشرط في سلامتهم إلا التوبة والاستمرار عليها المعبر عنه بقوله: {آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى }[طه:82] فلو كان قضاء الصلاة شرط في سلامة من أضاعها لما أغفلها الله سبحانه وتعالى وما كان ربك نسيا، وقد مر من السنة: ((إن الله سكت لنا عن أشياء ولم يتركها نسياناً فلا نتكلفها)) وهذه الآية من أقوى الحجج في المسألة وأوضحها.
والجواب عن الثانية عشرة: أن الإجماع لا ينعقد مع خلاف من ذكرنا من السلف والخلف، وقد حكى الخلاف محمد بن منصور عن بعضهم ذكره في العلوم والجامع الكافي، وقال: إنما عليه التوبة، واحتج له بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة )).

قال في العلوم: يقولون إذا تاب من الكفر فليس عليه إعادة الصلاة بمنزلة المرتد، على أن حديث أنس قد قيل إنه لم يوجد، وقال ابن حزم: إنما رواه مكحول عن أنس، ومكحول لم يدرك أنساً، واعترض بأنه قد ذكر غيره صحة سماعه من أنس، والأولى أن يقال: نحن نطالب بإسناده إلى مكحول، ثم لو صح فلا حجة فيه لأنه لم ينص على أنهم تعمدوا تركها، والواجب حملهم على النسيان ولا يظن بمن هو دونهم أن يتعمد تركها مع أن صلاة الخوف قد كانت مشروعة يومئذ قطعاً؛ إذ لم تفتح تستر إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلو كانوا ذاكرين لأتوا بما يمكنهم من صفات صلاة الخوف.
وأما قولهم: إن الأمة أجمعت على وجوب الصلاة فلا تسقط إلا ببرهان، فمسلم لكنا نقول: قد أقمنا البرهان على عدم الوجوب، ثم إن الشرع لم يوجب الصلاة إيجاباً مطلقاً، بل قيد وجوبها بأوقات محدودة معلومة، ولم نجد في الشرع ما يقتضي وجوبها قبل وقتها أو بعده.
واعلم أن كثيراً من العلماء قد يدعي الإجماع وليس ثمة إجماع في الواقع، وإنما يكون سببه أنه بحث ولم يجد خلافاً فظن الإجماع فجاء من بعده فتداولوا عبارته ونقلوا حكايته لعلمهم بعدالته، ولو أنصف من نفسه لعلم أنه لا يقدر على الإحاطة بمعرفة العشر أونحوه من علماء الإسلام فكيف بمعرفة كلهم والاطلاع على مذاهبهم، وقد نقم كثير من جهابذة العلماء على من يدعي الإجماع من غير ضروريات الدين ونحوها كوجوب الصلاة، والزكاة، ونحو ذلك، وإنما ذكرت لك هذا البحث لئلا تغتر بما حكاه الأمير الحسين والقاضي زيد وأضرابهما من الإجماع فيما نحن فيه، فقد عرفت أن الصواب مع ناقل الخلاف.

قال بعض المحققين: نقول من قال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن من ترك الصلاة عمداً لغير عذر حتى خرج وقتها أنها تنفعه بعد الوقت وتبرأ ذمته، فالله يعلم أنا لم نظفر بصاحب واحد منهم قال ذلك، ثم روي عن الحسن أنه قال: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمداً فإنه لا يقضيها، ثم حكي عن بعضهم أن قول الحسن هذا إما لأنه يذهب إلى كفر تارك الصلاة والكافر لا قضاء عليه، وإما لأن الله إنما فرض الصلاة في وقت معلوم فإذا ذهب الوقت فقد لزمته المعصية لتركه الفرض في وقته، فإذا أتى به بعد الوقت فإنما أتى به في وقت لم يؤمر بالإتيان به فيه فلا ينفعه.
قلت: فهذا خلاف الحسن البصري وهو من كبار التابعين فلا ينعقد الإجماع مع خلافه وحده، فكيف وقد ثبت خلاف غيره كما قدمنا، ولا يظن بنا أحد أنا نريد بما ذكرناه من عدم الاعتراض بدعوى الإجماع قدحاً في أولئك الجهابذة أو حطاً من قدرهم فهم أعظم قدراً من أن يوصموا بكلام، أو يلحقوا بملام، بل نقول هم معذورون لأنهم لسعة اطلاعهم وكثرة بحثهم قد ظنوا عدم المخالف حيث لم يجدوه، ويجوز أن يكونوا رووا تلك الحكاية عن غيرهم.
والجواب عن الثالثة عشرة: من وجوه.
أحدها: أن هذا القياس معارض بما مر من القياس على سقوط كفارة القتل العمد واليمين الغموس وهو بهما أشبه، وليس ثبوت القضاء بمفهوم الموافقة بأولى من سقوطه بمفهوم المخالفة، فلا وجه لقولهم أنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
الثاني: أنه لا يجب من صحة قضاء المعذور الذي لم يقع منه تفريط أن يصح ويقبل القضاء من العاصي المتعدي لحدود الله، فقياس هذا على ذلك في صحة عبادته من أفسد القياس.

الثالث: أن النائم والناسي لم يصليا الصلاة في غير وقتها؛ لأن وقتها حين يذكرها كما في الحديث، ولأجل هذا قيل: الوقت وقتان وقت اختيار، ووقت عذر فوقت المعذور بنوم أو نسيان هو وقت الذكر أو الاستيقاظ، فإذا كان هذا لم يصلها إلا في وقتها فكيف يقاس عليه من لم يصلها في وقتها عمداً أو عدواناً.
الرابع: أن الشريعة قد فرقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي، وذلك معلوم لمن بحث.
الخامس: أنا لم نسقطها على المتعمد ونأمر بها المعذور حتى يلزمنا ما ذكرتم، بل ألزمناها المتعدي على وجه لا سبيل إلى التخلص منها إلا بما هو أعظم عند الله منها وهو التوبة، وقد ذكر المنصور بالله أنه لا كبيرة في الطاعات إلا التوبة فنحن في التغليظ عليه أعظم منكم.
والجواب عن الرابعة عشرة: أنا لا نسلم الأصل فإنه لم يرد بوجوب القضاء على من تعمد الإفطار في شهر رمضان من دون رخصة كتاب ولا سنة ولا إجماع، أما الكتاب فلم يوجب الله فيه القضاء إلا على من أفطر للرخصة التي بينها في كتابه وهي المرض والسفر قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:184] ومفهوم الآية أنه لا رخصة في الإفطار، لغير هذين السببين، وقد جاءت السنة بالرخصة لغيرهما كالمرضع والحامل على خلاف في وجوب القضاء عليهما، ولم نجد في السنة ما يقتضي وجوب القضاء على من أفطر عامداً من دون عذر إلا في موضعين أحدهما: المجامع، والثاني: المستقيء.

278 / 329
ع
En
A+
A-