وحدثني يحيى بن حبيب الحارثي، حدثنا خالد بن الحرث، قال: حدثنا شعبة عن بديل، قال: سمعت أبا العالية يحدث عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضرب فخذي: ((كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها ؟ قال: قال: ما تأمر؟ قال: صل الصلاة لوقتها ثم اذهب لحاجتك فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل)) وله إلى أبي العالية طريق أخرى رواها مسلم عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن أبي العالية، البراء، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر يرفعه بلفظ: ((صل الصلاة لوقتها فإن أدركتك الصلاة معهم فصل ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي)) وفي الحديث قصة ذكرها مسلم.
وقال مسلم: حدثني أبو غسان المسمعي، حدثنا معاذ وهو ابن هشام، قال: حدثني أبي، عن مطر ، عن أبي العالية البراء، قال: قلت لعبد الله بن الصامت تصلي يوم الجمعة خلف أمراء فيأخرون الصلاة، قال فضرب فخذي ضربة أوجعتني وقال: سألت أبا ذر عن ذلك فضرب فخذي وقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال: ((صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة)).
قال: وقال عبد الله ذكر لي أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ضرب فخذ أبي ذر. والحديث رواه الترمذي والنسائي، وابن ماجة كلهم من حديث أبي ذر، ومعنى يميتونها: يأخرونها فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه. ذكره النووي.
وفي مسند أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا الحكم بن نافع، ثنا ابن عياش، عن راشد بن داود، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((سيكون من بعدي أئمة يميتون الصلاة عن مواقيتها فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم مع القوم سبحة)).
قال في (بلوغ الأماني): أي نافلة وسميت النافلة سبحة؛ لأنها كالتسبيحات في عدم الوجوب.
وفي سنن أبي داود: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقي، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، حدثني حسان يعني ابن عطية، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمونة الأودي، قال: قدم علينا معاذ بن جبل اليمن رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلينا قال: فسمعت تكبيره مع الفجر رجل أجش الصوت قال: فألقيت عليه محبتي فما فارقته حتى دفنته بالشام ميتاً، ثم نظرت إلى أفقه الناس بعده فأتيت ابن مسعود فلزمته حتى مات فقال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((كيف بكم إذا أتت عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها ؟ قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله؟ قال: صل الصلاة لميقاتها واجعل صلاتك معهم سبحة)).
قال بعض شراح سنن أبي داود: حديث عمرو بن ميمون، عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود أخرجه أبو عمر في تمهيده من طرق وهو على شرط الصحيح رجاله كلهم من رجال الصحيح.
قال في الروض: وحديث ابن مسعود بلفظ حديث معاذ سواء، وأخرجه معمر أيضاً عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود بلفظ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: ((كيف بك يا أبا عبد الرحمن إذا كان عليك امراء يطفئون السنة ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها؟ قال: فكيف تأمرني يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يسألني ابن أم عبد كيف يفعل، لا طاعة لمخلوق في معصية الله)).
وأخرج أبو داود عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((سيكون عليكم بعدي أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها فصلوا الصلاة لوقتها، فقال رجل: يا رسول الله أصلي معهم؟ قال: نعم إن شئت)).
وفي رواية: ((إن أدركتها معهم أصلي معهم؟ قال: نعم إن شئت)).
قال في نيل الأوطار: رجال إسناد أبي داود ثقات، وأخرجه ابن ماجة.
ووجه الاستدلال بالحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أباح الصلاة بعد خروج ميقاتها، ولم يقل إن الصلاة لا تصلى إلا في وقتها، والأحاديث في تأخير الأمراء الصلاة حتى يخرج وقتها كثيرة جداً، وفي بعضها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالصلاة معهم والانتظار لصلاتهم والاجتزاء بها.
قال في مسند أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني عاصم بن عبيد الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنها ستكون من بعدي أمراء يصلون الصلاة لوقتها ويؤخرونها عن وقتها فصلوها معهم فإن صلوها لوقتها وصليتموها معهم فلكم ولهم، وإن أخروها عن وقتها فصليتموها معهم فلكم وعليهم، من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية، ومن نكث العهد ومات ناكثاً للعهد جاء يوم القيامة لا حجة له)) قلت له: من أخبرك هذا الخبر؟ قال: أخبرنيه عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه عامر بن ربيعة ويخبر عامر بن ربيعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وفي سنن أبي داود: حدثنا الوليد الطيالسي، ثنا أبو هاشم يعني الزعفراني، حدثني صالح بن عبيد عن قبيصة بن وقاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة فهي لكم وهي عليهم فصلوا معهم ما صلوا القبلة)) ففي هذين الخبرين الأمر بترك الصلاة مع الأمراء الذين يؤخرونها عن وقتها، والاعتداد بفعلها بعد الوقت مع تعمد تركها، ظاهره أنه لا فرق في الدلالة بين أن يكونوا أخروها إلى خروج وقتها المختار، أوعن جميع وقتها.
أما على الثاني: فظاهر، وأما على الأول فلأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [أنه] وقت الظهر في الحضر ما لم يدخل وقت العصر.
قال ابن عبد البر: وقد كان الأمراء من بني أمية، وأكثرهم يصلون الجمعة عند الغروب، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى)) وقد أعلمهم أن وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر، وروي ذلك عنه من وجوه صحاح. ذكر هذا في كتابه الاستذكار، ثم روى بإسناده عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى)) قال: فقد سمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فعل هذا مفرطاً، والمفرط ليس بمعذور وليس كالنائم، والناسي عند الجميع من جهة العذر، وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاته على ما كان من تفريطه.
الحجة التاسعة: ما رواه عبد الرحمن بن علقمة الثقفي وهو مذكور في الصحابة قال: قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجلسوا يسألونه فلم يصل يومئذ الظهر إلا مع العصر. رواه ابن عبد البر في الاستذكار، قال: وأقل ما في هذا أنه أخرها عن وقتها الذي كان يصليها فيه لشغل اشتغل به.
وعبد الرحمن بن علقمة من ثقات التابعين وكبارهم.
الحجة العاشرة: ما رواه في مسند أحمد، قال: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، ثنا محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن محيريز، عن المخدجي، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فيه إلى في لا أقول حدثني فلان ولا فلان: ((خمس صلوات افترضهن الله على عباده فمن لقيه بهن لم يضيع منهن شيئاً لقيه وله عنده عهد يدخله به الجنة، ومن لقيه وقد أنتقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهن لقيه ولا عهد له إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)) وأخرجه مالك، وابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، والبيهقي، وظاهره أن أي وقت أتى بالصلاة فيه فلم يضيعها، إلا أنه خرج ما قبل الوقت بالإجماع، فبقى ما بعده على مقتضى الظاهر في الدخول تحت العموم.
الحجة الحادية عشرة: ما مر عن علي عليه السَّلام في معنى التوبة، وهو قوله: الرابع أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها فتؤدي حقها. رواه في النهج.
الحجة الثانية عشرة: الإجماع، وهو أنواع:
أحدها: إجماع الأمة على وجوب القضاء عن من ترك الصلاة عمداً، وقد مر من رواية الأمير الحسين، والقاضي زيد، وادعاه أيضاً محمد بن محمود البابزتي، وغيره.
ثانيها: أن الصحابة تركوها في حرب تستر وقضوها،وذلك فيما رواه أنس أنها اشتدت بهم الحرب غداة فتح تستر فلم يصلوا إلا بعد طلوع الشمس.
ثالثها: أن الأمة مجمعة على وجوب الصلاة فلا يصح سقوطها إلا ببرهان نص أو إجماع.
الحجة الثالثة عشرة: القياس على الناسي.
قالوا: إذا لزم القضاء على الناسي فالعامد أولى.
قال النووي: وإنما قيد في الحديث بالنيسان لخروجه على سبب؛ لأنه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب وهو من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى.
الحجة الرابعة عشرة: القياس على وجوب قضاء الصوم المتروك عمداً فإن السنة الثابتة تدل على وجوب قضائه.
وروى النووي إجماع الأمة على أن من لم يصم شهر رمضان عامداً وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشراً وبطراً، ثم تاب أنه يجب عليه قضاؤه، فكذلك من ترك الصلاة عامداً إذ لا فرق بين فرض وفرض، فهذه حجج الموجبين للقضاء.
وأما المانعون فقالوا: قد ثبت بما مر أن القضاء لا يثبت إلا بدليل غير الأمر الأول، وقد قررنا ذلك بما لا مرية فيه لمنصف، ولم نجد دليلاً يوجب على تارك الصلاة عمداً غير معذور استدراكها بعد وقتها؛ إذ ليس بدليل.
وأما ما احتج به الموجبون، فلا يفيد المطلوب، ولا ينبغي أن يكون عليه في هذا الباب تعويل، وسنجيب عن كل واحدة من تلك الحجج، ونبين أن المستند إليها مائل عن سواء المنهج، سالك في تعويله عليها السبيل الأعوج، ولا بد قبل الجواب من إيراد البرهان على قولنا وإن كان المقرر أنه لا يجب على النافي دليل، إلا أنا نتبرع بذلك لما فيه من زيادة الإيضاح والتقوية لما مر، فنقول: الحجة لنا على أنه لا يجب على من تعمد ترك الصلاة لغير عذر قضاء من وجوه:
أحدها: أن الله تعالى قد توعد من ترك الصلاة في وقتها بوعيد شديد قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ}[الماعون:4،5] وقد فسر الصحابة السهو عنها بأنه تأخيرها عن وقتها، وقد ثبت ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وفيه حديث مرفوع.
الثاني: قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ ..}[مريم:59] الآية، وفسرت إضاعتها بتضييع وقتها.
قيل: والتحقيق أن إضاعتها تتناول تركها وترك وقتها وواجباتها وأركانها، وهذان الوجهان قويان في الدلالة على المقصود؛ إذ لو كان المتعمد بتركها مدركاً لها بعد وقتها لما كان له الويل، ولا لقي غياً.
الثالث: أن لكل صلاة فرض وقتاً محدوداً إجماعاً، وحدود الله لا يجوز تعديها لقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا }[البقرة:229] وقوله: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ }[الطلاق:1] ولا شك أن مؤخرها عن وقتها متعد لحدود الله، كما أن مقدمها على وقتها كذلك، فما بالها تقبل مع تعدي الحد، ولا تقبل مع تعدي الحد الآخر!.
الرابع: أن هذه الصلاة المقضية لا تخلو إما أن تكون هي الصلاة المأمور بها أو غيرها، الأول باطل، وإلا لزم أن لا يكون التارك لها إلى ذلك الوقت عاصياً؛ لأنه فعل ما أمر الله به، وهذا باطل قطعاً ولا يقوله مسلم، وإن كانت غير التي أمر الله تعالى بها فهو قولنا، وقد أقروا بأنهم كلفوه ما لم يأمره الله تعالى به.
الخامس: أنا نسألهم عمن أخر الصلاة عمداً حتى خرج وقتها ثم فعلها أطاعة تلك الصلاة أم معصية؟ فإن قالوا: هي طاعة خالفوا الكتاب والسنة والإجماع؛ إذ كلها ناطقة بقبح تأخير الصلاة عن وقتها، وإن قالوا: هي معصية. قيل: فكيف تنوب المعصية عن الطاعة؟ وكيف يتقرب إلى الله بها؟ فإن قيل: هو مطيع بفعلها عاص بتأخيرها إذ القربة بالفعل الذي هو طاعة لا بالتفويت الذي هو معصية.
قيل: الطاعة هي موافقة الأمر وامتثاله على الوجه الذي أمر به، وليس لنا من الشارع أمر لمن تعمد تفويت الصلاة بفعلها بعد وقتها حتى يكون مطيعاً.
السادس: أن كل عمل علق بوقت فإنه لا يصح عمله في غير ذلك الوقت وإلا لم يكن وقتاً له، وأيضاً لو جاز أداؤها بعد الوقت لما كان لتحديد آخر وقتها معنى.
السابع:أن الصلاة كالحج والصيام والجمعة، فكما أن هذه لا تقبل في غير أوقاتها كذلك الصلاة.
الثامن:أن الصلاة في أوقاتها واجبة على كل حال، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأمر بالمحافظة على فعلها في الوقت ما فيه كثرة حتى أنه قد يترك بعض الواجبات والشرط كالقيام والقراءة والوصف وغير ذلك إذا كان لا يمكنه أن يصلي في الوقت مع الإيتان بها، ولم يؤمر بالتأخير إلى بعد خروج الوقت، وإن كان يمكنه الإتيان بعده بالصلاة كاملة الشروط والفروض، بل لا يجوز له التأخير طلباً لهذا الكمال، دليل ذلك صلاة الخوف مع ما فيها من الأفعال المنافية للصلاة من القتال والانفتال، ومخالفة جهة القبلة وغير ذلك، وكذلك أمر الله المريض أن يصلي قاعداً وعلى جنب، وليس ذلك إلا للمحافظة على الوقت، وكونها لا تصح إلا فيه، ولا تقبل بعد إذ لو كانت تصح وتقبل في غيره لجاز تأخيرها إلى وقت الأمن والصحة ليؤتى بها كاملة، وذلك غير جائز إجماعاً.
التاسع: أن كل ما أمر الله تعالى به في وقت مخصوص فترك حتى يخرج وقته فإنه لا يمكن المكلف به الإتيان به لا شرعاً ولا حساً، ولا يدخل تحت مقدوره؛ لأنه أتى بغير المأمور به.
العاشر: أنه قد دل النص والإجماع على أنه من أخر الصلاة عن وقتها عمداً بلا عذر فقد فاتته كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) والفائت لا يمكن استدراكه؛ إذ لو أمكن فيه ذلك لما سمي فائتاً، والأمة مجمعة على أن من تعمد ترك الصلاة حتى يخرج وقتها فقد فاتته.
قال بعضهم: ولو قبلت وصحت بعد الوقت لكان تسميتها فائتة لغواً وباطلاً وكيف يفوت ما يدرك.
الحادي عشر: مفهوم حديث: ((من نام عن صلاة أو نسيها ...)) إلخ لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم ينس فلا قضاء عليه.
الثاني عشر: القياس على سقوط كفارة القتل عن المتعمد، واليمين الغموس بجامع العمد.
الثالث عشر:أنه قد ثبت بالدليل كفر تارك الصلاة متعمداً بلا عذر، وقد مر ذكر إجماع قدماء العترة " والشيعة على تسمية مرتكب الكبيرة كافر نعمة.
والأحاديث في كفر تارك الصلاة كثيرة قد مر بعضها قريباً، وبعضها في التاسعة من مسائل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ...}الآية[البقرة:26]، والظاهر أن القول بكفره إجماع الصحابة لما رواه الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، وإذا ثبت كفره فلا قضاء عليه لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ }[الأنفال:38] وحديث: ((الإسلام يجب ما قبله )) أخرجه أحمد، والطبراني، والبيهقي من حديث عمرو بن العاص، ومسلم بمعناه من حديثه أيضاً، وابن سعد من حديث جبير بن مطعم.
وتوبة الكافر من كفره إسلام؛ إذ الإسلام هو الانقياد لأحكام الله تعالى.
هذا وأما ما احتج به الأولون فقد ذكرنا أنها ليست بحجج كما لا يخفى، ولكنا نزيد ذلك بياناً ووضوحاً بذكر الجواب عن كل واحدة منها فنقول:
الجواب عن الأولى قد مر عند تقريرها في أول المسألة، على أن أكثر القائلين بوجوب القضاء على العامدلم يعتمدوا على تلك الحجة لتسليمهم أن القضاء لا يجب إلا بأمر جديد.
والجواب عن الثانية: أن زيادة من ترك في أول الحديث لم يوجد بعد البحث الشديد في غير رواية أصول الأحكام، مع أنها تنافي قوله في آخر الحديث: ((إذا ذكرها)) على أن الإمام أحمد بن سليمان عليه السَّلام قد ذكر الحديث في الحقائق ولم يذكر هذه الزيادة، فلعلها زيادة من الناسخ، ولا ينبغي الاعتماد على مثلها في إثبات مثل هذا الأصل العظيم.
والجواب عن الثالثة: وهي تشبيه حقوق الله بالدين من وجوه:
أحدها: أن حديث: ((فدين الله أحق أن يقضى )) وارد فيمن ترك واجباً لعذر، كما ذلك مصرح به في حديث ابن الزبير روى في المسند، والسنن عن عبد الله بن الزبير أنه جاء رجل من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ لا يستطيع ركوب رحل والحج مكتوب عليه أفأحج عنه؟ قال: ((أنت أكبر ولده )) قال نعم. قال: ((أرايت لو كان علي أبيك دين فقضيته عنه أكان ذلك يجزي عنه؟ قال: نعم. قال: فحج عنه )) ونحن نقول أن المتروك لعذر يقبل القضاء، لا يقال سائر الروايات في الحج عن الغير غير مصرح فيها بالعذر؛ لأنا نقول هي محمولة على هذا الحديث، أو محتملة فتكون مجملة.
ثانيها: أنا لو سلمنا وردوده في المعذور وغيره، فالصلاة غير مرادة بالحديث ولا يتناولها عمومه؛ إذ لا يصح تشبيهها بالدين لعدم تعلقها بالمال بخلاف الحج كما يشير إليه تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة، ويؤيده أن الاستنابة في الصلاة لا تجزي لا في الحياة ولا بعدها سواء تركت لعذر أم لا، وكذا التبرع بها عن الغير.