احتجوا رابعاً: بأن الأمر المؤقت لا يتناول ما عدا الوقت بشيءٍ من وجوه الدلالة، وبيان ذلك أن من قال لغيره: اشتر لي لحماً يوم الجمعة لا يتناول ما بعد ذلك اليوم؛ إذ ليس في لفظه ما يقتضيه بمطابقة ولا تضمن ولا التزام، بل قد يستحق الذم إذا شرى بعده لجواز أن يكون للآمر غرض في شراء يوم الجمعة، فيكون الإقدام على الشراء بعده إقداماً على ما لا يؤمن قبحه وذلك قبيح، وإذا ثبت أنه لا يتناوله فلا يجوز أن يقضي فيه بنفي ولا إثبات إلا بدليل آخر، وإلا لجاز أن يكون الأمر بالصلاة أمراً بالحج والصوم، والمعلوم خلاف ذلك.
قالوا: وأما ما احتج به الأولون فالجواب عن الوجه الأول أن الكلام ليس في الفعل المطلق بل في المقيد بالوقت، ولا نسلم أن الوقت غير داخل فيه بل هو داخل وإلا لجاز التقديم، وهو ظاهر البطلان إذ الوقت المعلوم من صفات الفعل الواجب، ومن وجب عليه بصفة فلا يكون مؤدياً له من دونها، فإن قيل: نحن بنينا الكلام على أن الوقت غير مقدور لنا فكيف يقال: إنه داخل في المأمور به.
قلنا:دخل فيه لا من حيث أنه مقدور، بل من حيث أنه صفة للفعل.
قالوا: الأمر به في ذلك الوقت مشعر بطلب قضائه خارجة؛ لأنه وإن كان المطلوب الفعل في الوقت المعين لكن الوقت المعين إنما طلب لكونه مصلحة يكمل به الفعل، فالمقصود الأصلي هو الفعل نفسه، فإذا فات الكمال بقى الوجوب مع نقص فيه.
قلنا: لا نسلم أنه إنما طلب لكمال الفعل بل طلب للإتيان به فيه، وإلا لجاز تقديمه عليه، وما المانع من أن تتعلق المصلحة بذلك الوقت خاصة.
قالوا: الإخفاء في أنا إذا تعقلنا صوماً مخصوصاً وقلنا صم يوم الخميس فقد تعقلنا أمرين، وتلفظنا بلفظين، فمقتضى هذا التركيب أمران إلزام الصوم وكونه في يوم الخميس، فكان المأمور به شيئين، فإذا عجز عن الثاني لفواته بقي اقتضاء الصوم؛ إذ انتفاء أحدهما لا يوجب انتفاء الآخر.

قلنا: لا نسلم أن المأمور به شيئان بل شيء واحد وهو الصوم؛ إذ المقصود من الأمر الأول الفعل في الوقت لا مطلقاً.
قال بعض المحققين: اختلافهم في هذا الأصل وهو أن المطلق والمقيد بحسب الوجود شيئان أو شيء واحد يصدق عليه المعنيان ناظر إلى الاختلاف في أصل آخر، وهو أن تركب الماهية من الجنس والفصل وتمايزهما هل هو بحسب الخارج أو مجرد العقل. فإن قلنا بالأول كان المطلق والقيد شيئين لأنهما بمنزلة الجنس والفصل، وإن قلنا بالثاني وهو الحق كانا بحسب الوجود شيئاً واحداً.
قال: وحاصل الجواب حينئذ أن الكون في الوقت مصلحة للفعل به كماله، لكن إنما يبقى الوجوب مع النقص إذا انفرد به الطلب، وليس كذلك بل المطلوب شيء واحد وقد انتقى بانتفاء جزئية.
والجواب عن الوجه الثاني من وجوه:
أحدها: أنا قد بينا أن للوقت تأثيراً في إزالة الوجوب.
ثانيها: أنا لا نسلم كونه كأجل الدين لأنه لو قدم لم يعتد به بخلاف أداء الدين.
ثالثها: أن الفرق بين المسألتين جلي، وذلك أن في مسألة الدين حق الغير قد وجب ولزم وهو الدين والأجل وقت أدائه فلا يسقط بمضي الأجل، بخلاف مسألتنا فإن الذي به علمنا وجوب الفعل هو بعينه دال على أن الوجوب في ذلك الوقت فقط، وحاصله أن متعلق الوجوب في مسألتنا شيء واحد وهو الفعل المؤقت بخلاف مسألة الدين.
ورابعها: أن الأجل حق لمن عليه الدين، وسقوط حق من عليه الدين لا يوجب سقوط حق صاحب الدين فلا علة جامعة بين المسألتين.
قال بعض أئمتنا: وإنما وزان مسألتنا أن يقول من له الدين إذا جاء وقت كذا ولم آتك فقد أبرأتك منه.
والجواب عن الثالث: أنا لا نسلم الملازمة فإنه إنما سمي قضاء لكونه استدراكاً لمصلحة ما فات أولاً، والأداء لا يكون استدراكاً أصلاً.

والجواب عن الرابع: أنا لا نسلم جواز ورود النسخ عن الأمر المؤقت مطلقاً، بل إذا كان مفيداً لأفعال كثيرة بقرينة تقترن به فيرتفع بالنسخ بعض تلك الأفعال، وأما الأمر مطلقاً فلا يقتضي إلا فعل المأمور به مرة واحدة؛ لأنه لا يقتضي التكرار سواء كان مؤقت بوقت أم لا، وما كان هذا حاله فلا يصح ورود النسخ عليه.
احتج المفصلون بأن نحو الصدقة فعلها مباح فأي وقت فعلها المكلف فيه جاز؛ إذ لا ضرر في فعلها على أحد، بخلاف نحو الختان فإن فيه ضرراً على الغير والأصل فيه الحظر، فلا يحسن إلا بناقل شرعي، والشرع لم يرد مثلاً إلا بفعله في وقت مخصوص، فإذا لم يفعل فيه رجع إلى الحظر العقلي.
والجواب أن يقال: ما معنى قولك أي وقت فعلت فيه الصدقة جاز، هل أردت أنه يسقط عنه استحقاق الذم والعقاب على الإخلال بها في الوقت المعين لقيام فعلها بعد ذلك الوقت مقام فعلها فيه في المصلحة؟ فهذا محل النزاع، أو أردت بالجواز ضد الحظر فذلك صحيح، لكنه يفعل بقضية العقل لا بالأمر الأول.
إذا عرفت هذا وتقرر لديك أنه لا يجب القضاء إلا بدليل غير الأمر الأول، اعلم أنه قد ثبت بالدليل وجوب قضاء الصلوات الخمس على من تركها لعذر كالنائم والناسي، ولا خلاف في ذلك إلا ما شذ فيه بعضهم من أن الفائت إذا زاد على خمس صلوات لا يجب قضاؤه، حكى هذا القول القرطبي ولا يعتد به لثبوت الإجماع، وظهور الأدلة على خلافه، واختلفوا فيمن تركها متعمداً فذهب الجمهور إلى وجوب القضاء عليه، وادعى الأمير الحسين والقاضي زيد وغيرهما الإجماع على ذلك، ونسب النووي من خالف ذلك إلى الشذوذ، وخالف في ذلك المرتضى والناصر ابنا الهادي عليه السَّلام والأستاذ.

وروي عن القاسم والناصر، وهو ظاهر كلام السيد مانكديم، فهؤلاء قالوا: لا يجب القضاء على تارك الصلاة متعمداً، وبه قال ابن أبي الحديد، وابن حزم، وداود، وابن تيمية، والمقبلي، والشوكاني، ورواه ابن حزم عن عمر وولده عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وسليمان رجل من الصحابة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وبديل العقيلي، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وحكى عن هؤلاء كلمات أخذ لهم هذا القول منها، ورواه أيضاً المطرف بن عبد الله، ورواه عن هؤلاء أيضاً ابن القيم وحكاه عن أبي بكر، وسلمان الفارسي، وروى عن أبي بكر أنه قال: إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل وحقاً بالليل لا يقبله بالنهار. وعزا هذا إلى طائفة من السلف والخلف ولفظه:
وقالت طائفة من السلف والخلف: من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر يجوز له التأخير، فهذا لا سبيل له إلى استدراكها، ولا يقدر على قضائها أبداً، ولا يقبل منه، قال: ولا نزاع بينهم أن التوبة النصوح تنفعه، ولكن هل من تمام توبته قضاء تلك الفوائت التي تعمد تركها فلا تصح التوبة بدون قضائها أم لا تتوقف التوبة على القضاء، فيحافظ عليها في المستقبل، ويستكثر من النوافل وقد تعذر عليه استدراك ما مضى، هذا محل الخلاف.
وقال ابن حزم: من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها فهذا لا يقدر على قضائها أبداً، فليكثر من فعل الخير، وصلاة التطوع ليثقل ميزانه يوم القيامة، وليتب وليستغفر الله عز وجل.
احتج الجمهور بحجج:
أحدها: ما مر من أن القضاء لا يحتاج إلى أمر جديد وقد تقدم تقرير هذه.
الحجة الثانية: ما في أصول الأحكام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من ترك صلاة أو نسيها أو نام عنها فوقتها حين يذكرها )).

الحجة الثالثة: قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((دين الله أحق أن يقضى )) وسيأتي استيفاء طرقه وألفاظه، وقد تقدمت الإشارة إليه في السابعة من مسائل قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ }[البقرة:29] وهو عام لكل دين لله تعالى.
قال ابن عبد البر: من لزمه حق لله تعالى أو لعباده لزمه الخروج منه، وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حق الله عز وجل بحق الآدميين، وقال: ((دين الله أحق أن يقضى )).
وقال غيره ما معناه: إن الحديث منبه على طريق علة وجوب القضاء لأنه ورد جواباً لسؤال سائل فذكر النبي صلى الله عليه وآله نظير المسؤل عنه ليثبت له ما ثبت لنظيره وهو المسمى باقتران النظير،فكان دليلاً على أن جميع الفائت من حقوق الله كالديون إلا ما خصه دليل،وهذا أقوى ما يحتجون به، لا سيما قول من قال إن وجوب القضاء بالخطاب الأول؛ لأنه يقول المتعمد للترك قد خوطب بالصلاة فوجب عليه تأديتها فصارت ديناً عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه.
الحجة الرابعة: قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)) وهو حديث مشهور رواه أئمتنا والمحدثون بألفاظ في بعضها: ((من نام عن صلاة أو نسيها )) وفي بعضها: ((إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز وجل يقول: أقم الصلاة لذكري)) وسيأتي استيفاء طرقه وألفاظه في موضعه من كتابنا هذا.

قالوا: والنسيان في لسان العرب يكون للترك عمداً ولضد الذكر قال تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ }[التوبة:67] أي تركوا طاعته فتركهم من رحمته، سلمنا أن المراد بالناسي ضد الذاكر لاقترانه بالنائم في بعض الروايات، فإنما خصهما بالذكر لدفع ما يتوهم من أن سقوط الإثم عنهما لرفع القلم يوجب سقوط فرض الصلاة عنهما فأبان صلى الله عليه وآله وسلم أنها واجبة عليهما عند الذكر لها، وإن كان قد خرج وقتها، ولم يذكر العامد؛ لأن علة النائم والناسي ليست فيه، ولا عذر له في ترك فرض قد وجب عليه من صلاته إذا كان ذاكراً له.
الحجة الخامسة: قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ...)) الخبر، وهو خبر صحيح رواه الأئمة والأمة.
قال الهادي عليه السَّلام في (المنتخب): جاء الأثر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يختلفوا في رواية هذا الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها ، ومن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها)).
قال عليه السَّلام : روى ذلك من العراقيين ابن أبي شيبة وغيره، ومن أهل اليمن عبد الرزاق اليماني، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها )).
قال: وروى هذا الخبر عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة.
قلت: وذكره القاسم بن إبراهيم وقال: إن علماء العامة رووه.
وفي الشفاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)).

قال علامة العصر: وعن عائشة مرفوعاً مثله رواه في أصول الأحكام، وقال أيضاً: وفي العلوم عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من أدرك من العصر ركعة قبل غروب الشمس فقد أدركها ، ومن أدرك من الصبح ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدركها)).
وقال ابن عبد البر: نقلت الكافة عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه: ((من أدرك ركعة من صلاة العصر صلى تمام صلاة العصر بعد الغروب)).
وفي صحيح مسلم حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بشر بن سعيد، وعن الأعرج حدثوه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)).
وحدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بمثل حديث مالك عن زيد بن أسلم، وحدثنا حسن بن الربيع، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر بن طاووس عن أبيه، عن ابن عباس عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك، ومن أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك)).
قال: وحدثنا عبد الله علي بن حماد، حدثنا معمر قال: سمعت معمراً بهذا الإسناد.
وفي مسند أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا علي يعني ابن المبارك، عن يحيى يعني ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، حدثنا أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من صلى ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فلم تفته، ومن صلى ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فلم تفته)) وفي لفظ: ((فقد أدرك)).
قال شارح المسند: وافق عليه بهذا اللفظ وسنده جيد.

وفي المسند أيضاً: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر وروح، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من صلى من صلاة الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس ثم طلعت فليصل إليها أخرى)) وأخرجه البيهقي في السنن، والحاكم وسنده جيد.
وفي صحيح البخاري: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شيبان عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته)) وللحديث من رواية أبي هريرة طرق عند المحدثين فإنه أخرجه مالك، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم.
وفي صحيح مسلم:حدثنا حسن بن الربيع، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري حدثنا عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ح وحدثني أبو الطاهر وحرملة كلاهما عن أبي وهب والسياق لحرملة قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها)) والسجدة: إنما هي الركعة، وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجة.
ووجه الاستدلال بالحديث أن الإتيان بما بقي من هاتين الصلاتين إنما يكون بعد خروج الوقت عند الجميع، وإذا صح فعل بعضها بعد خروج الوقت صح فعل جميعها إذ لا فرق، ولم يفصل الحديث بين أن يكون تأخيرها إلى ذلك الوقت عمداً أونسياناً، وليس ما فُعِلَ بعد خروج الوقت إلا قضاء إذ لا يكون بالركعة مدركاً لكل الصلاة اتفاقاً.

قال النووي: أجمع المسلمون على أن هذا ليس على ظاهره، وأنه لا يكون بالركعة مدركاً لكل الصلاة، بل هو متأول وفيه إضمار تقديره: فقد أدرك حكم الصلاة أو وجوبها أو فضلها، وقد صرح بأنها قضاء في رواية النسائي فإن فيها: ((فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته)).
الحجة السادسة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل هو ولا أصحابه يوم الخندق صلاة الظهر والعصر حتى غربت الشمس ولم يصلهما إلا بالليل لشغله بما نصبه المشركون يومئذ من الحرب، ولم يكن يومئذ نائماً ولا ناسياً، ولا كانت يومئذ حرب قائمة ملتحمة. ذكر هذه الحجة ابن عبد البر.
وحديث فوت الصلاة عليه يوم الخندق ثابت أشار إليه المؤيد بالله في شرح التجريد، ورواه المحدثون بألفاظ وطرق متعددة سيأتي ذكرها إن شاء الله، إلا أن في بعضها أن الفائت العصر فقط، وفي بعضها الظهر والعصر.
الحجة السابعة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فصلاها بعضهم في الطريق وبعضهم أخرها إلى هنالك امتثالاً للأمر ولم يصلها إلا وقد خرج وقتها، فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحداً من الطائفتين، وقد علم صلى الله عليه وآله وسلم بأن من أخرها إلى بعد وقتها غير نائم ولا ناسٍ، ولم يقل إن الصلاة لا تقضى بعد خروج وقتها. والقصة مذكورة في كتب السير.
الحجة الثامنة: ما رواه زيد بن علي عليه السَّلام في المجموع عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السَّلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إنه سيأتي على الناس أئمة بعدي يميتون الصلاة كميتة الأبدان فإذا أدركتم ذلك فصلوا الصلاة لوقتها ولتكن صلاتكم مع القوم نافلة فإن ترك الصلاة عن وقتها كفر)) ورواه في العلوم، والناصر في (البساط) وقد مر.

وفي سنن أبي داود: حدثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد عن أبي عمران يعني الجوني عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا أبا ذر كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة أو قال يؤخرون الصلاة، قلت: يا رسول الله فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصلها فإنها لك نافلة)) وأخرجه مسلم عن خلف بن هشام، وأبي الربيع الزهراني، وأبي كامل الجحدري ثلاثتهم عن حماد بن زيد بسند، قال مسلم: ولم يذكر خلف عن وقتها، وله عند مسلم طرق وألفاظ لا بأس باستيفائها.
قال حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا أبا ذر إنه سيكون بعدي أمراء يميتون الصلاة فصل الصلاة لوقتها فإن صليت لوقتها كانت لك نافلة وإلا كنت قد أحرزت صلاتك)) قال: معناه إذا علمت من حالهم تأخيرها عن وقتها المختار فصلها لأول وقتها، ثم إن صلوها لوقتها المختار فصلها معهم أيضاً، وتكون صلاتك معهم نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك بفعلك في أول الوقت أي خلصتها وصنتها واحتطت لها.
قال مسلم:وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس عن شعبة،عن ابن عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدع الأطراف، وأن أصلي الصلاة لوقتها فإن أدركت القوم وقد صلوا كنت قد أحرزت صلاتك وإلا كانت لك نافلة.

276 / 329
ع
En
A+
A-