قلنا: قد بينا نقلهما بياناً واضحاً، وقد استوفينا في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ}[البقرة:3] الأدلة عقلاً وشرعاً على نقل الإيمان، وقد مضى قريباً أن البيان بالأدلة جار مجرى الإخبار بالنقل، والناس مشتركون في معرفة ذلك البيان لولا ركوب أهل الاعتساف، وتجنب مسالك الإنصاف، وتأثير ما مضى عليه المشائخ والأسلاف.
الموضع الثاني: في الخلاف في وقوعهما وفيه فصلان:
الأول: في الخلاف في وقوع الفرعية.
الثاني: في الخلاف في وقوع الدينية.
الفصل الأول [الحقيقة الشرعية]
في الخلاف في وقوع الشرعية ذهب إلى وقوعها أئمتنا والجمهور من غيرهم.
قال الباقلاني وبعض المرجئة: لم يقع، وتوقف الآمدي. هكذا قيل في نقل الخلاف.
وروي عن الإمام يحيى، والغزالي أنها تدل على المعنيين اللغوي والشرعي حقيقة، وقال الرازي: دلالتها على الشرعي مجاز مشهور، وحكاه في التفسير عن أصحابه.
احتج الأولون بأن الصلاة والزكاة، والصيام والحج كانت في الأصل اسماً للدعاء والنماء، والإمساك، والقصد من غير تقييد في جميعها، ثم صارت أسماء للعبادات المخصوصة ونقلت إليها بحيث لا يسبق إلى الفهم عند إطلاقها إلا المعنى الشرعي وذلك علامة الحقيقة، فإن قيل: المعنى الذي وضعت له في أصل اللغة باق وملحوظ فيها بعد الاستعمال الشرعي، فإن الصلاة لغة الدعاء، وهذه في الشرع اسم لدعاء مخصوص تقارنه أفعال مخصوصة، والصوم مطلق الإمساك، وفي الشرع مخصوص تقارنه النية، وهكذا سائرها فهي لم تستعمل إلا في معانيها اللغوية وهي الخصوصيات المقترنة بها شرائط في كونها معتبرة شرعاً، وليست داخلة في الوضع.
قيل: المعلوم أن قول الشارع صلوا ليس معناه افعلوا الدعاء الذي في ضمن الأركان المخصوصة فإنه لا يعتبر شرعاً إلا إذاكان في ضمنها، ثم إنكم لا تنازعون في أن هذه الألفاظ الشرعية لا تدل على كمال ما كانت موضوعة له في الأصل، ولم يبق الآن لها دلالة على جميع معناها الذي هو مطلق الدعاء، وإن كنتم قد سلمتم ذلك فلا إشكال أن هذا الوضع مخالف لذلك، وأنها معان حدثت ما كان أهل اللغة يعرفونها، وأيضاً المعلوم أن المصلي إنما يقصد وينوي مجموع الأذكار والأركان، ولا يخص بالقصد الدعاء حتى أنه لو خصه بالقصد لم تجزه تلك الصلاة؛ لأنه لم يقصد إلا بعضها كما لوقصد بعض الركعات دون بعض، والمعلوم أنه لونوى أن يصلي الظهر ركعة لم تجزه تلك الصلاة؛ لأن النية يجب فيها أن تتناول جميع أجزاء المنوي، فإن قيل: أنتم لا تنكرون أنه قد بقي لها دلالة على بعض ما وضعت له وهو الدعاء والإمساك المخصوصين مثلاً.
قيل: ذلك لا يقتضي كونها لم تنقل فإن قصرها على بعض ما وضعت له وإخراج بعضه وإدخال ما لم يكن داخلاً وضع شرعي، وإنما حكمنا على ما وضعه الشارع وقصره على بعض معانيه وضع شرعي لكثرة ما قصره الشارع على بعض معانيه من الألفاظ والكثرة يفيد كونه وضعاً، ولا مانع منه، فوجب الحمل عليه، وإنما كان بحسن التجمل الذي ذكره المانع لو لم يرد من ذلك إلا لفظ أو لفظان، على أن بعض تلك الألفاظ لم يبق فيها شيء من معناها اللغوي وهي صلاة الأخرس فإنها صلاة شرعية ولا شيء فيها من المعنى اللغوي، وهو الدعاء، وهذا مما لا محيص لهم عنه فإن قيل لا يلزم من استعمالها في غير معانيها أن تكون حقائق شرعية إنما تصير كذلك بوضع الشارع وتعيينه بلا قرينة ولا دليل على ذلك، وحينئذٍ تكون في الأصل مجازات لغوية غلب عليها استعمال أهل الشرع فعادت حقائق عرفية خاصة لا بنقل الشارع، ولا نزاع في أنها بعد الغلبة والاشتهار حقائق بحسب عرف أهل الشرع، ولهذا لم تفتقر إلى قرينة.
قيل: المعلوم أن الشارع أطلق هذه الألفاظ على هذه المعاني وخصها بها ولم يعهد لها اسماً قبلها خاصة، ولا معرفة لأهل اللغة بهذه المسميات قطعاً، وأنه قصد تعريف المكلفين بهذه المعاني ولم يكن إلا بهذه الألفاظ وهي مجردة عن لازم المجاز الذي هو القرينة قطعاً وإلا لنقلت، وذلك حقيقة وضع الحقائق كما هو معلوم عند أهل اللغة، وإن لم نقل فيما هذه حاله أنه حقيقة كان كلما وضع من الأسماء لمعنى من المعاني مجازاً؛ لأنه إذا كان اطلاق لفظ الصلاة على العبادة المخصوصة مجازاً مع أنه لم يعهد لها اسم قبله، فيصح أن يقال إن لفظ أسد لم يرد به الحيوان المخصوص عند ابتداء وضعه إلا مجازاً، وهذا لا قائل به.
احتج النافون بأن الشارع لو نقلها إلى غير معانيها اللغوية لافهمها المكلف لأن الفهم شرط التكليف، ولو أفهمها إياه لنقل إلينا لأنا مكلفون مثلهم، ولو نقل فإما بالتواتر فلا يوجد، أو بالآحاد فلا يفيد القطع.
والجواب: أنها فهمت لهم ولنا بالقرائن والترديد كالأطفال يعلمون اللغات من دون تصريح لهم بوضع الألفاظ للمعاني لامتناعه بالنسبة إلى من لا يعرف شيئاً من الألفاظ.
قال الإمام الحسن بن عز الدين: وهذا طريق قطعي لا ينكر.
قالوا: لو كانت شرعية لم تكن عربية، واشتمال القرآن عليها ينفي عربيته إذ ما كان بعضه غير عربي لا يكون كله عربياً، وقد قال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيّ }[الشعراء:195] ونحوها، وقال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً }[يوسف:2].
قلنا: قد مر الجواب في الموضع الأول بأن خطابه تعالى لنا بهذه الألفاظ لا يخرجه عن كونه مخاطباً لنا بالعربية إلى آخر ما مر، على أن لنا أن نقول ليس القرآن كله عربياً، والضمير في إنا أنزلناه للسورة والقرآن من الأسماء الموضوعة بإزاء مفهوم كلي التي يصدق على القليل والكثير كالماء والعسل، فلا يقال السورة ليست بقرآن، واطلاق كونه عربياً كله في بعض الآيات من المجاز، وقد يطلق العربي على ما غالبه كذلك كالشعر فيه عربي وفارسي فإنه ينسب إلى ما غلب فيه، منهما احتج الآمدي بأن الأدلة متعارضة فوجب الوقف.
هذا وأما سائر الأقوال فقد تضمن ما استندت إليه ورده ما ذكرنا.
الفصل الثاني [الحقيقة الدينية]
في الخلاف في وقوع الدينية،وذلك كالإيمان والكفر والفسق،ومؤمن وكافر وفاسق.
قال الإمام الحسن بن عز الدين: وهي اسم لنوع خاص من الشرعية وهو ما وضعه الشارع ابتداء بأن لا يعرف أهل اللغة لفظه أو معناه أو كليهما، وليس من أسماء الأفعال كالصلاة، والصيام والمصلي والمزكي، والظاهر أن الواقع هو القسم الثاني وهو ما لم يعرف أهل اللغة معناه ذكره في القسطاس، والقول بوقوع الدينية هو الذي ذهب إليه أكثر الزيدية والمعتزلة، وبعض الفقهاء والجماهير من السلف.
قال البخاري: كتبت عن ألف نفس ليس فيهم إلا صاحب حديث، وقال: لم أكتب إلا عمن قال الإيمان قول وعمل، والخلاف في ذلك مروي عن جمهور الأشعرية عنهم الشيرازي، والجويني، وابن الحاجب.
واعلم أن احتجاج كل من الفريقين قد تقدم في ذكر الإيمان والكفر والفسق في سياق قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ }[البقرة:4] وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ}[البقرة:6] وقوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ }[البقرة:26] فلا حاجة إلى إعادته.
تنبيه
في كلام الإمام المهدي ما يدل على أنه لا بد أن يكون بين المعنى اللغوي، والمعنى الشرعي مناسبة وهو كذلك إذ كان المعنى الشرعي منقولاً عن المعنى اللغوي لئلا يكون كخطاب العربي بالزنجية، لكن لا يشترط في الأسماء الشرعية أن تكون منقولة عن معنى لغوي، بل يجوز أن تكون مرتجلة، وإنمالم يتعرض كثير من العلماء لذكر الخلاف فيها، إما لما قيل من أن الخلاف إنما يذكر في المنقولة، وإما لما مر عن الإمام الحسن من أن الواقع إنما هو مالم يعرف أهل اللغة معناه، وقد نص الإمام القاسم بن محمد على أنه لا يصح وقوع الحقيقة الشرعية من دون نقل، وأن ذلك قد وقع كما في رحمن، وهو بناء على مايذهب إليه من كونه حقيقة دينية، والمعلوم أن العرب لم تستعمل هذا اللفظ في شيء من الأشياء حتى يقال إنه منقول منه، وقد مر ذكر الخلاف فيه في البسملة.
المسألة الثالثة [وجوب الصلاة والزكاة]
الآية تدل على وجوب الصلاة والزكاة وهما معلومان من ضرورة الدين، فلا فائدة في تجشم الاستدلال على وجوبهما، وكذلك تدل على وجوب الركوع إن حملنا الركوع في الآية على ركوع الصلاة، ووجوبه معلوم ضرورة.
المسألة الرابعة [قضاء الصلوات الخمس]
احتج بعضهم بالآية على وجوب قضاء الصلوات الخمس، والاحتجاج بها مبني على أن القضاء يجب بالأمر الأول ولا يحتاج إلى أمر جديد، وقد اختلف في ذلك فذهبت الحنابلة وأكثر الحنفية، وأبو بكر الرازي إلى أنه يجب بالأمر الأول، وروي عن القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري-قيل- والرواية عنه غير صحيحة لتصريحه في المعتمد باختيار مذهب الجمهور.
وقال أئمتنا والأكثر من الفقهاء والمتكلمين: لا يجب إلا بأمر جديد ودليل آخر لا بأمر الأداء.
قال الإمام يحيى بن المحسن: وذهبت فرقة إلى التفصيل، فقالوا: إن كان المأمور به مباحاً في العقل وجب فعله بالأمر الأول بعد خروج الوقت نحو تصدق يوم الجمعة، وإن كان محظوراً عقلاً لم يجب نحو: اختن ولدك يوم السابع من ولادته.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أن التكليف إنما يكون بما نقدر عليه وهو الفعل دون ما لا نقدر عليه وهو الوقت، فهو غير داخل في المأمور به؛ إذ ليس من فعل المكلف وإنما هو من ضرورياته، وما لا يكون داخلاً في المأموربه لا يكون مطلوباً، وما لم يكن مطلوباً فلا أثر لاختلاله في سقوط ما اقتضاه الأمر وهو الفصل لا غير، فيصح التكليف بالفعل في الوقت وبعده وهو المطلوب.
الثاني: أن الفعل مع الوقت كالدين مع الأجل، فكما أن الدين إذا علق بوقت لا يسقط بخروجه كذلك الواجب لا يسقط بمضي وقته.
الثالث: أن القضاء لو كان بأمر جديد للزم أن يكون أداء كما في الأمر الأول، ولما كان لتسميته قضاء معنى، والمعلوم خلافه.
الرابع: أن قد ثبت جواز نسخ الأمر المؤقت، والنسخ لا يصح على الفعل الواحد لأنه يؤدي إلى أن يكون المأمور به هو المنهي عنه، وذلك هو نفس البداء، فدل على أن الأمر المؤقت يتناول أفعالاً كثيرة تفعل في أوقات، وهذا هو ما نذهب إليه من صحة فعل المأمور به في جميع الأوقات حتى يرد ناسخ.
احتج الجمهور أولاً: أن حكم ما فعل بعد الوقت حكم ما فعل قبله، فكما لا يجب قبله إلا بدليل كذلك ما بعده، وتلخيص ذلك أن الشرائع مصالح، ولا يمنع أن يعلم الله المصلحة في فعلها في وقت بعينه دون ما قبله وما بعده.
ثانياً: أن المعلق بالوقت كالمعلق بالمكان، ولو قال لعبده: اضرب من في الدار لم يقتضِ ضرب من خارجها.
ثالثاً: أن المقيد بالوقت كالمقيد بالشرط والصفة، والذي يدل على ذلك أن القربة كما تتعلق بإيقاع المأمور به على الصفة والشرط فإنها تتعلق بإيقاعه في ذلك الوقت، ولذلك وردت العبادات مختصة بأوقات، وجاء في خبر التبكير إلى الجمعة: ((من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، وفي الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة...)) الخبر، ولو كانت القربة حاصلة قبل الوقت أو بعده كحصولها فيه لم يكن للتوقيت فائدة وكان عبثاً؛ لأن غيره يسد مسده في المصلحة، وإذا ثبت أن المقيد بالوقت كالمقيد بشرط أو صفة، فالمعلوم أن الأمر المقيد بهما لا يقتضي وجوب المأمور به مع عدمهما، ألا ترى أن من قال: أكرم زيداً إن دخل الدار أو أكرم الرجال الطوال فإنه لا يجب عليه بهذا الأمر إكرامه وإن لم يدخلها ولا إكرام القصار، فإن قيل: أليس المكلف مأموراً بالحج بشرط الاستطاعة ومع ذلك لو فعل الحج مع عدمها تعلقت به القربة وأجزأ عن فرضه.
قيل: لا نسلم الإجزاء، سلمنا فكلامنا في أن المأمور به هل يجب مع عدم الشرط أو لا، وليس الكلام في أن القربة هل تتعلق بفعله على أن الجمعة مشروطة بالوقت ووجود الإمام فلو فعلت مع فقد أحدهما لم تتعلق بها قربة.