وأخرج ابن ماجة والمرهبي في فضل العلم عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من كتم علماً مما ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)).
وأخرج ابن ماجة عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا لعن آخر هذه الأمة أولها فمن كتم حديثاً فقد كتم ما أنزل الله عز وجل علي)).
قال شيخ العزيزي: حديث حسن.
وهذا الحديث أعني حديث ((من كتم علماً ألجم بلجام من نار )) حديث مشهور رواه جماعة من أصحابنا، وخرجه كما ترى جمع من المحدثين.
وقال الحافظ المنذري: روي عن جماعة من الصحابة كجابر، وأنس، وابنَيْ عمر، ومسعود، وعمرو بن عنبسة، وعلي بن طارق وغيرهم.
وفي أمالي المرشد بالله عن ابن عباس، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا إخواني تناصحوا في العلم ولا يكتم بعضكم بعضاً فإن خيانة الرجل في علمه أشد من خيانته في ماله)).
وفي كتاب (الزواجر) منسوباً إلى (الطبراني): ((ناصحوا في العلم فإن خيانة أحدكم في علمه أشد من خيانته في ماله وإن الله عز وجل مسائلكم)) قال ورواته ثقات إلا واحداً مختلف فيه.
وهذا القدر كاف في الشواهد لما تقتضيه الآية من تحريم كتمان العلم، والمراد بالعلم الذي يحرم كتمانه هو العلم الشرعي، وما كان آلة له ووصلة إليه ذكره بعض العلماء، ومثله العلوم العقلية التي تحتاج إلى التنبيه عليها، والإرشاد إليها، وكذا حل الشبه حيث يجب، وقد مر في الجزء الأول ما يجب من حل الشبه وما لا يجب.
قال في الثمرات: وقد يجب إظهار المذهب والدليل للتهمة أو للإرشاد.
قال بعض شراح الحديث: ويدخل في كتم العلم منع إعارة الكتب ولو مملوكة حيث منعها ممن هو أهل لها إذا كان تعلمه العلم لله لا لنحو رياء ومجادلة ومماراة.

قال: ولا يجب إلا إذا لم يوجد ذلك عند غيره لئلا يلزم ضياع ذلك العلم المحتاج إليه، وقد ذكر نحوه الفقيه يوسف فإنه جعل من الكتمان المنهي عنه منع الكتب المنطوية على علم الدين حيث تعذر الأخذ إلا منها.
قال بعض العلماء: وله أخذ الأجرة على ذلك.
قلت: وهو قوي لما مر من جواز تأجير كتب العلم فيحمل وجوب العارية على ما إذا لم يتمكن المستعير من الأجرة.
واعلم أن ترك إظهار الحق من العلم وغيره إنما يكون كتماً محرماً إذا مست الحاجة إلى إظهاره. ذكره الحاكم.
وقال ابن حجر الهيثمي: الكتم قد يجب، والإظهار قد يجب، وقد يندب، ففي ما لا يحتمل عقل الطالب ويخشى عليه من إعلامه به فتنة يجب الكتم عنه وفي غيره إن وقع، وهو فرض عين أو في حكمه وجب الإعلام، وإلا ندب ما لم يكن وسيلة لمحظور.
قال: والحاصل أن التعليم وسيلة إلى العلم فيجب في الواجب عيناً في العين، وكفاية فيما هو على الكفاية، ويندب في المندوب كالعروض، ويحرم في الحرام كالسحر والشعبذة، وذكر في الثمرات أن النطق بالحق إذا كان يؤدي إلى محظور جاز الكتم كالنطق بكلمة الكفر، ولأن الحسن يقبح إذا أدى إلى قبيح، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ للَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}[الأنعام:108] ويروى لعلي بن الحسين عليه السَّلام :
إني لأكتم من علمي جواهره .... كي لا يرى الحق ذو وجه فيفتننا
وقد تقدم في هذا أبو حسن .... إلى الحسين ووصى قبله الحسنا
يارب جوهر علم لو أبوح به .... لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي .... يرون أقبح ما يأتونه حسنا

وقال بعض المفسرين: لا يجوز تعليم المبتدع الجدل والحجاج ليجادل به أهل الحق، ولا تعليم الخصم على خصمه حجة يقتطع بها ماله، ولا السلطان تأويلاً يتطرق به إلى إضرار الرعية، ولا نشر الرخص في السفهاء يتخذونها طريقاً إلى ارتكاب المحظروات وترك الواجبات، ودليل هذا كله ما مر من أنه يؤدي إلى مفسدة، وقد مر أيضاً في غير هذا الموضع أن المصلحة إذا لزم منها مفسدة راجحة أو مساوية تنقلب مفسدة، فيكون ما يقتضيه ظاهر دليل تحريم كتمان العلم من العموم مخصصاً بما ذكرناه أيضاً قد مر في بعض الروايات من كتم علماً عن أهله، ومفهومه أن من لم يكن من أهله فلا قبح في الكتم عنه، والمراد بأهله من كان أهلاً للتعليم بحيث يرجى قبوله وصلاحه، ويؤمن إعراضه وفساده.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تضعوها في غير أهلها فتظلموها)).
وروى الموفق بالله عليه السَّلام في السلوة عن عيسى عليه السَّلام : لا تمنعوا الحكمة عن أهلها فتظلموهم، ولا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير )) قيل: يريد تعليم الفقه من ليس من أهله.
وأخرج ابن ماجة وغيره: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم وواضع العلم عند غيره كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب)).
وقال الموفق بالله عليه السَّلام : العالم إذا وضع علمه في أهله فقد صان حقه وزانه، ومتى وضعه لا في أهله فقد وضعه وشانه.
قيل: ولا يجوز تعليم الكافر قرآناً ولا علماً حتى يسلم، واعترض بأن المرجو إسلامه يجوز تعليمه القرآن فبالأولى العلم.

قلت: الحق وجوب تعليمه مطلقاً لأنه من الإبلاغ، وقد قال تعالى: {بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ }[المائدة:77] وقال: {هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ }[إبراهيم:52]، وقال سبحانه: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ }[التوبة:6]، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الكفار القرآن والشرائع ويدعوهم إليها، وذلك معلوم، وقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }[البقرة:42] حال أي في حال علمكم أنه حق وأنكم لبستم الحق بالباطل وكتمتموه، والمراد بيان قبح ما ارتكبوه من ذلك إذ فعلهم إياه مع علمهم بقبحه يكون أقبح فإن الجاهل ربما عذر بما ارتكب من القبيح، وليس فيه دلالة على جوازهما مع الجهل فإن تحريم ذلك معلوم.
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا أبو بكر بن ريذة، أخبرنا الطبراني، حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا أيوب بن محمد الوزان، حدثنا معمر بن سليمان الرقي، حدثنا عبد الله بن بشر، عن أبي إسحاق، عن الحارث عن ابن مسعود، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبياً أو قتله نبي أو رجل يضل الناس بغير علم أو مصور يصور التماثيل)).

فائدة
وقوله: وتكتموا مجزوم عطفاً على تلبسوا داخل تحت حكم النهي، نهاهم عن كل فعل على انفراده، وقيل: منصوب بإضمار أن والواو للجمع، واعترض بأنه يلزم عليه جواز تلبيسهم بدون الكتمان وعكسه كما في لا تأكل السمك وتشرب اللبن بنصب تشرب، وأجيب بأنا نعتمد على القرينة، وفي الحمل على النصب نكتة وهي المبالغة في النعي عليهم وتقبيح فعلهم من حيث أنهم جمعوا بين فعلين لو انفرد كل واحد منهما عن صاحبه لكان قبيحاً.

[البقرة: 43]

قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}[البقرة:43] الزكاة: في الأصل النماء، وترد بمعنى التطهير، وترد شرعاً بالاعتبارين:
أما الأول: فلأن إخراجها سببٌ للنماء في المال أو بمعنى أن الأجر يكثر بسببها، أو أنها متعلقة بالأموال ذوات النماء كالتجارة والزراعة.
وأما الثاني: فلأنها تطهرة للنفس من رذيلة البخل وطهرة من الذنوب، وهي في الشرع: إخراج جزء من النصاب إلى مصرف شرعي.
والركوع: في اللغة له معنيان:
أحدهما: التطامن والإنحناء. قاله الخليل وغيره.
الثاني: الخضوع والتذلل ذكره المفضل والأصمعي، والمراد به في الآية: الانقياد والخضوع، وقيل: المعروف في الصلاة، وخص بالذكر مع اندراجه في الأمر بالصلاة؛ لأن الخطاب لليهود وصلاتهم لا ركوع فيها للتنبيه على أنه مطلوب في صلاة المسلمين الذين أمروا بالدخول معهم في الإسلام والكون في أعدادهم، وقيل: كنى به عن الصلاة تسمية للكل باسم الجزء كما سمي بالسجدة والراكعون، قيل: النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وقيل: الجنس، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى [مخاطبة الكفار]
دلت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الإيمان لأن الخطاب مع اليهود، وقد تقدم الكلام في ذلك في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ }[البقرة:21].

المسألة الثانية [الصلاة والزكاة]
الصلاة والزكاة في هذه الآية ونحوها من الأسماء المستعملة في الشرع للمعنيين الشرعيين، ولا خلاف في ذلك الاستعمال، وإنما الخلاف في كونها حقائق شرعية أو عرفية.
قال في (شرح الغاية): لا نزاع في أن الألفاظ المتداولة على لسان أهل الشرع المستعملة في غير معانيها اللغوية قد صارت حقائق فيها، إنما النزاع في أن ذلك بوضع الشارع وتعيينه إياها بحيث تدل على تلك المعاني بلا قرينة فتكون حقائق شرعية، أو بغلبتها فيها في لسان أهل الشرع، والشارع إنما استعملها فيها مجاز بمعونة القرائن، فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية.
قلت: والصحيح الأول. إذا عرفت هذا فاعلم أن الشرعية تنقسم إلى فرعية، وهي ما يتعلق بفروع الدين كالصلاة والصيام، ودينية وهي ما يتعلق بأصوله كمؤمن وفاسق، وهذه القسمة على رأي المعتزلة، وظاهر حكاية السيد داود بن الهادي عن أئمتنا " وغيرهم أنهم يخصون الشرعية بالفرعية، والدينية بما يتعلق بالأصول ويجعلونها قسيمة للشرعية لا قسماً منها، وهذه المسألة قد كثر فيها النزاع، وتحقيق الكلام فيها يكون في موضعين:
الأول: الخلاف في إمكانهما أعني الشرعية والدينية.
الثاني: في الخلاف في وقوعهما، الموضع الأول في الخلاف في أمكانهما ذهب إلى إمكان نقل الاسم من معناه اللغوي إلى معنى آخر شرعي فرعي أو ديني المعتزلة، ونص عليه الإمام القاسم بن محمد في الأساس، ولا خلاف فيه أعلمه إلا لمن يقول إن بين اللفظ والمعنى مناسبة مانعة من نقله إلى غيره، وهو قول عباد بن سليمان وأهل التكسير الذين ينفون الوضع، وحكى الإمام المهدي عن الرازي مثله، أعني أنه لا يجوز النقل إلى المعاني الشرعية.

حجتنا أن العقل يحكم بإمكانها وعدم استحالتها لأنها إما بنقل لفظ من معنى إلى معنى آخر وابتداء وضع، وكلاهما ممكن قطعاً، ولنا أيضاً أن دلالة اللفظ على المعنى إنما هي بحسب الوضع، وقد مر الاستدلال على كون الدلالة وضعية في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ }[البقرة:31] وإذا كانت كذلك فالوضع يجوز اختلافه وتغيره ويتبعه في ذلك التغيير والاختلاف المعنى فيتغير بتغيره كلفظ الدابة إذا وضعه الواضع لكل ما يدب فإنه يجوز اختيار نقله عن ذلك ووضعه على عين مخصوصة بحسب الاختيار، ولا حجر على الواضع.
هذا وأما المخالفون فاختلف تعليلهم، فأما عباد ومن وافقه فاحتجوا بما مر لهم من أن دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية حاصلة بطبع الألفاظ، فكل اسم دل على معين فإنه لا يصح أن يدل على غيره سواء في ذلك النقل والإرتجال لأنه يؤدي إلى قلب الحقائق، وقد أبطلنا مقالتهم في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ }[البقرة:31] ونزيده هنا تأكيداً بأنها لو كانت ذاتية لم يصح أن يدل اللفظ على معنيين متضادين، وقد دل نحو قروء، وجون، وكالقانع اسم للسائل، والمتعفف والناهل اسم للضمآن، ولمن ارتوى من الماء، والتعزير اسم للتعظيم والإهانة.
وأما الرازي فاحتج بأن الله تعالى خاطب العرب بما يعقلون فلو خاطبهم بغيره كان كخطاب العربي بالزنجية، وذلك لا يجوز عليه تعالى لما فيه من الإلغاز وعدم البيان.
واحتج أيضاً بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ }[إبراهيم:4] وقوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُبِينٍ }[الشعراء:195] والوضع الشرعي ليس بعربي ولا بلسان قومه، قال: ولأن أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة المسلمين لفظة الإسلام والإيمان ولو نقلا لوجب أن يبين الله تعالى ذلك بياناً ظاهراً، ولو بينه لاشترك الناس في العلم به كما اشتركوا في العلم بالفرائض التي وقع النص عليها.

والجواب: أنه لا يكون إلغازاً إلا لو لم يبين، ولا شك أن الله تعالى قد بين لنا على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما أراد بلفظ الصلاة والزكاة والصيام، والحج، والإيمان والإسلام، وأورد لنا غاية الإيضاح أنه أراد بها غير معانيها المعهودة في اللغة، وذلك البيان بمنزلة إخباره أنه قد نقلها إلى خلاف معناها المعهود.
قال الإمام المهدي: ولا بد أن يكون ما نقلت إليه بعض ما نقلت عنه لئلا يكون كخطاب العرب بالزنجية، وقصرها على بعض معانيها نقل من وضعها للكل إلى البعض، وهذا لا يمنع منه عقل ولا شرع، فإن قيل: قصرها على بعض ما وضعت له ليس بنقل.
قيل: بل نقل ظاهر، ونظيره الحقيقة العرفية فإن استعمال الدابة في ذوات الأربع وقصره عليها أخراج لها عن الدلالة على بعض ما كانت تدل عليه، وهذا الإخراج هو مرادنا بالنقل.
قال السيد داود بن الهادي: النقل استعمال اللفظ في غير ما وضع له، ومن ذلك قصره على بعض ما يطلق عليه، وهذا واضح، فإن الإنسان إذا كان يسمى دابة ثم منعت من إجراء ذلك عليه فقد نقلت هذا الاسم عن دلالته على مسماه.
وأما احتجاجه بالآيتين فليس بشيء؛ لأن خطاب الله تعالى لنا بهذه الألفاظ لا يخرجه عن كونه مخاطباً لنا بالعربية لأنها ألفاظ عربية وضعها العرب لمسمياتها الأصلية وهم لا ينكرون نقل الأسماء العربية إلى مسميات غير معهودة من قبل، سواء كانت من أسماء الأجناس أم من غيرها، ولا يدعون أن من وضع اسماً على غير مسماه الأصلي فقد خرج بذلك عن كونه عربياً، أو أن ذلك الاسم المنقول غير عربي، كما ذلك معلوم عنه في وضع الأعلام على الأناسي والبهائم والأراضي، وهؤلاء أئمة النحو قد قسموا الأعلام إلى مرتجلة ومنقولة، وعدوهما معاً من علوم العربية.
قوله: ولأن أكثر الألفاظ دوراناً الإسلام والإيمان.

274 / 329
ع
En
A+
A-