وقال في البحر: من تعين عليه حرمت عليه الأجرة حيث له كفاية فإن لم تكن أو كان ذا حرفة يشغله القضاء عنها حلت له دفعاً للضرر، فإن لم يتعين وله كفاية كره أخذ الأجرة إذ هو قربة، وتجوز لفعل الصحابة مع أبي بكر وعمر، والقضاء كالخلافة، وفعل عمر مع عمار وابن مسعود، وشريح قال وأجرته من مال المصالح إذ القضاء من أهمها ويعطى قيمة أوراق يحتاج إليها وأجرة أعوانه، والمصحح للمذهب أن أجرة القاضي تحل إذا كانت من مال المصالح سواء كان غنياً أو فقيراً، وسواء تعين عليه أم لا.
قال الفقيه يوسف: وإذا كان غنياً أعطي قدر كفاية السنة كما فعل علي عليه السلام لشريح.
فهذا ما وقفنا عليه من الخلاف في كتب أصحابنا، وأما غيرهم فروى البخاري عن شريح أنه كان يأخذ على القضاء أجراً، وهذا وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور.
قال (القسطلاني): وإلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم ذهب الجمهور من أهل العلم من الصحابة وغيرهم؛ لأنه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، وكرهه طائفة كراهة تنزيه منهم مسروق، ورخص فيه الشافعي وأكثر أهل العلم.
وقال صاحب (الهداية) من الحنفية: وإذا كان القاضي فقيراً فالأفضل بل الواجب أخذ كفايته، وإن كان غنياً فالأفضل الامتناع عن أخذ الرزق من بيت المال رفقاً ببيت المال.
وقيل: الأخذ هو الأصح صيانة للقضاء عن الهوان ونظراً لمن يأتي بعده من المحتاجين ويأخذ الكفاية له ولعياله، وعن أحمد لا يعجبني وإن كان فبقدر عمله مثل ولي اليتيم.
والحجة للقائلين بالجواز: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة قاضياً رزقه كل سنة أربعين أوقية وهي ألف وستمائة درهم. رواه في شرح الإبانة.
وأخرج أبو داود والحاكم من حديث بريدة مرفوعاً: ((أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقاً فما أصاب بعد رزقه فهو غلول )) وهو في الجامع الصغير منسوباً إليهما بلفظ: ((من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول)).

قال العزيزي: وإسناده صحيح.
وقال في (نيل الأوطار): سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات، ولا يؤخذ منه أن من ولي عملاً كالقضاء ونحوه ولم يفرض له رزق من بيت المال أنه يجوز له أخذ أموال الناس لما مر من تحريم ذلك، وإنما يؤخذ منه أنه يجوز لمن استعمل على مال كالزكاة والأخماس، ونحوهما، ولم يفرض له عليه رزق أن يأخذ ما يستحقه مما قبضه فيقبض من نفسه لنفسه، وقد روي ما يؤيد هذا، وأن له أن يأخذ كفايته مع عدم الفرض له، وذلك فيما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج، ولفظه: وفي الحديث المرفوع: ((من ولي لنا عملاً فليتزوج امرأة وليتخذ مسكناً ومركباً وخادماً فمن اتخذ سوى ذلك جاء يوم القيامة عادلاً غالاً سارقاً)) وقد استفيد من الحديثين أنه لا يحل لعمال الأموال أن يأخذوا زيادة على ما فرض لهم قل أو كثر، فإن لم يفرض لهم شيء أخذوا قدر ما يكفيهم، فإن زادوا على ذلك فقد خانوا، والأولى أن يفرض لهم شيء معلوم لئلا يؤدي بهم إلى الغش والخيانة، ولهذا قال أمير المؤمنين في عهده للأشتر بعد توصيته فيمن يختار للعمالة: ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغناً لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك. رواه في النهج.
ومن أدلة القائلين بالجواز قول علي عليه السلام في عهده للأشتر بعد ذكره أوصاف من يختار للقضاء: ثم أكثر تعاهد قضائه وأفسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس. رواه في النهج.
قال: وفي مجموع زيد بن علي عليه السلام : حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام أنه كان يأمر شريحاً بالجلوس في المسجد الأعظم، وكان يعطي شريحاً على القضاء رزقاً من بيت مال المسلمين.
وروى الهادي عليه السلام في الأحكام عن علي عليه السلام أنه كان يعطي شريحاً خمسمائة درهم.

وروي في شرح الإبانة أن علياً عليه السلام رزق شريحاً حين ولاه قضاء الكوفة كل شهر خمسمائة درهم.
وفي (أصول الأحكام) عن علي عليه السلام أنه أعطى شريحاً قاضيه.
قال (الإمام أحمد بن سليمان): دل على أنما يرزق القاضي من بيت مال المسلمين جائز، وما يأخذه من الإمام يجري مجرى ما يأخذ الإمام لنفسه ولمن تحت يده من بيت مال المسلمين ليستعين به على ما نهض به من مصالح المسلمين.
وفي (تتمة الاعتصام): أن الصحابة أجروا لأبي بكر درهمين لأنه روي أنه لما ولي خرج برزمة ثياب إلى السوق فقالوا له: ما هذا؟ قال: أنا كاسب أهلي فأجروا له كل يوم درهمين، وفي رواية ابن أبي شيبة: قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي وقد شغلت بأمر المسلمين.
قال (القسطلاني): وأسنده البخاري في البيوع، وبقيته: فيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وعن عمر أنه قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة قيم اليتيم إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف. أخرجه ابن أبي شيبة، وابن سعد. قال القسطلاني: وسنده صحيح.
وقد مر معنا ما روي عن علي عليه السلام أن للإمام قصعتين... الخبر.
قال في (التهذيب): قد روي عن علي عليه السلام ، وأبي بكر، وعمر أن للإمام أن يتناول من بيت المال للحاجة، ويكون تقدير ما يأخذه إلى اجتهاده. ذكره في الثمرات.
ويدل على أنه موضع اجتهاد اختلاف التقادير المروية كما مر، وقد روي في تقدير الصحابة لأبي بكر أنه ألفان، فقال: زيدوني فإن لي عيالاً وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة. أخرجه ابن سعد بسند صحيح.

وفي الجامع الكافي: بلغنا أن عمر رزق سلمان بن ربيعة وشريحاً رزقاً، ورزق شريح كل شهر مائة درهم وعشرة أجربة حنطة، وظاهر ما ورد في رزق القاضي لا فرق بين كونه غنياً أو فقيراً، إلا أن في كلام علي عليه السلام للأشتر إيماء إلى أن المقصود من إعطائه سد خلته وسد حاجته التي ربما حملته على الطمع في أموال الناس. والله أعلم.
هذا وأما القائلون بالتحريم فلم يحتجوا إلا بأن الأخذ في مقابلة ما يجب فعله، وقد أجيب بأن القضاء يلزم الإمام، فإذا لم يتمكن من ذلك ولى غيره فهو وكيل له، فجاز له أخذ الأجرة على وكالته، فإذا كانت الوكالة فيما يرجع إلى مصالح المسلمين جاز أن يعطيه الأجرة من بيت مالهم، وأيضاً قد جاز للإمام إعطاء العامل على الزكاة لأنه يعمل لبعض المسلمين وهم الفقراء والمساكين فيجوز له أن يرزق القاضي من بيت المال على ما ذكروه معارضة للنص بالنظر، كيف والمسألة إجماع أهل البيت"، وبما ذكرنا يجاب على من قال تحرم إذا تعين القضاء وله كفاية.
وأما القائلون بالكرامة فلعلهم يحتجون بما مر عن علي عليه السلام من أنه كره للقاضي أن يأخذ على القضاء رزقاً.
تنبيه [تحريم الأخذ من بيت المال للشاهد والجارح والعدل]
قال في شرح الإبانة: لا خلاف أن المعدل والشاهد والجارح لا يحل لهم أخذ الرزق من بيت المال خلاف بعض الشافعية، والشاهد إن كان لا يمكنه أداء الشهادة إلا بأن يعطي شيئاً فإنه يجب على المدعي أن يعطيه شيئاً، وهو باطل لقوله تعالى: {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}[البقرة:282] وقوله: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}[البقرة:283].
وأما ترجمان القاضي فيحل له الرزق من بيت المال عندنا وعند الحنفية قياساً على القاضي، وقال الشافعي: لا.

وأجيب بأن الإمام يلزمه القضاء والحكم بين الناس بنفسه، فلما لم يتفرغ كان له أن يستعين بقاضٍ يحكم بين الناس ويرزقه من بيت المال، ومراده أنه إذا جاز للإمام الاستعانة بالقاضي وتأجيره من بيت المال، فكذلك إذا احتاج القاضي إلى أعوان لا يستغني عنهم تكون أجرتهم من بيت المال كما لو استعان بهم الإمام نفسه.
قال: فأما وكلاء الخصوم فلا خلاف أنهم أجراء الخصوم ليس لهم في بيت المال حق إلا من نصب القاضي بشيء من أمور المصالح والمسلمين، فيجوز له أخذ الرزق والأجرة من بيت المال.
فائدة
قال بعضهم في حصر أموال المصالح شعراً:
مال المصالح سبعة مذكورة .... فيء وصلح جزية وخراج
ومظالم مجهولة وضوالهم .... لقط وخمس كلها تحتاج
القسم الثاني:أن يجمع له من في ولايته على وجه لا يوجب التهمة، وما أخذ على هذا الوجه فهو حلال.
قال في شرح الإبانة: ويجوز للمسلمين عند أصحابنا" أن ينصبوا رجلاً متديناً يجمع له ما يكفيه من أهل عمله وولايته على وجه لا يوجب التهمة، ويكون ذلك إحساناً منهم إليه كالإحسان إلى أهل الدين والفضل، فإنه جائز كما قلنا في المعلم والمؤذن والإمام في صلاة الجماعة أن لكل واحد منهم أن يقبل الإحسان الذي يفعله الناس لا على وجه الأجرة على شرط مشروط ونحوه، ذكره أهل المذهب فإنهم قالوا: إن أجرة منصوب الخمسة أو الحاكم بصلاحية تكون من مال المصالح إن كان وإلا فممن في ولايته على وجه لا يقتضي التهمة.
قالوا: فإن كان منهم من يكره ذلك لم يجز إكراهه وقد شرطوا لتحقق انتفاء التهمة أن لا يعلم الحاكم كم من كل واحد منهم، ولا من أعطى ومن لم يعط، وذكر في الإفادة أنه يجوز أن يفرض له على كل بالغ عاقل منهم قدراً معلوماً على سواء، ويكون برضاهم الكل.

[البقرة: 42]

قوله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة:42].
اللبس: الخلط تقول العرب: لبست الشيء بالشيء خلطته، والتبس به اختلط بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، فإن قيل: إنهم لم يخلطوا الحق بالباطل بل جعلوا الباطل موضع الحق وجعلوه مشتبهاً به.
قيل: بل خلطوه فقد روي أنهم كانوا يكتبون في التوراة ما ليس منها، وهذا خلط، سلمنا فهو من التعبير بالملزوم عن اللازم إذ الخلط يلزمه إشتباه الشيء بغيره فعبر به عن مطلق الاشتباه، ومعنى لبس الحق بالباطل: لبس الصدق بالكذب قاله ابن عباس، أو اليهودية والنصرانية بالإسلام قاله مجاهد، أو التوراة بما كتبوا بأيديهم فيها من غيرها أو بما بدلوا من ذكر محمد صلى الله عليه وآله وسلم قاله ابن زيد، أو الأمانة بالخيانة لأنهم ائتمنوا على إبداء مافي التوراة فخانوا بكتمانه وتبديله، أو الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى غيرهم وجحدهم أنه ما بعث إليهم.
قاله أبو العالية: أو إيمان منافقي اليهود بإبطان كفرهم، أو صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الدجال.
قال الخازن: وفيه تنبيه لسائر الخلق وتحذير من مثله، فسار هذا الخطاب وإن كان خاصاً بالسورة لكنه عام في المعنى، فعلى كل أحد أن لا يلبس الحق بالباطل ولا يكتم الحق لما فيه من الضر والفساد، ويتعلق بالآية مسألتان:

المسألة الأولى [تحريم لبس الحق بالباطل]
دلت الآية على تحريم لبس الحق بالباطل لأنه يكون سبباً لإضلال الغير وذلك يقع على وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك الغير قد عرف الحق بدليله فإضلاله بالتشويش فيما قد عرفه من الدليل بإلقاء الشبه والقدح في الأدلة، ومنه ما يقع من المتعاصرين عند الجدال من قدح أحدهما في دليل الآخر لئلا تظهر غلبته إياه، إما بإنكاره أو قدح في طريقه، أو إخراجه عن ظاهره من دون موجب ولا طريق إلى القدح، وقد يكون التشويش سبب ذلك على السامع لا على الخصم، سيما إذا كان هذا التلبيس ممن يعتقد فيه العلم والصلاح، وهذا من أكبر القبائح، وأشنع الفضائح، ولا يبعد أن يدخل مرتكبه في عموم ما نهى الله عنه في قوله: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }[البقرة:169] وإن يكون من الذين يفترون على الله الكذب ويصدون عن سبيل الله.
الوجه الثاني: أن لا يكون ذلك الغير قد عرف الدليل فإضلاله يكون بمنع دليل الحق وكتمانه عنه، وفي ذلك تلبيس عليه.
واعلم أنه يدخل في التلبيس إظهار البدع، والتلبس بالدين لغرض الدنيا، ولا أضر على الأمة من عالم متهتك، وجاهل متنسك، هذا يغر الناس بعلمه، وهذا يلبس عليهم بتنسكه، وقد روي هذا المعنى عن أمير المؤمنين عليه السَّلام .
وقال الموفق بالله في سلوة العارفين: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد، أخبرنا أبو أحمد، حدثنا بن أبي داود، يحيى محمد الدهقان، حدثنا عباد بن بشير الزراع اليمني، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي عليه السَّلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إني لا أخاف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً إن كان مؤمناً منعه إيمانه وإن كان مشركاً منعه شركه،ولكني أخاف عليهم عليم اللسان يقول ما يعرفون ويفعل ما ينكرون)) . وأخرجه الطبراني.

وفي الجامع الصغير من حديث عمر مرفوعاً: ((إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين )) وعزاه إلى الترمذي وصحح الحجازي إسناده، والأئمة: جمع إمام، والمراد به المتبع لكونه عالماً أو رئيساً لأنه إذا فعل شيئاً فعلوا مثله، أو أمر بشيء فعلوه.
وروى الموفق بالله عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((صنفان من أمتي إن صلحت صلحت أمتي ، وإن فسدت فسدت أمتي: الملوك، والعلماء)) . وأخرجه أبو نعيم في الحلية، والديلمي. قال العزيزي: بإسناد ضعيف.
ولفظ الجامع: ((إذا صلحا وإذا فسدا )) وجعل الأمراء موضع الملوك ولا معنى لصلاحهم بصلاح العلماء، وفسادهم بفسادهم، وكون خوف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمته منهم أعظم من غيرهم إلا لكونهم يستزلونهم بالشبه ويغرونهم بالتلبيس لأجل ما تلبسوا به من العلم، والعلماء متبعون، ولذا قيل: زلة العالم زلة لأنه يزل بزلته أمة.
قال الموفق بالله: فما في الدين فتنة أضر من فتنة علماء السوء، وفتنة العباد الجهال هذا يفتي المستضعفين بعلمه وذلك بنسكه، وخطأ العالم كانكسار السفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير، ولكل أمرء قوام وقوام العالم في الدين الصدق، فإذا اختل قوامه فكيف يرجى به قوام غيره.

المسألة الثانية [تحريم كتمان العلم]
دلت الآية على تحريم كتمان العلم النافع لأنه حق، ويدخل في كتمان الحق كتمان الشهادة، وكتم الفتوى والمذاهب الصحيحة. ذكره في الثمرات، وفي معنى الآية قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ}[البقرة: 159] وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}[البقرة:174،175] وقوله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}[آل عمران:187] وهذه الآيات وإن وردت على أسباب خاصة نحو كتم اليهود والنصارى صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما قرر ذلك علماء الأصول، ولأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يشعر بالعلية، وكتمان الدين يناسب استحقاق اللعن والذم وأليم العذاب، فوجب عموم الحكم عند عموم الوصف، وقد صرح جمع من الصحابة بالعموم، ومن ذلك استدلال عائشة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ...}[البقرة:174] الآية على أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكتم شيئاً مما أوحي إليه، وقال أبو هريرة: إنه لولا هذه الآية ونحوها لم أكثر من رواية الحديث.

والكتم: ترك إظهار ما يحتاج إلى إظهاره.
وقد جاءت السنة بتأكيد العموم والزجر عن الكتمان ففي أمالي المرشد بالله عليه السَّلام أخبرنا أبو بكر بن ريذة، قال: أخبرنا الطبراني، قال: حدثنا محمود بن محمد الواسطي، قال: حدثنا القاسم بن سعيد بن المسيب بن شريك، قال: حدثنا أبو مضر الأكفاني، قال: حدثنا سفيان، عن جابر، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار)) وأخرجه أبو يعلى والطبراني. قال السيوطي: بسند صحيح.
قال وأخرج الطبراني من حديث ابن عمر وابن عمرو مثله.
قلت: حديث ابن عمرو أخرجه المرشد بالله.
وفي أمالي المرشد بالله أخبرنا ابن ريذة، أخبرنا الطبراني، قال: حدثنا محمد بن المفضل السفطي، قال: حدثنا إبراهيم بن زياد سيلان، قال: حدثنا سوار بن مصعب، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من سئل عن علمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)).
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أيما عبد آتاه الله علماً فكتمه لقي الله يوم القيامة ملجماً بلجام من نار)).
وروى المرشد بالله عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار)) وأخرجه عبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم بزيادة: يوم القيامة. وهو في الجامع الصغير بلفظ: ((من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)) ونسبه إلى أحمد والأربعة، والحاكم. قال شيخ العزيزي: حديث حسن صحيح.
وفي الجامع أيضاً: ((من كتم علماً عن أهله ألجم يوم القيامة بلجام من نار )) ونسبه إلى ابن عدي من حديث ابن مسعود.
وأخرج ابن ماجة عن أنس بن مالك: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)).

273 / 329
ع
En
A+
A-