وأخرج البيهقي من طريق فسيلة أنها سمعت أباها وهو واثلة بن الأسقع يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: ((لا ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم)).
وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أعان قوماً على ظلم فهو كالبعير المتردي فهو ينزع بذنبه)).
ولفظ الحاكم: ((مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردى فهو يمد بذنبه)) وهذا القدر كاف في تحريم المعاونة لمن عرف كونه مبطلاً.
وأما إن التبس الحال في كونه محقاً أو مبطلاً فهو لاحق بهذا القسم، غير أنها تحرم إعانته؛ لأن إعانته والحال هذه من الإقدام على ما لا يؤمن قبحه، والإقدام على ما لا يؤمن قبحه قبيح، ولقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[الأعراف:33] وقوله سبحانه: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}[الإسراء:36].
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد فهو شاهد زور، ومن أعان على خصومة بغير علم كان في سخط الله حتى ينزع، وقتال المسلم وسبابه فسوق)). قوله حتى ينزع: أي حتى يقلع عما هو عليه، وأصل النزع الجذب والقلع.
وإذا ثبت يما قررنا أن إعانة أحد الخصمين لا تكون إلا واجبة أو محظورة وجب أن يكون العوض المأخوذ عليها محرماً سواء كانت الإعانة بمشي أو كتابة أو تلقين أو غيرها.
تكميل لما مر وهو في حكم المال المكتسب على أحد الأنواع المتقدمة، وما يلحق بها، وقد اختلف في ذلك وتفصيله يحتاج إلى ذكر وجوه:
الوجه الأول: أن يكون مشروطاً على الواجب أو المحظور، فقال أهل المذهب: يجب رده لمالكه ولا يحل لأحد لأن ذلك هو الأصل، ولا يخرج عن الملك إلا بدليل، ولعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((على اليد ما أخذت حتى ترد)) رواه في الشفاء، وأصول الأحكام.
وهو في الجامع الصغير من حديث سمرة بن جندب إلا أنه قال: ((حتى تؤديه)) وعزاه إلى أحمد والأربعة والحاكم. قال العزيزي: بإسناد حسن.
وأخرجه رزين من طرف حديث لأبي أمامة بلفظ: ((حتى تؤدي)).
وفي الشفاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لالعباً ولا جاداً وإن أخذ عصا صاحبه فليردها)) وفيه:((لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه مكان عصا صاحبه)).
وعن السائب بن زيد عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جاداً ولا لاعباً، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها)) أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه الترمذي وحسنه، وأحمد، والبيهقي بإسناد حسن.
وعن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)). رواه في الشفاء، وأخرجه البخاري ومسلم، ولمسلم نحوه عن ابن عمر، قال علي عليه السلام في حقيقة التوبة الثالث: أن يؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى يلقى الله عز وجل أملس ليس عليه تبعة. رواه في النهج وقد مر.
فهذه الأدلة تقتضي وجوب رد ما أخذه الإنسان ولم يصح له تملكه شرعاً إلى مالكه إن كان باقياً وإلا فعوضه، وما نحن فيه من هذا القبيل لقيام الدليل على تحريمه كما مر، وما حرم على آخذه وجب أن يكون باقياً على ملك مالكه إلا لدليل يخرجه ولا دليل هنا، بل ما ذكرنا يدل على وجوب رده على أني لا أعلم في وجوب رد ما هذا حاله خلافاً.
الوجه الثاني: أن يعقد الإجارة على مباح حيلة في التوصل إلى المحظور بأن يكون في ضميرهما أنه لأجل الواجب أو المحظور، فهذا حكمه حكم الوجه الأول في كون المال محرماً على الآخذ، ووجوب الرد على مالكه، وبه قالت الهادوية.
وقال المؤيد بالله: يملكه لأن الضمير لا يؤثر في عقود المعاوضات، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((نحن نحكم بالظاهر)) وقد مر.
قلنا: معارض بقوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}[هود:5] وقوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}[الملك:13].
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الأعمال بالنيات)) وقد مر فاعتبر الضمير وحديث: ((نحن نحكم بالظاهر)) قد قدح فيه، ولو سلم فهو فيما يتعلق بنا من إجراء الأحكام الشرعية على بعضنا بعضاً.
وأما فيما مرجعه إلى المكلف من تحليل شيء في حقه أو تحريمه بالنظر إلى ما يجده من نفسه، فالمعلوم عليه ما يعلمه من قصده وضميره، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((التقوى هاهنا وأشار إلى صدره)) والكلام إنما هو في التحليل والتحريم بحسب ما في نفس الأمر لا في الظاهر فإنه لا شك في وجوب إجراء الحكم عند النزاع على الظاهر.
وقال الحقيني وأبو مضر: بل يتصدق به إذ ملكه من وجه محظور فيكون لبيت المال كشاة الأسارى لنا ما مر ولا نسلم الملك، وحديث شاة الأسارى سيأتي الكلام عليه.
الوجه الثالث: أن لا يعقدا بل أعطاه المال على وجه الهدية أو نحوها وأضمر أنه لأجل الواجب أو المحظور، وهذا لا شك في تحريمه كما مر، وإنما الخلاف في وجوب رده، فقال الهادي عليه السلام وأحد قولي المؤيد بالله: يلزمه التصدق به وهو المصحح للمذهب، وفي الثمرات: أنه لبيت المال، وهو الظاهر من كلام الإمام القاسم بن محمد في الجواب المختار.
قيل: ومعناه ما مر من أنه يملكه ويجب عليه التصدق به وفي أحد قولي المؤيد بالله أنه قد ملكه وهو مخير بين رده أو التصدق به.
وقال في الكافي: يرده لصاحبه وهو الظاهر من مذهب الناصر لما مر من أنه كان يرد بعض الهدايا لأربابها.
وفي شرح الإبانة عنه عليه السلام أنه ذكر أن كلما يأخذه القاضي أو العامل على سبيل الرشوة فإن علم صاحبه رده إليه إن كان باقياً، أو مثله أو قيمته إن كان تالفاً، وما لم يعلم صاحبه رده إلى بيت المال.
احتج الأولون بأنه قد ملكه من وجه محظور وكل ما ملك من وجه محظور وجب التصدق به لحديث شاة الأسارى، وهو ما رواه في الشفاء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زار بعض الأنصار فذبحوا له شاة وصنعوا له طعاماً فقدمت إليه فلم يسغ -يعني لحمها-وسأل عن حالها روي أنه قال: ما شأنها؟ فقال القوم: هي شاة كانت لصاحب لنا فذبحناها بغير إذنه على أن نرضيه بالثمن إذا جاء -وروي لجيراننا مكان لصاحبنا- فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((تصدقوا بها)).
وروي: ((أطعموها الأسارى)).
وعن عاصم بن كليب أن رجلاً من الأنصار أخبره قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلوك لقمة في فمه ثم قال: ((أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها))، فقالت المرأة: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشتري شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل بها إلي بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أطعميه الأسارى)) أخرجه أحمد وأبو داود، والدارقطني.
وفي لفظ له ثم قال: ((إني لأجد لحم شاة ذبحت بغير إذن أهلها))، فقالت: يا رسول الله أخي وأنا من أعز الناس عليه ولو كان خيراً منها لم يغير علي، وعلي أن أرضيه بأفضل منها، فأبى أن يأكل منها وأمر بالطعام للأسارى. والحديث في أصول الأحكام من رواية عاصم مختصراً، وأخرجه أيضاً مختصراً النسائي والطبراني، وفي الموطأ، وأخرجه البيهقي عن عاصم عن أبيه عن رجل من مزينة.
والجواب: أنا لا نسلم الملك أعني ملك الحاكم ما أعطيه على وجه الهدية والرشوة فلا يصح القياس على شاة الأسارى إذ لا ناقل عن الملك، بخلاف شاة الأسارى فإن الاستهلاك بالطبخ يوجب الملك، على أن بعض الأئمة وغيرهم قد نازع في الاستدلال بالحديث على الملك وتأويله، وليس هذا موضع ذكر ذلك، ومنهم من قدح فيه فلا ينتهض لمعارضة القواطع الدالة على منع أكل أموال الناس بالباطل، وما تقدم من وجوب رد كل مأخوذ، وما جاء من التحذير عن الظلم فمع ذلك لا يخرج مال عن ملك مالكه إلا بدليل شرعي خاص، وكيف يقال فيما ثبت تحريمه أنه يملكه القابض له على الوجه الذي حرم من أجله ما هذا إلا مخالفة للقواعد، وخروج عن دائرة النظر في الأدلة.
قالوا: وروى الإمام القاسم بن محمد في الجواب المختار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأخذ هدايا عماله ويضعها في بيت المال. قال عليه السلام : ولا يظهر في ذلك خلاف على سبيل الجملة.
والجواب: أنه إذا ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو حجة قوية، لكن المعروف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو نهي العمال عن أخذ الهدايا وإخبارهم بأنها غلول كما مر، على أنه يجوز أن يكون المراد أنه أخذ ما يدعونه هدايا ورده في بيت المال لعلمه بوحي أو غيره كذب دعواهم، وأن المال كله من مال الله وأنهم إنما أرادوا التغرير والخيانة، ويؤيد ذلك ما رواه البيهقي عن عدي بن عميرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ياأيها الناس من عمل لنا على عمل فكتمنا مخيطاً فهو يأتي به يوم القيامة)) فقام رجل من الأنصار كأني أراه فقال: يا رسول الله: اقبل عني عملك، قال: ((ومالك؟ قال: سمعتك تقول الذي قلت، قال: وأنا أقوله الآن من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى)).
قال البيهقي: أخرجه مسلم من أوجه.
وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ظن]من بعض عماله الخيانة، وأما دعوى الإجماع فقد عرفت الخلاف المحكي سابقاً وهو مشهور.
قالوا: أخرج البيهقي عن مالك قال: أهدى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان من عمال عمر بمزفتين لامرأة عمر فدخل عمر فرآهما فقال: من أين لك هاتين أأشتريتهما أخبريني ولا تكذبيني؟ قالت: بعث بهما إلي فلان، فقال: قاتل الله فلاناً أراد حاجة فلم يستطعها من قبلي أتاني من قبل أهلي فاجتذبهما اجتذاباً شديداً من تحت من كان عليهما جالساً فخرج يحملهما فتبعته جاريتها فقالت: إن صوفهما لنا ففتقهما وطرح إليهما الصوف، وخرج بهما فأعطى إحداهما امرأة من المهاجرات والأخرى امرأة من الأنصار.
والجواب: أنه لا حجة في فعل عمر على أنه ليس المهدى إليه فلعله تصدق بهما لطيبة نفس المهدي إليه بالهدية إلى أهله وعرف رضا أهله بالتصدق بهما، وفي ذلك فائدة وهي سد الذريعة وحسم مادة الهدايا حذراً من الوقوع في المحرم.
حجة المؤيد بالله أنه قد ملكه إذا أخذه بطيبة من نفسه، وإنما خير بين الرد إلى الدافع أو التصدق به؛ لأنه ملكه من وجه محظور، وله قول أنه يملكه ويطيب له لطيبة نفس المعطي، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)) وقد مر.
وبه قال الإمام يحيى، قال: وندب التصدق به لحديث: ((دع ما يريبك)).
والجواب: أنا لا نسلم طيبة النفس فلا ملك لأن العطاء إذا كان لأجل الواجب أو المحظور لم يكن المعطي طيب النفس به؛ لأن معنى طيبة النفس تجافيها عن العطية غير مخبثة بما يكون كالإلجاء إلى الدفع من خوف الظلم، أو الميل عن الحق، أو طلب ما لا يجوز.
قال في الكشاف في قوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً}[النساء:4] المعنى: فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يظهرن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم، على أنما كان لأجل الواجب المحظور أو الولاية لا يحل بحال وإن طابت به النفس لما مر من تحريم هدايا الولاة، ولحديث عبادة في هدية القوس وقد مر، فيكون حديث طيبة النفس ليس على ظاهره، وإذا اقترن هذا ثبت أنه لا يملك المهدى إليه ونحوه المال، وإذا لم يملكه وجب رده لمالكه كما يجب رد الوديعة والغصب ونحوهما.
حجة الناصر ما مر من أن الأصل الملك فلا يخرج عنه إلا بدليل ولا دليل، وحديث: ((على اليد ما أخذت)) وما في معناه، ولما تقدم من حديث هدية القوس ونحوه لمعلم القرآن من النهي عن القبول مع ظهور طيبة نفس المعطي، والنهي عن القبول يستلزم وجوب الرد إلى المهدي؛ إذ لا معنى لعدم القبول أنه يرده على صاحبه، وقد صرح في بعض روايات الحديث بالرد، ويستدل أيضاً بما مر من نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن قبول هدية المخاصم، ونحوه على ما ذكرنا من التقرير.
الوجه الرابع: أن يكون العوض على الواجب أو المحظور شرطاً ثم لما كان عند الدفع فسخا العقد وقالا عند تسليمه أو بعده أنه لا في مقابلة ذلك بل لله أو عن زكاته أو نحو ذلك، فقال أهل المذهب: أن يطيب الأخذ عملاً بالظاهر إذ لسنا مكلفين بغيره، وحكاه أبو مضر عن المؤيد بالله، وحكى عنه قولاً آخر وهو أنه لا تطيب له، ولعل وجهه أن الغالب فيما يعطاه ذو الولايات ونحوهم عدم قصد القربة ونحوها، وأنهم إنما يعطون لأجل الولايات، وللتوصل إلى الواجب أو المحظور، ولهذا حرم عمر الهدايا على عماله.
قلنا: لسنا مخاطبين إلا بالظاهر، وفعل عمر ليس بحجة، وقد روي عنه في شرح نهج البلاغة أنه قال في نهيه لعماله عن قبولها وليست بحرام، وقد قبلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين، وأئمة الهدى من بعده، ولم يردوا إلا ما ظهر لهم أنه لأجل الولاية أو لغرض فاسد، وقد تقدم ذكر ذلك، وفي أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين عموماً أن يتهادوا لأجل يحصل بينهم التحاب الذي هو شرط الإيمان ما يدل على أنه ينبغي فعل ذلك وقبوله ما لم يظهر الوجه المقتضي للمنع، بل تقدم أن من حق المؤمن قبول هديته، ومن حقوقه أيضاً إتحافه بما عنده، وقد مر في كلام علي عليه السلام لعثمان بن حنيف ما يدل على أنه يعتبر بما ظهر له وهو قوله: فانظر إلى ما تقضمه... إلى آخره.
واعلم أنه قد ذكر في البيان والأزهار وشرحه ما به تحصيل الجمع بين الأدلة ولعله المراد للمذهب، وحمل عليه قولي المؤيد بالله وهو أنه إن ظن الأخذ صدق كلام الدافع في قوله: إن الدفع ليس لأجل الواجب أو المحظور حل له الأخذ وملكه، وإن ظن كذبه لم يحل، وإن التبس عليه عمل بما قاله عند الدفع لأنه لا طريق له إلى ما في ضميره إلا كلامه، فهذا التفصيل كما ترى يمكن تنزيل الأدلة السابقة عليه؛ إذ مستنده في التحقيق والرجوع إلى ما يظهر من قرائن الأحوال ولا شك أنها أمارات تفيد الظن، وقد مر أن الظاهر فيمن لم يكن معتاداً للهدية قبل القضاء ونحوه أن هديته لا تكون إلا لغرض فاسد، ولا يخفى أن كلام أمير المؤمنين لعثمان بن حنيف يقتضي تحريم الأخذ عند اللبس، وكذلك ما ورد من النهي عن الشبهات، والحث على الوقوف عندها، وقول الأصحاب لا طريق إلى ما في ضميره إلا كلامه مسلم لنا.
نقول: ذلك مشروط بإضمار الظن بصدقه وإلزام قبول كلامه، ولو ظن كذبه والملتبس لم يحصل له ظن بصدقه فلا يجوز قبول كلامه لعدم حصول شرطه، نعم أهل المذهب بنوا كلامهم في الملتبس على أنه يجب قبول خبر العدل ولو لم يظن صدقه ما لم يغلب في الظن كذبه لقيام الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد العدل مطلقاً، وكلام الوصي وما في معناه يدفعه في هذه الصورة، ويعضده قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}[الإسراء:36] ونحوه.
الوجه الخامس: أن يعطيه العوض على الواجب أو المحظور وعلى أمر آخر مباح فيحل له قدر أجرة المباح. ذكره المؤيد بالله، وقال أبو علي، وأبو هاشم: لا يحل لعدم تمييز الحسن من القبيح.
قلنا: بل التمييز حاصل والظن كاف في تقدير ما يقابل كل منهما كما في جزاء الصيد ونحوه.
وفي الجامع الكافي ما معناه: أن علياً عليه السلام قضى فيمن اشترى دن خمر ودن خل أنه يأخذ الخل بحصته من الثمن، ولا فرق بين البيع والإجارة من هذا الوجه.
الوجه السادس: أن لا تكون الهدية ونحوها مقابلاً للواجب أو المحظور وإنما المقصود بها التبرك أو لمحبة المهدى إليه، فهذا لا إشكال في حله، وجواز أخذه، وقد تقدم دليله في النوع الثاني حيث ذكرنا جواز قبول الهدية إذا لم تكن للولاية أو لأجل فعل واجب أو محظور، وذكر في البيان أن تطيب للبغية ونحوها ما أعطيت إذا أعطاها أحد لمجرد محبته لها لا لمحظور يريده منها. قال ذكره المؤيد بالله.
النوع الرابع: [أن لا يكون المأخوذ رشوة، أو هدية، أو أجرة]
أن لا يكون المأخوذ على أحد الأنواع المتقدمة وذلك قسمان:
القسم الأول: أن يكون المأخوذ رزقاً مفروضاً من بيت المال، وهذا القسم يجوز أخذه للقاضي ويحل له، وفي حكمه الإمام وغيره من عماله، وبه قالت العترة وغيرهم.
قال في شرح الإبانة: لا خلاف بين العلماء أنه يجوز للقاضي أن يأخذ الجعل والرزق من الإمام من بيت المال، وكذلك الكاتب والقاسم، وصاحب الديوان، وصاحب بيت المال وخازنه، ولو عملوا محتسبين للأجر فذلك أفضل لهم.
قال: وقال قوم يكره رزق القاضي.
وقال الهادي عليه السلام : لا بد للقاضي من العطاء والتوسعة وإلا هلك وعياله، واشتغل عن القضاء قلبه.
وقال الأمير الحسين: [دل ذلك على أنه لا يجوز أخذ الرزق على القضاء، ولأن القضاء لابد منه والكفاية لابد منها، فجاز أن يأخذ علهي الرزق] وروي عن ابن عمر أنه منع من أخذ الرزق على القضاء، وكرهه محمد بن منصور إلا أن يكون مضطراً حابساً لنفسه على الحكم بين المسلمين فيأخذ كفايته، وكفاية عوله وأعوانه، ويعتقد الأخذ لأجل الضرورة لا على الحكم.