وفي حواشي شرح الإبانة عن أبي طالب أنها تقتضي الثواب، وذكر بعض المالكية أنها تجب المكافأة إذا أطلق المهدي، وكان ممن مثله يطلب الثواب كالفقير للغني بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، قيل: وهو قول الشافعي في القديم، وروي عن الحنفية، والشافعي في الجديد أن الهبة في الثواب باطلة لأنها بيع مجهول؛ ولأن موضوع الهبة التبرع، وقال أهل المذهب: إن جرت العادة بأن الولائم والمآتم يفعل ذلك فيها ليفعل المهدي إليه مثلها وجبت المكافأة له حسب العرف.
قالوا: فأما إذا علم من قصد المهدي أنه لا يريد العوض لم يجب.
حجة الجمهور حديث: ((تهادوا تحابوا)) وما في معناه مما أمر فيه بالتواصل والمباذلة، ولو كانت مقتضية للعوض لا يحصل بها التحاب؛ لأنها تصير في معنى البيع ولم يقع التحاب بالبيع، وأيضاً ليس في الأحاديث السابقة الذكرالمكافأة، بل الظاهر من سياق كثير منها عدم المكافأة.
وروى الهادي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((اصطنع المعروف إلى من هو أهله وإلى من ليس من أهله فإن أصبت أهله فهو أهله وإلا فأنت أهله)) وأخرج نحوه ابن النجار عن علي عليه السلام والخطيب في رواية مالك عن ابن عمر.
حجة من أوجب المكأفاة حديث عائشة، وما روي عن ابن عباس أن أعرابياً وهب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هبة فأثابه عليها، قال: رضيت؟ قال: لا. فزاده، قال: أرضيت؟ قال: لا. فزاده، قال: أرضيت؟ قال: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو دوسي)) أخرجه أحمد، وابن حبان في صحيحه.
قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح.
وأخرجه أبو داود، والنسائي من حديث أبي هريرة بنحوه والترمذي مطولاً.
ورواه من وجه آخر بين أن الثواب كان ست بركات، ورواه الحاكم وصححه على شرط مسلم، وذكر الروايتين في الشفاء بنحو ما هنا ولم يذكر ابن عباس ولا أبا هريرة.

وروى الهادي إلى الحق عليه السلام يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((قال جبريل عليه السلام : يا محمد من أولاك يداً فكافئه)).
وفي شرح الجامع الصغير مرفوعاً: ((إنا نقبل الهدية ونكافئ عليها)).
وفي أمالي أحمد بن عيسى: ثنا محمد، ثنا محمد بن إسماعيل، عن وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن عمرو بن دينار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الرجل أحق بهبته مالم يثب عليها)) وأخرجه ابن ماجة.
قال العزيزي: وإسناده ضعيف.
وفي أمالي أحمد بن عيسى: حدثنا محمد، قال: ثنا أبو الطاهر، قال: ثني أبي عن أبيه، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: من وهب هبة يريد بها وجه الله والدار الآخرة أوصلة رحم فلا رجعة له فيها، ومن وهب هبة يريد بها عوضاً كان له ذلك العوض ما كان قائماً بعينه فإن استهلكها كان له قيمته.
وفي الشفاء عن علي عليه السلام : الواهب أحق بهبته ما لم يثب فيها إلا في ذي رحم محرم. وهذا يدل على أن الهبة تقتضي المكافأة.
وأجيب: بأن غاية ما تدل عليه تلك الأحاديث هو أنه عوض المهدي وكافأه ونحن نقول به، لكن الكلام في الوجوب، وليس ثمة ما يدل عليه فإن قيل: بل يدل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أولاك يداً فكافئه)).
قيل: الأمر فيه للندب لعدم مكافأته صلى الله عليه وآله وسلم لكل من أهدى إليه، وكذلك أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وسائر أئمة العترة" كما يدل عليه ما مر.
قالوا: قال الله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ}[الرحمن:60].
قلنا: ليس الإحسان مقصوراً على بذل العوض، فقد يكون بالشكر والثناء ونحوهما.

حجة المفصلين وهم أهل المذهب وبعض المالكية بأن الأصل بقاء الشيء على ملك مالكه، وأنه لا يحل إلا بطيبة من نفسه، وإذا قضت القرائن بأن المهدي يريد من المهدى إليه العوض وجب تعويضه حسب العرف لوجوب العمل بالظن، والقرائن والأمارات قد يحصل عنها الظن الغالب بعدم طيبة نفس المهدي بالهدية إن لم ينل بها عوضاً، والذي يظهر هو وجوب المكافأة، لكن لا تقصر المكافأة على بذل المال، بل تختلف باختلاف المهدي والمهدى إليه، فإذا كانت لمن يتبرك بالإهداء إليه أو إلى فقير ونحو ذلك، فالمكافأة قد تكون بالدعاء والثناء ونحوهما، وإن كانت من فقير إلى غني أو من أحد الرعية إلى السلطان وجبت المكافأة بالمال حسب العرف، وفي هذا جمع بين الأدلة واستعمال لظواهرها القاضية بالوجوب، ويدل على أن الدعاء ونحوه من المكافأة ما مر من أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبل الهدية ويدعو لصاحبها، واستحسانه صلى الله عليه وآله وسلم لشعر ابن عريض.
روى الهادي إلى الحق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعائشة: ((تروين من شعر ابن عريض اليهودي شيئاً؟ فقالت: لا، فقالت أم سلمة: لكني أروي، فقال لها: وكيف قال؟ قالت: قال:
أجزيك أن أثني عليك وإن من .... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
وقد ذم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لم يكافئ بالثناء كما في حديث: ((من لم يشكر الناس لم يشكر الله)) وقد مر في الفاتحة وأمر بإعطائه كما مر في حديث: ((اصطنع المعروف))...الخبر.
وقال علي عليه السلام : لا يزهدنك في المعروف من لا يشكره لك فقد يشكرك عليه من لا يستمتع منه بشيء. رواه في النهج.

وعلى الجملة إن المكافأة بالثناء والدعاء والاعتراف بالنعماء كافية في حصول جزاء المهدى إليه للمهدي، وقد تقدم في الفاتحة أحاديث تدل على ذلك، وقد ورد: اللهم لك الحمد حمداً يوافي نعمك ويكافئ مزيدك. أو كما قال، فجعل الحمد مكافأة، وهذا ما لم يعلم أو يظن أن المهدي قصد بالهدية المعاوضة، وحينئذٍ تجب المعاوضة حسب العرف أو الرد، وقد مر أنه يرجع في معرفة مراده إلى القرائن.
النوع الثالث: [الأجرة من الخصم على القضاء]
لما يأخذه القاضي أن يكون المأخوذ من الخصوم أجرة على قضائه، وهذا محرم للآية.
قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام : ولا يجوز للقاضي أن يأخذ شيئاً على الحكم من الخصمين ولا من غيرهما لأنه لا يجوز أن يأخذ الأجرة على أمر واجب عليه، ولا خلاف في ذلك، ولأنه لا يأخذ إلا على الظلم أو النصفة، ولا يجوز أخذه على شيء من ذلك، وكذلك الهدية أو ما يجري مجراها.
وبه قال أبو حنيفة، ويقتضيه قول الشافعي، وذهب بعض أصحابه قيل علي القفال إلى أن الأجرة على القضاء والشهادة جائزة إذا كانت مشروطة.
قيل: قال عليه السلام : وقد قدمنا ما يحجه.

قلت: أراد بما يحجه الإجماع، وذكر في شرح الإبانة أن القاضي إذا أجره رجل من أهل عمله على أن يحكم له ولهم فإنه لا يحل أخذه عند السادة" والفريقين؛ لأنه كالأجرة، وليس له أن يحكم بين الناس بأجرة مشروطة عليه، قال: لأن ذلك حرام كالهدايا التي تهدى لأجل القاضي، ثم احتج بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الراشي والمرتشي في النار)) وقوله: ((هدايا الأمراء غلول)) والمصحح للمذهب أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الواجب والمحظور، وعدوا القضاء من الواجبات، ويدل على التحريم جميع ما مر من الأدلة الدالة على تحريم أخذ العوض على تعليم القرآن والعلم، وقد مر أول المسألة أن كل ما تقدم من الاستدلال على تحريم أخذ العوض على تعليم القرآن والعلم يدل على تحريم أخذ الأجرة على القضاء والفتوى إذ هما نوع من التعليم، وإبلاغ لأحكام الله تعالى، وقد قال تعالى حاكياً عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم : {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}[الشورى:23] والحكم بمنزلة تبليغ الرسالة.
وفي (سلوة العارفين) للموفق بالله عليه السلام : حدثنا الحسن بن علي، حدثنا محمد بن صدقة، حدثنا موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن علي بن الحسين، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إني أخاف عليكم استخفافاً بالدم وبيع الحكم)).
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي عليه السلام أنهم سألوا متى الساعة؟ قال: لقد سألتموني عن أمر ما يعلمه جبريل ولا ميكائيل، ولكن إن شئتم أنبأتكم بأشياء إذا كانت لم يكن للساعة كثير لبث، إذا كانت الألسن لينة والقلوب جنادل، ورغب الناس في الدنيا، وظهر البناء على وجه الأرض،واختلف الأخوان فصار هواهما شتى، وبيع حكم الله بيعاً.
وفي حديث حذيفة مرفوعاً:((من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة وعد منها بيع الحكم)) أخرجه أبو نعيم في الحلية.

قلت:والمراد ببيع الحكم أخذ العوض عليه؛ إذ حقيقة البيع هو استبدال الشيء بالشيء،فإذا امتنع الحاكم من الحكم إلا بإعطائه عليه عوضاً فقد باعه كما هو شأن قضاة زماننا.
وفي الجامع الكافي بإسناده عن علي عليه السلام أنه كره للقاضي أن يأخذ على القضاء رزقاً، وفيه أيضاً عن علي عليه السلام : من أخذ على حكمه شيئاً فذلك السحت.
فهذا مع ما قد تقدم في تحريم أخذ العوض على تعليم كتاب الله، وتبليغ أحكام الله، وذم من جعل العلم شبكة يصطاد بها أموال الناس، واستعمل آلة الدين للدينا، دليل صريح قاطع على تحريم ما يفعله قضاة زماننا من جعلهم القضاء بين الملأ وسيلة إلى جمع الدنيا، وأكل أموال الناس بلا حشمة ولا حياء، بل قد صارت أجرة الحاكم من أعظم الحقوق عندهم لا يقبل فيها عذر ولا ينظر فيها معسر، ولا يبالون بما لحقهم من الشتم والسب حتى أن المتخاصمين ربما تهدد أحدهما صاحبه بأنه سيوصله إلى الحاكم، ومرامه بذلك أنه إذا وصل عند الحاكم لا بد أن يغرم أجرة الحاكم، ومن العجب أنه إذا تشاجر الخصمان في دين فتبين إعسار من عليه الدين حكم الحاكم بإنظاره.
وأما أجرته فلا يتناولها حكمه، بل لا بد من تعجيلها وإلا حبسه وآذاه، وعلى الجملة إن قضاة زماننا سباع ضارية، وذئاب عاوية، وهذا أمر ظاهر مشهور فإنا لله وإنا إليه راجعون، وما أحسن ما قال القائل شعراً:
قضاة زماننا صاروا لصوصاً .... عموماً في القضايا لا خصوصا
يرون الحل أموال اليتامى .... كأنهم رووا فيها نصوصا
ونخشى منهم إن سالمونا .... يحلوا من خواتمنا الفصوصا

ومع ذلك إن كثيراً منهم جهال لا يعرفون التقليد، ولا يحققون فروع المذهب، وهذه طامة كبرى، ويتصل بذلك مصيبة عظيمة، وفادحة في الإسلام جسيمة، وهي أنهم وجدوا حاشية في أول كتاب الفرائض ذكر فيها أنه إذا قسم بين الورثة استحق نصف العشر بلا منة، فجعلوا هذه الحاشية عذراً لهم في أخذ أموال الناس عند القسمة، وموهوا بها على العامة حتى أن الحاكم ربما اتخذ له أعواناً ممن يدعي الفقه فيأمره بحصر التركة وقسمتها بين أهلها، وتكون لهم أجرة من المقتسمين أضعاف ما يستحقونه، ثم بعد تمام القسمة يوصلون إلى الحاكم نصيبه من المال إما نصف العشر أو نحوه كأنه فرض لازم ويكون ذلك أمر زائد على ما يأخذه القاسمون لأنفسهم، وربما فعل الورثة من يقسم بينهم من غير أعوانه ولا يرضى الحاكم بتلك القسمة إلا إذا سلموا ما هو له، وليس منه عمل قط، وقد يسميها بعضهم فريضة الحاكم، وهذه من الدواهي الفظيعة والأمور الشنيعة مع أن تلك الحاشية لا يعلم قائلها، ولا يشهد لها كتاب، ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، بل هي مخالفة لأدلة الكتاب والسنة، وإجماع الأئمة والأمة، فإن علم الفرائض من جملة علوم الإسلام التي قد ثبت بما قدمناه تحريم أخذ العوض على تعلمها وتعليمها، وعلى القضاء بها، بل قد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على تفضيلها وتخصيصها بالحث على تعلمها وتعليمها لأجل دفع الظلم عند قسمة المواريث، وما كان هذا شأنه فكيف يقال بجواز أخذ العوض على تعليمه والقضاء به.
قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام : بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((تعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض بعدي، وتظهر الفتن حتى يختلف الإثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما)) وهو في الجامع الكافي إلا أنه لم يذكر القرآن.

قال محمد: حدثنا جعفر بن محمد الهمداني، قال: ثنا حماد بن أسامة، عن عوف، بن أبي جميل، عن رجل حدثه عن سليمان بن جابر، عن عبد الله بن مسعود فذكره، وأخرجه النسائي، والحاكم، والدراقطني، والدارقطني كلهم من رواية عوف عن سليمان بن جابر.
قال السيد أحمد بن يوسف زبارة: وفيه انقطاع، أخرجه أحمد من طريق الأحوص عن ابن مسعود.
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض)).
وأخرج الحاكم، وابن ماجة، والدارقطني عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((تعلموا الفرائض وعلموها فإنها نصف العلم وهو ينسى وهو أول علم ينتزع من أمتي)).
قال في التلخيص: ومداره على حفص بن عمر بن أبي العطاء وهو متروك.
وأخرج هؤلاء الثلاثة وابن النجوي الشافعي في (البدر المنير) من حديث حفص المذكور عن أبي هريرة مرفوعاً: ((تعلموا الفرائض فإنها من أقر دينكم وإنها نصف العلم، وإنه أول علم ينتزع من أمتي)).
وقال الهادي عليه السلام : بلغنا عن بعض الرواة أنه قال: ((من تعلم القرآن فليتعلم الفرائض ولا يكون كرجل لقيه أعرابي فقال له: يا مهاجر تقرأ القرآن؟ فقال: نعم. قال: إن إنساناً من أهلي مات وقص عليه فريضته فإن حدثه فهو علم علمه الله وزيادة زاده الله، وإن لم يحسن قال فبما تفضلونا يا معاشر المهاجرين)).
وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي مسعود موقوفاً نحوه.
قال في (تتمة الروض): وهو في الجامع الكافي بمعناه، وفي الوسيط للقاضي أحمد بن نسر رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((من تعلم العلم ولم يتعلم الفرائض كان كبرنس لا رأس له)).
وأخرجه رزين بلفظ: ((مثل العالم الذي لا يعلم الفرائض كمثل البرنس الذي لا رأس له)).
وفي (جامع الأصول) و(المصابيح) من رواية البخاري عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((تعلموا الفرائض قبل الظانين الذين يتكلمون بالظن)).

وفي (إيضاح الغامض) للخالدي رحمه الله مرفوعاً: ((من قسم بين اثنين فريضتهم فكأنما تصدق بها عليهم)).
فهذه الأخبار، وما في معناها نص صريح في إبطال ما تضمنته تلك الحاشية؛ لأنها قد دلت على أن تعليم الفرائض من الواجبات، وما كان واجباً فلا يحل أخذ الأجرة عليه، وأيضاً هي تدل على أن هذا الفن من علوم الشريعة بل من أفضلها، وقد ثبت تحريم أخذ العوض على تعليم العلوم الدينية، على أنه قد ورد في تحريم أجرة الذي يعلم الناس كيفية قسمة مواريثهم وتمييز فرائضهم ما يخصه، بل جاء ما يدل على تحريم أجر كل من قسم بين طائفة من المسلمين شيئاً.
أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إياكم والقسامة، قلنا: وما القسامة؟ قال: الشيء يكون بين الناس فينقص منه)).
وفي رواية قال: ((الرجل يكون على الفئام من الناس فيأخذ من حظ هذا وحظ هذا)).
قال في القاموس: والفئام: الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم من حديث وابصة: ((مثل الذي يأكل القسامة مثل جدي بطنه مملوء رضفاً)) ذكره في النهاية، وقد حمل صاحب الفتح القسامة على مميز الفرائض بالفتوى، فإن قيل حمل القسامة على ذلك يدفعه كلام أهل اللغة في معناها، فإن ظاهر كلامهم كما تفيده النهاية أنه ما يأخذه القسام لنفسه من رأس المال من غير رضى أربابه لا برضاهم فيحل.
قيل: لنا في الجواب عنه وجوه:
أحدها: أن لفظ الحديث يأبى ذلك التأويل؛ لأنه جعل القسامة تنقيص أنصباء المشتركين في المقسوم، ولم يفصل بين المأذون فيه وغيره.
الثاني: أن خطاب الشارع يحمل على ما عرف في الشرع، وقد دلت الأدلة على تحريم العوض على القضاء والفتوى، وتحريم العلوم الشرعية، وتمييز الفرائض، وبيان القسمة الشرعية من ذلك القبيل، فيجب حمل الحديث عليه مع احتماله إياه.

الثالث: أنه قد جاء ما يدفع كلام صاحب النهاية عن باب مدينة العلم المبين للأمة ما اختلفت فيه بعد نبيها صلى الله عليه وآله وسلم ، بل كلامه عليه السلام يقتضي تحريم الأجر على كل قاسم.
ففي مجموع زيد بن علي عليه السلام بسنده عن علي عليه السلام أنه قال: ((أجر القاسم سحت)).
وأخرج عبد الرازق عن طريف، قال: مر علي عليه السلام برجل يحسب بين قوم بأجر، وفي لفظ: يقسم بين ناس قسماً، فقال له عليه السلام : إنما تأكل سحتاً.
وقال البيهقي في السنن الكبرى: قال الشافعي: ينبغي أن يعطى أجر القسام من بيت المال؛ لأن القُسَّام حكام.
قال البيهقي: قد روينا في سهم المصالح سهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان لنوائبه، ونوائب الناس.
وأخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، أنبأ الربيع قال: قال الشافعي حكاية عن أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز بن رفيع، عن موسى بن طريق الأسدي قال: دخل علي عليه السلام بيت المال فأصرط به، وقال: لا أمسي وفيك درهم، وأمر رجلاً من بني أسد فقسمه إلى الليل، فقال الناس: لو عوضته، فقال: إن شاء ولكنه سحت.
قال البيهقي: إسناده، ضعيف موسى بن طريف لا يحتج به، وقيل عنه عن أبيه عن علي عليه السلام كما أخبرنا أبو نصر بن قتادة إنباء، نا أبو منصور النضروي، ثنا أحمد بن نجدة، ثنا سعيد بن منصور، ثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن موسى بن طريف عن أبيه أن علياً عليه السلام قسم شيئاً فدعا رجلاً يحسب فقيل لو أعطيته شيئاً، قال: إن شاء وهو سحت. وقد اعترض في الجوهر النقي على البيهقي في تضعيف إسناده بموسى بن طريف وقال: لا يلزم من عدم الاحتجاج به ضعفه.
قال: وقد أطلق ابن معين والدارقطني أنه ضعيف، وكذبه أبو بكر بن عياش.
وقال الجوزجاني: زائغ.
قلت: موسى ذكره في الميزان وحكى تضعيفه عن جماعة، ولا أظن أن سبب ذلك إلا روايته عن أبيه.

270 / 329
ع
En
A+
A-