[جواب علامة العصر حول صدق النفل لبني هاشم]
ولنأت في هذا الموضع بما ذكره علامة العصر في جواب سؤال سألته عنه في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف فقد أشار في جوابه إلى صور متعددة مما قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها الصلات والهدايا، وعزاها إلى أربابها من محدثي أئمتنا" وغيرهم.
قال أبقاه الله: وسأملي عليك بعض ما تناوله صلى الله عليه وآله وسلم مما تقرب به المسلمون، أو تناوله أهل العصمة، منها: ما رواه أبو طالب في أماليه من حديث جابر وفيه طحنه الشعير له، وذبح شاة له، ثم أكله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل الخندق وهم ثلاثة آلاف.
ومنها: صنع أبي طلحة طعاماً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكل منه وثمانون رجلاً، وأهل البيت. عند أبي طالب، ونحوه عند مسلم.
ومنها: حديث أنس سمعت صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضعيفاً أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء يعني أم سليم؟ قالت: نعم فأخرجت قراصاً من شعير وعصرت له عكة، وأكل صلى الله عليه وآله وسلم وسبعون أو ثمانون. عند الشيخين.
ومنها: إرسال أم أنس أيضاً الحيس له صلى الله عليه وآله وسلم في عرس زينب فأكل منه والخلفاء حتى بلغوا اثنين وسبعين. عند أبي نعيم، وابن عساكر.
ومنها: حديث سمرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بقصعة فتعاقبوها إلى الظهر. عند أبي نعيم، والدارمي، وابن أبي شيبة، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، وصححوه.
ومنها: صنع أبو أيوب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طعاماً فأكل منه ومائة وثمانون من الأنصار. عند البيهقي، والطبراني، وأبي نعيم.
ومنها: حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثين ومائة فقال: هل مع أحدكم طعام فإذا مع رجل صاع أو نحوه إلى أن قال فعجن إلى أن قال وجعل قصعتين فأكلنا منه أجمعون. عند البخاري.
ومنها: حديث أنس عند ابن المغازلي بينا أنا ذات يوم بباب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاء رجل وطبق مغطى فقال: هل من إذن؟ فقلت: نعم فوضع الطبق بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طائر مشوي فقال: أحب أن تملأ بطنك من هذا يا رسول الله. قال: غط عليه -إلى أن قال- فدخل علي عليه السلام فجعل ينازع النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ومنها: حديث جابر صنعت أمي طعاماً فقالت: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فادعه فجئته فساررته فقال لأصحابه: قوموا -إلى أن قال- فأكلوا حتى شبعوا. عند الطبراني بسند حسن.
ومنها: حديث جابر أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه فأتى فاطمة وقال: يا بنية هل عندك شيء؟ قالت: لا، فلما خرج من عندها بعثت جارةً لها برغيفين وقطعة لحم ووضعته في جفنة، وغطت عليها، وأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم -إلى أن قال: فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أكل هو وعلي وفاطمة، وحسن وحسين، وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم . عند أبي يعلى، ومثله في سلوة العارفين.
ومنها: حديث أم عامر أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى في مسجدنا المغرب فجئت منزلي، وجئت بعرق وأرغفة فقلت: بأبي وأمي تعش، فقال لأصحابه: ((كلوا بسم الله)) فأكل هو وأصحابه -إلى أن قال- فشرب من ماء عندي في شحب ثم انصرف... إلخ. عند أبي سعد.
ومنها: حديث مسعود بن خالد بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشاة ثم ذهبت في حاجة فرد إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شطرها يعني أهله. الخبر عند الطبراني.
ومنها: حديث جابر قلت لامرأتي: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيئنا اليوم نصف النهار فدخل وفرشت له فنام، وذبحت عناقاً، فلما استيقظ وضعتها بين يديه فقال: ادع لي أبا بكر، ثم دعا جواريه الذين معه فأكلوا حتى شبعوا. عند الحاكم.
ومنها: إهداء أم شريك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم [عكة]سمن فأخذوها ففرغوها. عند البيهقي من حديث طويل.
ومنها: حديث جابر أن أم مالك كانت تهدي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من عكة سمناً. الخبر عند مسلم.
ومنها: حديث كانت عند أم شريك عكة تهدي فيها سمن كذا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . الخبر عند ابن سعد.
ومنها: حديث أن أم مالك الأنصارية جاءت بعكة سمن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمر بلالاً فعصرها، فرجعت فإذا هي مملوءة فأخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((هذه بركة عجل الله ثوابها)) عند الطبراني، وأبي نعيم، وابن أبي شيبة.
ومنها: حديث أم أوس النهزية وإهدائها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عكة فقبله وترك فيها قليلاً -إلى قوله: فردوها مملوءة فظنت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقبلها فجاءت ولها صراخ. الخبر عند البيهقي، والطبراني.
ومنها: حديث أن أم سليم جمعت من شاتها سمناً في عكة، وأرسلت به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأفرغها وردها. الخبر عند أبي يعلى، والطبراني، وأبي نعيم، وابن عساكر.
قال أيده الله: فهذا بعض ما تناوله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم ذكر بعض ما تناوله أمير المؤمنين عليه السلام .
وأخرج البخاري، ومسلم عن أنس أن أكيدر دومة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبة من سندس فلبسها.
وعن أبي حميد الساعدي قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبوك وأهدى ابن العَلْما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم برداً، وجاء رسول صاحب أيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهدى له بغلة. أخرجه البخاري، وفي صحيح مسلم: أهدى فروة الجدامي بغلة بيضاء ركبها يوم حنين.
وفي (مسالك الأبرار المنتزع من جلاء الأبصار) عن الحاكم المحسن بن كرامة بإسناده إلى عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين)).
وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((تهادوا تحابوا وتصافحوا يذهب الغل عنكم)).
وأخرج أهل السنن الأربعة عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((تهادوا الطعام بينكم فإن ذلك توسعة في أرزاقكم)).
وأخرج أحمد، والترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((تهادوا إن الهدية تذهب وحر الصدر، ولا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)).
الفرسن -بالسين المهملة والنون-: عظم قليل اللحم وهو خف البعير، وقد يستعار لظلف الشاة.
وأخرج أحمد عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أهدت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طيرين بين رغيفين فقدمت إليه الطيرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((اللهم آتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك)) فجاء علي عليه السلام فرفع صوته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من هذا؟)) فقلت: علي، قال: ((فافتح له)) ففتحت له فأكل مع النبي صلى الله عليه من الطيرين حتى فنيا.
قلت: وحديث الطير هذا قد أخرجه جماعة من أئمتنا والمحدثين بألفاظ عن غير واحد من الصحابة، وفي بعض الروايات أن المهدي امرأة، وفي بعضها أن الذي كان على الباب أنس بن مالك، والظاهر تعدد القصة، وممن أخرج الحديث الترمذي عن أنس، والكنجي عن علي عليه السلام ، وفيه: أن الطائر من الحباري، وابن المغازلي عن أنس وفيه: أن الطائر نحامة، وأبو داود عن أنس، وفي كلها يقول: اللهم آتني بأحب خلقك إليك.
قال بعض الآل": وقد أخرج الحديث ابن المغازلي من نيف وعشرين طريقاً استوفاها بأسانيدها في المناقب.
وقال أبو القاسم إسماعيل بن أحمد البستي: قد صح الخبر بإجماع الصحابة والعترة عند الشيعة، والمعتزلة، والتترية وأحبهم عند الله هو أعظم ثواباً وأكثرهم طاعة.
قال (في أنوار التمام): هذا الحديث اشتمل على الإهداء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلى هذه الفضيلة أشرف الفضائل التي لم يفضل الله تعالى بها أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وجعلها خاصة لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة.
قلت: وفي الحديث دليل على أن قوله عليه السلام حجة؛ لأنه قد ثبت أن الله تعالى يحبه على الإطلاق، وكذلك رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكل من ثبت أن الله يحبه ورسوله على الإطلاق فهو معصوم، ومن كان معصوماً فهو حجة.
هذا وأما قبول أئمة العترة" وولاتهم هدايا من بعد أن عرفوا من حاله أنه لم يصلهم، ولم يهد لهم لأجل الولاية، فهو مشهور عنهم"، ومن ذلك ما رواه في (أمالي أبي طالب) في اتخاذ الأحنف طعاماً لعلي عليه السلام فاستدعاه هو وأصحابه، وفي صحيفة علي بن موسى عليه السلام : أن بعضهم استدعاه فقال: أشترط عليك ثلاثاً... الخبر.
ومن ذلك ما في حديث أبي سعيد أن علياً عليه السلام وجد ديناراً، قال: فعرفته حتى سئمت فلم أجد له باغياً، فاستقرضه فاشترى به طعاماً من رجل حتى إذا ضم وعاه رد عليه الرجل الدينار، وفعل علي عليه السلام في اليوم الثاني كذلك، فأعطاه الرجل الطعام، ثم رد عليه الدينار، ثم في اليوم الثالث كذلك، فأبى علي عليه السلام من قبول الدينار.
هذا معنى الحديث، والخبر بطوله أخرجه الخوارزمي في فصوله، وفيه أنهم أكلوا الطعام، ورُويَ أنه عليه السلام دخل والحسنان يبكيان من الجوع فخرج فوجد ديناراً ثم أخذ به دقيقاً من يهودي، فقال: خذ دينارك ولك الدقيق، فأرسلت فاطمة إلى أبيها صلى الله عليه وآله وسلم فجاءهم، فقالت: أذكر لك فإن رأيته حلالاً لنا أكلناه وأكلت معنا، من شأنه كذا وكذا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((كلوا باسم الله)) فأكلوا. أخرجه أبو داود، والبيهقي، وفيه طول.
وكان الناصر عليه السلام يقبل الهدايا تارة، ويردها أخرى، وكان للمؤيد بالله صديق يتحفه في كل سنة بعدد من الرمان فيقبلها منه حتى ظهر له منه في بعض السنين أنه أعطاه لإزالة شكوى فأزال شكواه ولم يقبل منه، وكذلك روي أن رجلاً أهدى لعمر فخذ جزور فقبلها، ثم تبين له أنه لأجل الولاية فحرم الهدايا. رواه البيهقي.
وذكر أبو العباس أن الذي يجيء على مذهب الهادي جواز قبول هدية من يهاديه قبل القضاء، أو كان ذا رحم.
وفي كتب السير للأئمة وتواريخهم أنهم كانوا يقبلون الصِّلاَةَ والهدايا ما لم تكن على جهة الرشوة، أو لمكان الولاية، بل قد جعل اتساع نذورهم، وطلب البركة بالإحسان إليهم من جملة كراماتهم، وهذا معروف فيما بينهم إلى زماننا هذا، وقد أجاز المنصور بالله، والأمير الحسين قبول الهدايا بإذن إمام الحق لمصلحة يراها؛ لحديث معاذ بن جبل وهو أنه أهدي له في حال إمارته ثلاثون رأساً من الرقيق، فلما قدم بهم بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أبوبكر انتزاعه من يده إلى بيت المال فكره وقال: طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أتى وهم يصلون، فقال لمن: تصلون؟ فقالوا: لله، قال: قد وهبتكم له فأعتقهم. رواه (في الشفاء).
وفي ( سنن الترمذي): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، عن داود بن يزيد الأودي، عن المغيرة بن شبيل، عن قبيس بن أبي حازم، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن فلما سرت أرسل في أثري فرددت، فقال: ((أتدري لم بعثت إليك، لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}[آل عمران:161] لهذا دعوتك فامض لعملك)).
قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي أسامة، عن داود الأودي.
قال: وفي الباب عن عدي بن عميرة، وعبيدة، والمستورد بن شداد، وأبي حميد، وابن عمرو، وقال بعض أصحابنا: هذا حيث عُرِفَ من المهدي التقرب إلى الله تعالى؛ لأنهم كانوا يتبركون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعرف معاذ ذلك من قصدهم، وقيل: إن حديث معاذ لم يصح ولو صح لكان خاصاً به لما علم فيه من فضله ونزاهته وورعه ما لا يشاركه فيه غيره، وكذلك يقال في الاستدلال بما مر من قبوله صلى الله عليه وآله وسلم الهدايا؛ لأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنه كان لا يقبل إلا ممن علم أنه طيب النفس، ومع ذلك إنه كان يكافئ عليه، على أنه معصوم عن الميل والجور الذي يخاف على غيره بسبب الهدية.
قلت: دعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، والتعليل الذي ذكروه ينفي الاختصاص؛ إذ لا مانع من أن يعلم المهدى إليه من نفسه أنه لا يحصل منه بسبب الهدية ميل ولا جور مع ما يقتضيه الظاهر الذي لم نكلف إلا به؛ من أن المعطي لم يقع منه المعطى لأجل الولاية، وفي أئمة العترة" من يعلم من حال المعطين لهم أنهم لم يقصدوا إلا التبرك لظهور فضله، وانتشار عدله، وقصر جواز الإذن على معاذ لما ذكر من نزاهته وورعه من تحجر الواسع، فإن في أئمة أهل البيت وعلمائهم، وأتباعهم من هو أورع وأنزه من معاذ رضي الله عنه.
قال بعض العلماء: وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم معاذ على اليمن قال له: ((قد علمت الذي دار عليك في مالك، وقد طيبت لك الهدية)) ولم يصح سنداً ولا معنى، فإن الهدية على وجهها لا يختص بها معاذ وعلى غير وجهها لا تجوز لمعاذ، وذلك من هدايا الأمراء.
نعم على المهدى إليه إبلاغ الجهد في معرفة حل ما يأخذ، وتيقن طيب وجهه، ولا يغتر بتصنع المهدين، وتوصلهم إلى أغراضهم بالكذب والمين، فإنهم إذا عرفوا منه عدم القبول توصلوا إلى قبوله بكل ممكن ولو بالأيمان الفاجرة؛ لأنهم ما قصدوا بذلك إلا الوجه الذي لا يجوز له مع الأخذ، ثم يأخذون أغراضهم منه بعد تمكن الصداقة في قلبه، وتأثير الهدية بعد الهدية عنده، فالحذر الحذر فإن غالب الهدايا اليوم إنما تكون لدفع ضرر أو استجلاب نفع، فلينظر العالم والوالي فيما فيه السلامة من أهوال يوم القيامة، ولا أسلم من الورع، وكف النفس عن الشبهة، والنظر في قرائن الأحوال، والتبين للمقاصد لما ذكرناه من غلبة المقاصد الرديئة، والأهواء المردية، سيما من تلبس بالولاية فإن غالب ما يهدى إليه يكون من باب الرشوة المحرمة.
قال في شرح الإبانة: وهدايا الأمراء فإنما تهدى إليهم لمكانهم من الولاية ليمتنعوا بها عن الظلم، أو يعدلوا بسبب الهدية، وأكثر ما يهدى إليهم فيكون على وجه التقية والمخافة، وطمعاً في أن لا يظلموا ولا يحيفوا، فلذلك حرم أخذها.
وروى الناصر عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبل الهدية ويدعو لصاحبها، وقال في حديث بريرة: ((لها صدقة ولنا هدية)) ومن حديث جعفر بن محمد عليه السلام : أن تكرمة الرجل لأخيه أن يقبل تحفته ويتحفه بما عنده ولا يتكلف له شيئاً فإن الله لا يحب المتكلفين. وذكر عليه السلام يعني الناصر في باب الهدية أن المهدى إليه إن كان إماماً أو حاكماً فلا ينبغي أن يأخذ الهدية، وكذلك الشاهد والمعدل.
وروى أبو الحسين الزاهد في قضائه عنه عليه السلام أنه أهدي إليه من الجيل شيء من الرُب فقبل، فلما كان اليوم الثالث جاء صاحبه مستعدياً على آخر فدعا بخادمه وأمر برد رُبِّه عليه، وأهديت إليه سفرجلة فأخذها، ثم قدم المهدي خصيماً له إليه فردها من ساعته، وكان من عادته صلوات الله عليه أنه إذا أهدي إليه شيء كان يسأل صاحبها لك ظلامة عند آخر، وكان يتربص بها حتى يتبين أمر صاحبها فإن كانت له خصومة ردها عليه، وإلا كان يستعملها، وينتفع بها.
تنبيه [في قبول هدايا الكفار]
وقد استفيد مما مر جواز قبول الهدية من الكفار لقبوله صلى الله عليه وآله وسلم هداياهم، والظاهر أنه إجماع.
قال في شرح الإبانة: ولا خلاف بين العلماء أنه تجوز الهبة من الملي المسلم ومن الذمي، والمشرك، وكذلك الهدية، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((ولو أهدي إلي ذراع لقبلت)) ولم يفصل بين أن يكون المهدي مسلماً أو غيره.
تنبيه [مكافأة الهدية]
في بعض الروايات السابقة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يثيب على الهدية، ومعنى الإثابة المجازاة عليها والمكافأة، وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الجمهور إلى عدم وجوب المكافئة، وقالوا: إنما الإثابة مندوبة فقط.
وروي عدم الوجوب عن المؤيد بالله، وفي شرح الإبانة أن الذي تقضي به مسائل الناصر أن الهبة لا يثبت لها عوض إلا بالشرط، وذكر يعني الناصر في كتاب (الألفاظ) أن الواهب إن تعرض للعوض وجب على الموهوب له فيما بينه وبين الله تعالى أن يعوضه.
قال شارح الإبانة: فدليل هذا الكلام أن الهبة بمجردها لا تقتضي الثواب والعوض، وذلك قول عامة أهل البيت، وأبي حنيفة وأصحابه.
وقال الشافعي: إذا وهب لمن فوقه فإنها تقتضي الثواب بمجردها، وقوله الثاني مثل قولنا.