قيل: لا نحكم إلا بتحريم ما كان عوضاً في مقابلة التعليم، والأدلة لا تتناول إلا ذلك، فأما إذا أخذ من المتعلم ما يعطيه على جهة البر والإحسان وإرادة وجه الواحد المنان لا لتعليمه فلا نقول بمنعه، ولا يقوله فيما أحسب أحد من أهل العرفان لخروجه عن أدلة التحريم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ما يتحفه به أصحابه وهو المعلم لكل خير والهادي إلى الرشد، وكذلك أمير المؤمنين ثم من بعده من أهل بيته" وغيرهم، وذلك معلوم لمن بحث، وجرى على ذلك علماء الأمصار في جيمع الأعصار إلى يومنا هذا، ويدل على ذلك ما ورد من الحث على الصدقة وفعل المعروف إلى كل أحد، ثم ما جاء في فضل إكرام المؤمن والإحسان إليه، ثم ما ندب الله إليه من إكرام العلماء خاصة والإحسان إليهم، فالعلماء إذا أخذوا ممن يعلمونه على هذا الوجه مهتدون بهدي النبي صلى الله عيه وسلم، ومقتدون بعمل الوصي وأهل بيته"، وعلماء السلف والخلف من هذه الأمة، وداخلون في عموم من حث الله على التصدق عليهم الأسود والأحمر، واختصوا بعد ذلك بما جاء في فضل الإحسان إلى المؤمنين ثم بما جاء من الحث على إكرام العلماء خاصة.
هذا وأما قول أصحابنا: بمنع إجارة المصاحف وتجويز إجارة سائر الكتب فقال القاضي زيد: الوجه أن إجارة المصاحف لا تجوز هو أن منفعتها وهي القراءة لا تستحق بالأجرة فلا يجوز استئجارها كما لو استأجر بيتاً على أن يبيع فيه الخمر.
قال: والمسألة مبنية على منع الاستئجار على تعليم القرآن، وكان الأولى الاستدلال بعموم الآية، والوجه في جواز إجارة سائر الكتب أن منافعها وهي القراءة فيها تجوز أن تستحق بعقد الإجارة فتصح إجارة ما هو آلة فيها كإجارة آلة الصناع.
قلت: وفي قوله إن القراءة فيها تجوز أن تستحق بعقد الإجارة نظر لما مر من الأدلة على تحريم الأجرة على تعليم العلم والمسألة مبنية على ذلك كما قال في منع إجارة المصاحف؛ أنَّ ذلك مبني على منع الاستئجار على تعليم القرآن، وذكر في حواشي الأزهار في وجه الفرق بين المصاحف والكتب أن القرآن يتعلق الوجوب بلفظه العربي ومعناه فلم يجز الاستئجار للمصاحف.
وأما الكتب فالواجب يتعلق بمعناها فقط فلم تتعين فيها الكتب والأشخاص الذين يعلمون العربية.
فإن قيل: ما وجه الفرق عند أهل المذهب بين البيع والإجارة حيث أجازوا بيع المصحف دون إجارته؟
قيل: وجهه أن البيع يتناول الجلد ونحوه والقرآن يدخل تبعاً.
وأما الإجارة فهي مشتملة على القرآن، بل لا منفعة غير القراءة.
قلت: والفرق ضعيف، والظاهر جواز إجارة المصاحف كما يجوز بيعها؛ إذ لا يتناول العقد فيهما إلا الجلد والكاغد ونحوهما، والقرآن عرض لا يمكن بيعه ولا إجارته وإن كان هو المقصود من البيع والإجارة أعني أنه إنما وقع العقد لأجله فذلك لا يمنع من بيع الجلد ونحوه وإجارته إذ ليس ذلك إلا آلة يتوصل بها إليه، ولا وجه لمنع أخذ العوض على ما هو آلة للقرآن.
تنبيه أما إذا كانت الإجارة على تعليم العلم من أموال المصالح فلا حرج في أخذها لما مر في المسألة التي قبل هذه، وإن كان الأولى جعل مثل هذا العمل العظيم متمحضاً لوجه الله والدار الآخرة، سيما إذا كان للمعلم [ما يكفيه ويكفي عياله].
المسألة الخامسة [دلالة الآية على أخذ العوض على الفتيا والقضاء]
في الآية دليل على تحريم أخذ العوض على الفتيا والقضاء إذ من أخذ على شيء من ذلك عوضاً فقد استبدل بآيات الله ثمناً قليلاً، وما تقدم من أدلة تحريم أخذ العوض على تعليم العلم يدل على هذا إذ الفتيا والقضاء نوع من التعليم.
قال بعض العلماء ما معناه: ما يأخذه المفتي على الفتيا، إما أن تكون على جهة الأجرة أو الهدية، أو الرزق المقرر المفروض من بيت المال، فهذه ثلاث صور مختلفة السبب والحكم.
فأما أخذ الأجرة فلا يجوز له؛ لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله تعالى ورسوله فلا تجوز المعاوضة عليها كما لا تجوز على تعليم الإسلام والصلاة ونحوهما، فإذا امتنع عن الجواب إلا بأجرة كان ذلك حراماً، فهو مرتكب للمحظور للحرام قطعاً.
قال: ويلزمه رده ولا يملكه، وقال بعض المتأخرين: إن أجاب بالخط حلت له الأجرة إذ لا تلزمه الكتابة، وجعل الأجرة على ذلك كأجرة الناسخ، والخط قدر زائد على الجواب.
قال: والصحيح خلاف ذلك، وأنه يلزمه الجواب مجاناً لله بلفظه وخطه لكن لا يلزمه الورق ولا الحبر.
قلت: بل يلزمه حيث لا يتم الواجب إلا به، وقدكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث الرسل إلى الآفاق لتبليغ الشرائع لما كان التبليغ لا يتم بدون ذلك؛ إذ وصول أهل الأقطار إلى مقامه الشريف يتعذر عادة، وفيهم العاجز ومن لا قدرة له على تحصيل نفقة السفر، فيجب في كلام لا يتم الواجب إلا به أن يجب بوجوبه، ومنه كتابة الفتيا حيث لا يظهر معناها للسائل ولا ينضبط له إلا بها كما هو الظاهر من حال أكثر المستفتين، وفي حكمه الورق والحبر حيث لم يكن للسائل شيء منهما، وكذلك إذا كان معه منهما شيء ولم تسمح نفسه بهما فإن تحصيلهما واجب على المفتي؛ لأن وجوب الفتيا متعلق به فيجب عليه تخليص ذمته من هذا الواجب بالممكن، وسيأتي لهذا مزيد تحقيق إن شاء الله.
قال: وأما الهدية ففيها تفصيل فإن كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته يهاديه أو من لا يعرف أنه مفتٍ فلا بأس بقبوله، والأولى أن يكافي عليها، وإن كانت بسبب الفتوى فإن كانت سبباً إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي له لم يجز له قبول هديته، وإن كان لا فرق بينه وبين غيره في الفتيا، بل يفتيه بما يفتي الناس كره له قبول الهدية؛ لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء.
وأما أخذ الرزق من بيت المال فإن كان محتاجاً جاز، وإن كان غنياً ففيه وجهان فمن ألحقه بعامل الزكاة قال النفع فيه عام فله الأخذ، ومن ألحقه بولي اليتيم منعه من الأخذ.
قال: وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي، بل القاضي أولى بالمنع.
قلت: ما ذكر في هذا التقسيم هو الذي تقضي به الآية، وما مر من الأدلة المانعة من أخذ العوض على تعليم العلم، وهذه الصور كما ذكره جارية فيما يأخذه الحاكم بل الأحكام المتعلقة بما يأخذه الحاكم أكثر من المتعلقة بما يأخذه المفتي، ولأجل تحقيق المقام وتوضيحه يكون تقسيم ما يأخذه الحاكم إلى أنواع نبين فيها ما كان أخذه حراماً، وما كان حلالاً مع إقامة الأدلة على ذلك، ومن هذه الأدلة يظهر لك ما يجوز أخذه للمفتي، وما يحرم عليه بالدليل الواضح بعون الله ولطفه، فنقول: اعلم أن ما يأخذه القاضي على أنواع:
[أنواع الأموال التي يأخذها القاضي وحكمها]
النوع الأول: [الرشوة]
أن يكون المأخوذ رشوة وهي كما في النهاية الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشا الذي يتوصل به إلى الماء.
قال: فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي: الآخذ، والرائش: الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لهذا، فأما ما يعطي توصلاً إلى أخذ حق أو دفع ظلم فليس داخلاً فيه يعني ليس داخلاً في اللعن المذكور في الحديث، وسيأتي، ولا خلاف في تحريم الرشوة.
قال في البحر: وتحرم رشوة الحاكم إجماعاً.
قلت: ومستنده الكتاب والسنة، أما الكتاب فعموم الآية وما في معناها، وفي (الجامع الكافي) وقال الله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}[البقرة:41] يقول: لا تأخذوا الرشا في حكمي فتكتموه.
وأما السنة ففي أمالي المرشد بالله أخبرنا أبوالقاسم عمر بن محمد بن سنبك البلخي، قال: أخبرنا أبوالحسين عمر بن الحسن بن علي بن مالك الأشناني، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن زكريا المروروذي، قال: حدثنا موسى بن إبراهيم المروزي الأعور، قال: حدثني موسى بن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليه السلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((القاضي إذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر وإذا جار في حكمه نزع منه الإيمان فدخل النار)) ورواه في (الشفاء).
وفي (أمالي المرشد بالله) أيضاً: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسين الجوزداني المقري، قال: أخبرنا أبو مسلم عبد الرحمن بن محمد بن شهدل، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن بن سعيد أبو عبدالله، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا حسين بن مخارق عن يعقوب ابن عربي عن الإمام الشهيد زيد بن علي عن آبائه أن علياً" قال: الرشوة على الحكم كفر.
وبه قال حدثنا حصين، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله مثله، وفيه أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن ريذة، قال: أخبرنا أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا طالب بن قرة الأذنِّي، قال: حدثنا محمد بن عيسى الطباع (ح) قال السيد: وأخبرنا أبو بكر، قال: أخبرنا الطبراني، قال: حدثنا به بشر بن موسى، قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصفهاني.
(ح) قال وأخبرنا أبو بكر قال: أخبرنا الطبراني، قال: وحدثنا عبيد بن غنام، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالوا: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن ليث بن أبي سليم، عن أبي الخطاب عن أبي زرعة، عن أبي إدريس عن ثوبان قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراشي والمرتشي والرائش.
ورواه من حديث ثوبان بن بلال في شرح الأحكام وأحمد وزاد تفسير الرائش بأنه الذي يمشي بينهما، وأخرجه أيضاً الحاكم.
قيل: وفي إسناده ليث بن أبي سليم، قال البزار: تفرد به، وقال في مجمع الزوائد: أنه أخرجه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير، وقال: في إسناده أبو الخطاب وهو مجهول.
قلت: أما ليث فقد تقدم الكلام عليه، وأما أبو الخطاب فذكر في التقريب وغيره أنه مجهول، لكن في الجداول ما يدل على أنه ممن روى له المؤيد بالله ووثقه، ولو سلمت الجهالة فالحديث صحيح لغيره.
فائدة
قال في تهذيب التهذيب: أبو زرعة المذكور في السند أبو زرعة بن عمرو بن جرير، ذكر ذلك ابن مندة، وابن عبد البر، وابن أبي حاتم، والحاكم أبو أحمد. وقيل: هو أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو الشيباني فإنه شامي، وأبو إدريس شامي.
وأما ابن عمرو بن جرير فهو: عراقي، ولا تعرف له رواية في الشاميين.
قال ابن حجر: والأول أرجح، ولا مانع أن يكون أبو زرعة لقي أبا إدريس في مكة أو غيرها.
وفي سنن أبي داود: حدثنا أحمد بن يونس، ثنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراشي والمرتشي.
وأخرجه الترمذي قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا ابن أبي ذئب فذكره بسنده ومتنه وقال: حديث حسن صحيح، وقال في المنتقى: أخرجه الخمسة إلا النسائي، وأخرجه أيضاً ابن حبان، والطبراني، والدارقطني.
قال الترمذي: وقواه الدارمي، وقال في النيل: إسناده لا مطعن فيه.
قلت: بل قد طعن فيه ابن حزم بالحارث بن عبد الرحمن وقال: ليس بالقوي، لكن لا التفات إلى كلامه فالحارث مشهور كما قال ابن معين.
روى له المؤيد بالله، ووثقه ابن حبان، وأثنى عليه غيره، واحتج به الجماعة، والحديث في الجامع الكافي وفيه قال محمد، فالراشي: الذي يرشو ليدفع بذلك حقاً، أو يعطل به حكماً.
وفي سنن الترمذي: حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراشي والمرتشي في الحكم. وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد، والحاكم، وابن حبان وصححه وهو في الجامع الصغير.
قال العزيزي: عن شيخه حديث صحيح، ورواه في الشفاء.
قال بعض العلماء: والتقييد بالحكم بناء على الغالب، وإلا فآخذ الرشوة ملعون وإن لم يكن حاكماً قاضياً، فكل من أخذ رشوة على أمر باطل من أمير ونحوه داخل في هذا، ويدل عليه عموم الحديث السابق.
قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة، وأم حديدة، وأم سلمة، وقال في النيل: في الباب عن عبد الرحمن بن عوف عند الحاكم.
وقال العلامة ابن حجر المكي الهيثمي في كتاب (الزواجر): أخرج ابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه: لعنة الله على الراشي والمرتشي. والطبراني بسند رجاله ثقات: ((الراشي والمرتشي في النار)) وأحمد: ((ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب)). والحاكم عن أبي هريرة: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراشي والمرتشي في الحكم، والرائش الذي يسعى بينهما. والطبراني بسند جيد: لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم. والحاكم: ((من ولي عشرة فحكم بينهم بما أحبوا وبما كرهوا جيء به مغلولة يداه فإن عدل ولم يرتش ولم يحف فك الله عنه، وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى وحاف فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمي به إلى جهنم فلم يبلغ قعرها خمسمائة عام)).
قلت: الراشي والمرتشي في النار رواه في الشفاء، وذكره في الجامع الصغير ونسبه إلى الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الشارح: بإسناد صحيح، وكذلك ذكر حديث: ((ما من قوم...)) إلخ منسوباً إلى أحمد من حديث ابن عمرو بن العاص. والسنة: الجدب بالدال المهملة والقحط.
وعن علي عليه السلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من اقتراب الساعة إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، واستحلوا الكبائر، وأخذوا الرشا)) رواه المرشد بالله وهو حديث طويل في أمارات اقتراب الساعة، وفي ذلك الحديث من جملة الأمارات قوله: ((وركن علماؤكم إلى ولاتكم فأحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، وأفتوهم بما يشتهون، وتعلم علماؤكم العلم ليجلبوا به دنانيركم ودراهمكم واتخذتم القرآن تجارة))..
وفي مجموع زيد بن علي عليه السلام عن علي عليه السلام مرفوعاً: ((لا تزال أمتي يكف عنها ما لم يظهروا خصالاً عملاً بالربا وإظهار الرشا))...الخبر.
وهو في أمالي أحمد بن عيسى، وأحكام الهادي عليه السلام ، والمراد يكف عنها البلاء، وقد صرح به في بعض نسخ المجموع.
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا الشريف أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن الحسني بقراءتي عليه، قال: أخبرنا محمد بن علي بن الحكم، قال: أخبرنا محمد بن عمار العجلي قراءة عليه، قال: حدثنا أحمد بن عيسى بن هارون العجلي، قال: حدثنا علي بن عمروس الأنصاري، قال: حدثنا أبو عمارة الأنصاري، عن إبراهيم بن محمد، عن حمزة بن أبي حمزة الجعفي، عن الإمام زيد بن علي عليه السلام ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا كان رشوة عن دينكم فلا تأخذوه ولن تتركوه يمنعكم من ذلك الفقر والفاقة إن بنا فرج فارس والروم قد دار، وإن رحى الإيمان دائرة فحيث ما دار القرآن فدوروا معه، فيوشك السلطان والقرآن أن يفترقا، ويحكمون لكم بحكم ولهم بغيره فإن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم، فكونوا كأصحاب عيسى عليه السلام نشروا بالمناشير ورفعوا على الخشب، إن موتاً في طاعة الله خير من حياة في معصية الله، وإن أول ما نقص من بني إسرائيل كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر شبه التعذير إذا لقى أحدهم صاحبه الذي كان يعيبه آكله وشاربه كأنه لم يعب عليه شيئاً فلعنهم الله على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون الآية، والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم فتأطروه على الحق أطراً أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض)).
أما أبو عبد الله فهو: محمد بن الحسن بن علي بن الحسين بن عبد الله بن القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبو عبد الله العلوي الكوفي الثقة العالم الفقيه، مسند الكوفة، أحد مشائخ المرشد بالله وابن المغازلي، وهو مصنف الجامع الكافي، وناهيك به شاهداً على جلالته وغزارة علمه، وله كتاب التأذين بحي على خير العمل.
وقال الذهبي في حقه: ما رأيت من كان يفهم فقه الحديث مثله، وكان حافظاً، توفي سنة خمس وأربعين وأربعمائة، والحديث أخرجه عبد بن حميد عن معاذ بن جبل مرفوعاً.
قوله: ((تأطروه أطراً)).
وفي الجامع الصغير مرفوعاً: ((خذوا العطاء مادام عطاء فإذا تحافت قريش بينها الملك وصار العطاء رشاء عن دينكم)).
ونسبه إلى البخاري في [جامعه] وأبي داود من حديث ذي الزوائد واسمه يعيش، ومعنى قوله: ما دام عطاء ما دام لله لا لغرض دنيوي فيه فساد دين الآخذ، ومعنى قوله: رشوة عن الدين أن يعطي العطاء ويحمله على فعل ما لا يجوز، وهذه الأحاديث تدل على تحريم أخذ الرشوة، وقد عرفت مما ذكره في النهاية أنها ما أخذ على الباطل، وفي ذلك تفصيل وخلاف سيظهر من الكلام على أطراف المسألة.
واعلم أن الأحاديث قد تضمنت نهي المرتشي والراشي والرائش
فأما المرتشي وهو الحاكم فمعنى الرشوة في حقه: أن يعطيه الراشي ليحكم له بحق أو باطل، وهذا لا إشكال في تحريمه على الحاكم، والظاهر أنه إجماع كما أطلقه في البحر،أما إعطاؤه ليحكم له بالباطل فظاهر، وأما لأجل الحكم بالحق؛ فلأن المدفوع في مقابلة واجب وذلك محرم أيضاً، وقد ألحق علماؤنا وغيرهم بذلك كل ما لا يتوصل به إلى نيل ما لا يستحق، أو إلى أذية مسلم، أو ظلم إنسان أو نحو ذلك، وسواء كان الآخذ على هذه الأمور حاكماً أو غيره، وقد نص الأمير الحسين على عدم الفرق بين أن يكون الآخذ الحاكم أو الشهود أو السلاطين إذا أخذوا على باطل، والوجه في إلحاق ما ذكر أن الرشوة هي كل مال دفع ليتوصل به إلى باطل، وما ذكرنا في هذه الصور فهو من الباطل، فمن أخذ في مقابلة فهو رشوة محرمة لعموم ما مر، ولقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}[البقرة:79] فجعل معاقباً على كسبه من الفعل المحرم.