المسألة الرابعة [أخذ الأجرة على تعليم العلم]
في الآية دليل على تحريم أخذ الأجرة على تعليم العلم، ووجه الاستدلال بها يعلم مما مر، وهذا هو المصحح للمذهب.
ففي (شرح الأزهار) قال أبو مضر والإمام يحيى، والفقيه محمد بن يحيى: لا يجوز الاستجئار على سائر العلوم الدينية أبو مضر، ويلزم من تجويز أبي عباس إجارة الكتب أن يجوز.
قلت: لأن مذهب أبي عباس أنه يجوز استئجار سائر الكتب سوى المصاحف للقراءة فيها، ومنع من إجارة المصحف.
وروى هذا عنه القاضي زيد، وهو المصحح للمذهب-أعني أنه يجوز التأجير في الكتب دون المصاحف-.
وقال المنصور بالله وأبو مضر: لا يجوز في الجميع.
واعلم: أنه قد تقدم في المسألة التي قبل هذه، وفي التي قبلها ذكر الخلاف في المسألة-أعني مسألة أخذ الأجرة على تعليم العلم وكتابته بالأجرة وتأجير كتبه.
وممن نص على جواز أخذ الأجرة على تعليم العلم وكتابته بالأجرة: ابن حزم.
وقال في (شرح الإبانة): ويجوز للرجل أن يستأجر كتاباً فيه كلام أو فقه، أو لغة، أو شعر ليقرأ فيه عند أصحابنا، والشافعي خلاف أبي حنيفة.
والحجة على منع أخذ الأجرة على تعليم العلوم الدينية الآية كما قدمنا، وكل ما تقدم من الأدلة على تحريم الأجرة على تعليم القرآن، يدل على ذلك، لأن القرآن هو العلم الحقيقي، ومنه تؤخذ سائر العلوم الدينية التي يجب تبليغها وتعليمها، ولهذا جاء في الحديث في وصفه ((وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل)) وجاء فيه أنه لا تشبع منه العلماء، وأنه يدل على خير سبيل، وأنه الدليل على المعرفة، وكل هذا قد تضمنته أحاديث قد تقدمت.

ومن كلام علي عليه السلام في وصفه: فهو معدن الإيمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، رواه في (النهج)، وكونه العلم الحقيقي، والأصل الذي يؤخذ منه كل علم نافع أمر معلوم، لا يشك فيه إلا جاهل ظلوم، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حكم سائر العلوم الدينية حكمه في تحريم أخذ الأجرة على تعليمه؛ ولأن تبليغ العلم واجب فمن أخذ عليه شيئاً فهو من الآكلين لأموال الغير بالباطل، ولأن الإخلاص شرط، ومن أخذ الأجرة غير مخلص، وكون تبليغ العلوم الشرعية واجب فهو معلوم، وسيأتي الاستدلال على وجوب تبليغه وتحريم كتمانه إن شاء الله.

ومن الأدلة على تحريم الأجرة على تعليم العلم ما رواه أبو طالب في أماليه قال: أخبرنا أبي -رحمه الله-، قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن أبي عبيد الله، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن عمر بن أُذينة، عن أبان ابن أبي عياش، عن سليمان بن قيس الهلالي قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((منهومان لا يشبعان: منهوم دنيا، ومنهوم علم، ومن اقتصر من الدنيا على ما أحل الله له سلم، ومن تناولها من غير حلها هلك إلا أن يتوب ويرجع، ومن أخذ العلم عن أهله وحملته نجا، ومن أراد به الدنيا فهي حظه منها، والعلماء رجلان: آخذ بعلمه فهذا ناجٍ، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك، وإن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، وإن أشد الناس ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله سبحانه فاستجاب له وأطاع الله فأدخله الجنة وأدخل الداعي النار بترك علمه واتباعه هواه)).وله عند أبي طالب عليه السلام طريق أخرى. قال: أخبرنا أبي -رحمه الله- قال: أخبرنا أبو القاسم حمزة بن أبي القاسم العلوي العباسي، قال: أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي فذكره إلى آخره باختلاف يسير في المتن، وفيه: من أخذ العلم عن أهله وعمل به نجا.

أما أحمد بن أبي عبد الله فقال في (الجداول): أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن علي بن الحكم، والحسن بن محبوب، والحسن بن يزيد النوفلي، وبشر بن عبد الله، وبكر بن صالح، والقاسم بن يحيى، وعنه محمد بن الحسن الصفار، وفي موضع من الأمالي أحمد بن عبد الله البرقي، عن جده أحمد بن محمد، وفي موضع منها أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد البرقي، وفي موضع عن الحسن بن محبوب، وفي موضع أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن الحسن بن فضالة، وعن الجميع محمد بن الحسن الصفار قال: والنسبة إلى برقة قرية بـ(قم)، وأهل (قم) كلهم شيعة.
قلت: قد ترجم لبعض هؤلاء في (الجداول) فقال: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وذكر أنه روى عن جده، وحماد بن عيسى وغيرهما.
قال في (التذكرة): كان من الحُفاظ المتقنين، وهو من رجال أبي طالب والمرشد بالله.
وقال أحمد بن محمد بن عيسى: أبو جعفر القمي، عن حسين بن سعيد وغيره، وعنه سعيد بن عبد الله، ومحمد بن الحسن الصفار.
قال الذهبي: العلامة أبو جعفر شيخ الرافضة بقم، له تصانيف وشهرة، كان في حدود الثلاث مائة.
وقال فيها أيضاً: أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن أبيه وعن علي بن نعمان، ويحيى بن يزيد النوفلي، وعنه حفيده أحمد بن أبي عبد الله البرقي، ومحمد بن عبد الله بن يحيى.
قال ابن حجر: عالم الشيعة، له تصانيف في الرفض.
وقال الذهبي: من كبار الرافضة، وذكر في (الجداول) أيضاً: محمد بن خالد البرقي، وأنه روى عن محمد بن أحمد بن أبي نصر، والحسين بن زيد بن علي، وعنه أحمد بن محمد الأشعري وولده أحمد بن محمد، وذكره في (الإكمال).
وأما حماد فهو: ابن عيسى بن عبيدة الجهني، روى عن الصادق وغيره.
قال ابن معين: شيخ صالح غرق بالجحفة سنة ثمان ومائتين، احتج به الترمذي وابن ماجة، وروى له أبو طالب والمرادي، وضعفه أبو حاتم، وابن حجر.

وروى الموفق بالله عليه السلام في (سلوة العارفين) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((من تعلم علماً مما يبغى به وجه الله لا تعلمه إلا ليصيب عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة-يعني ريحها-)) ورواه الغزالي في (الإحياء) ولفظه: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من طلب علماً مما يبتغي به وجه الله تعالى ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)) ونسبه العراقي في (التخريج) إلى أبي داود وابن ماجة، قال: بإسناد جيد.
وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((من تعلم علماً لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار)).
وروى الموفق بالله عليه السلام في (السلوة) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تطلبوا العلم لثلاث خصال: لتباهوا به العلماء ولا لتباهوا به السفهاء ولا لتصرفوا وجوه الناس إليكم فمن فعل ذلك فهو في النار، تعلموا لله والدار الآخرة)) ورواه في (الإحياء) بلفظ: ((لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولتماروا به السفهاء ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم فمن فعل ذلك فهو في النار)).نسبه العراقي في (التخريج) إلى ابن ماجة من حديث جابر، قال: بإسناد صحيح.
وفي (الجامع الصغير) من حديث كعب بن مالك مرفوعاً: ((من طلب العلم ليجاري به العلماء وليماري به السفهاء أو يصرف وجوه الناس إليه أدخله الله النار)) وعزاه إلى الترمذي.
والمباهاة والمجاراة: بمعنى واحد هنا يجري معهم في المناظرة ليظهر علمه رياء وسمعة، والمماراة: المحاججة والمجادلة، ومعنى صرفه وجوه الناس إليه: أن يطلبهُ بنية تحصيل المال والجاه وصرف وجوه العوام إليه.

وفي (أمالي المرشد بالله): أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن ريذة، قال: أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا الحضرمي عن محمود بن غيلان، قال: حدثنا نصر بن خالد النحوي، قال: حدثنا هداب، عن إبراهيم بن الضريس، عن الهيثم عن الجارود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من طلب الدنيا بعمل الآخرة طمس وجهه، ومحق ذكره، وأثبت اسمه في النار)).
قال المرشد بالله: الجارود بن عمرو المعلى العبدي يكنى أبا المنذر، وفي نسبه بين النساب خلاف، وله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أحاديث.
قلت ذكر في (الجداول): أنه أسلم سنة تسع، ثم سكن (البصرة)، وروى عنه مطرق وابن سيرين وخلق، توفي سنة إحدى وعشرين.
وقال في (التقريب): صحابي جليل استشهد سنة إحدى وعشرين، وقد وصفه أمير المؤمنين بالصلاح، فقال في كتابه إلى ولده المنذر بن الجارود: أما بعد: فإن صلاح أبيك غرني منك. رواه في (النهج).
وأما الحضرمي فهو: محمد بن عبد الله الحضرمي أبو جعفر الكوفي مطين الحافظ، وثقه الذهبي والطبراني، توفي سنة سبع وتسعين ومائتين.
وأما محمود فهو: ابن غيلان العدوي، مولاهم أبو أحمد المروزي الحافظ، روى عنه الجماعة وغيرهم، إلا أبا داود، وثقه النسائي، وقال أحمد: صاحب سُنة، توفي سنة تسع وثلاثين ومائتين، روى له المرشد بالله ووالده.

وروى الغزالي في (الإحياء) عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((علماء هذه الأمة رجلان: رجلٌ آتاه الله علماً فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعاً ولم يشتر به ثمناً فذلك تصلي عليه طير السماء وحيتان الماء، ودواب الأرض، والكرام الكاتبون، يقدم على الله عز وجل يوم القيامة سيداً شريفاً حتى يرافق المرسلين، ورجل آتاه الله علماً في الدنيا فضن به على عباد الله وأخذ عليه طمعاً واشترى به ثمناً فذلك يأتي يوم القيامة ملجماً بلجام من نار ينادي مناد على رؤوس الخلائق هذا فلان بن فلان آتاه الله علماً في الدينا فضن به على عباده وأخذ به طمعاً واشترى به ثمناً فيعذب حتى يفرغ من حساب الناس)) نسبه الغزالي في (التخريج) إلى الطبراني في (الأوسط)، وقال: باسناد ضعيف، قوله: ((فضن به)): أي بخل به.
وفي كتاب (جامع بيان العلم) لأبي عمر بن عبد البر، حدثنا أحمد بن محمد بن هشام، قال: حدثنا علي بن عمر بن موسى، قال: حدثنا الحسن بن عبد الله أبو أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن المغيرة المخزومي، قال: حدثني أخي، عن أبيه، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أنزل الله في بعض الكتب أو أوحى إلى بعض الأنبياء قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون للناس مسوك الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب وألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر إياي يخادعون وبي يستهزءون لأُتيحنَّ لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيراناً)) رواه الموفق بالله في (سلوة العارفين).
قال: أخبرني عبد الله بن أحمد بن موسى فذكره بسنده ومتنه إلا أنه قال: عن أبي إدريس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يذكر أبا الدرداء.

وفي (سلوة العارفين) للموفق بالله عليه السلام : أخبرني أبو الحسن علي بن أحمد، أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن الحسن، حدثنا أبو وهب يحيى بن موسى بن إسحاق، حدثنا عثمان بن عمر بن مهران الأيلي، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن أيوب عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة في الدين والتمكن في البلاد مالم يعملوا عمل الآخرة للدنيا، ومن يعمل عمل الآخرة للدنيا لم يقبل منه وليس له في الآخرة من نصيب)) والحديث في (الجامع الصغير) بلفظ: ((بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والنصر والتمكن في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب)) ونسبه إلى أحمد وابن حبان والحاكم، والبيهقي في (الشعب) من حديث أُبي بن كعب.
قال العزيزي: ورجال أحمد رجال الصحيح، والسناء بالمد: الرفعة، وقوله: والدين أي: التمكن فيه، وقوله: والرفعة: أي في الدارين، والمراد بجعل عمل الآخرة للدنيا أن يجعل عمله الأخروي وسيلة إلى تحصيل الدنيا.
ومن كلام علي عليه السلام لكميل بن زياد: (إن هاهنا علماً جماً، وأشار بيده إلى صدره لو أصبت له حملة، بل أصيب لَقِناً غير مأمون عليه مستعملاً آلة الدين للدنيا، ومستظهراً بنعم الله على عباده، وبحججه على أوليائه)...إلى أن قال: (أو منهوماً بالِلذة، سلس القياد للشهوة أو مغرماً بالجمع والادخار، ليسا من رعاة الدين في شيء) رواه في (النهج) و(سلوة العارفين) وهو حديث مشهور مبسوط، رواه جماعة من أئمتنا وغيرهم، حتى قال ابن عبد البر ما معناه: أنه استغنى بشهرته عن ذكر إسناده، واللقن: الحاذق.
وعن سفيان بن عيينة قال: (بلغنا عن ابن عباس أنه قال: لو أن حملة العلم أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبهم الله وملائكته والصالحون وَلَهاَبَهِمُ الناس، ولكن طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على الناس) رواه ابن عبد البر في كتاب (العلم).

وفي (أمالي المرشد بالله): أخبرنا الشريف أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن الحسني البطحاني بقراءتي عليه، قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن النحاس قراءة عليه، قال: أخبرنا علي بن العباس البجلي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا علي بن عابس، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن عبد الله بن مسعود قال: كيف أنتم إذا ألبستكم فتنة يشيب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير تتخذونها سنة إن غيرت؟ قيل: غيرت السنة.
قيل: ومتى ذاك يا أبا عبد الرحمن؟
قال: إذا كثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت شعراؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين. ورواه ابن عبد البر في كتاب (العلم) بسند آخر.
قال: حدثنا سعيد بن مضر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا موسى بن معاوية، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود فذكره مع اختلاف في بعض ألفاظه.
وروى ابن عبد البر بإسناده إلى محمد بن يحيى بن حبان، قال: حدثني رجل من أهل (العراق) أنهم مروا على أبي ذر فسألوه يحدثهم، فقال لهم: تعلمُن أن هذه الأحاديث التي يبتغى بها وجه الله لا يتعلمها أحد يريد بها عرض الدنيا، أو قال لا يريد بها إلا عرض الدنيا فيجد عرف الجنة أبداً.
قال عبد الله بن المبارك: عرفها: ريحها، وروى بإسناده إلى أبي العالية قال: مكتوب عندهم في الكتاب الأول: ابن آدم علم مجاناً كما علمت مجاناً. قال أبو عمر: معناه عندهم كما لم تغرم ثمناً فلا تأخذ ثمناً، والمجان عندهم الذي لا يأخذ بعلمه ثمناً.

فهذه الأدلة وما أشرنا إليه مما مر في المسألة التي قبلها تدل على أنه لا يحل أخذ الأجرة على تعليم الأجرة؛ لأنها قد تضمنت تحريم جعله وسيلة إلى الدنيا، ومن أخذ الأجرة على تعليمه فقد جعله وسيلة إليها، واستعمل آلة الدين للدنيا، وبهذا يبطل قول ابن حزم إنه لم يأت في النهي عن ذلك نص، ولا حجة لمن أجاز ذلك إلا حديث: ((أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) وحديث الواهبة نفسها.
قلنا: هذان الحديثان قد تقدم الكلام عليهما وأوضحنا أن حديث: ((أحق ما أخذتم عليه أجراً)) محمول على ما ليس بواجب ولا محظور كما يشعر به سببه، وأن حديث الواهبة نفسها محمول على التكرمة لقيام الدليل على منع أخذ العوض على تعليم كتاب الله تعالى.
فإن قيل: ما ذكرتموه من الأخبار إنما يدل على تحريم طلبه مقصوداً به الدنيا، وهو خارج عن محل النزاع؛ إذ النزاع في أخذ العوض على تعليمه.
قلنا: الآية ظاهرة فيما ذهبنا إليه، وكذلك حديث: ((من طلب الدنيا بعمل الآخرة)) وحديث ابن عباس: ((علماء هذه رجلان. ..إلخ ونحوهما.
وأما الأحاديث التي علق الذم والتحريم فيها بالطلب مراداً به الدنيا، فوجه الاستدلال بها أنها تتناول من قصد بطلبه أنه يعلم بالأجرة، وإذا كانت متناولة له وجب أن تكون الأجرة محرمة، وإلا لما جاز الوعيد عليها.
فإن قيل: هذه الأدلة إنما تدل على تحريم أخذ العوض على التعليم حيث قصد بتعليمه التوصل إلى العوض، فأما إذا لم يقصد ذلك فلا وجه لتحريم ما أخذه ولا تقتضيه هذه الأدلة.

266 / 329
ع
En
A+
A-