وأما قولهم بضعف الأحاديث المفيدة للمنع فلا نسلم، وكيف يقال بضعف ما رواه أهل بيت التطهير، وقرناء التنزيل مع أن من أنصف علم أن مجموع ما ذكرناه من رواية الأئمة والمحدثين على كثرته مما تفيد المطلوب من التحريم، على أنا قد أوضحنا الكلام على رجال بعض تلك الأحاديث فوجدنا من وثقهم ومن ضعفهم، وكذلك وجدنا في رجال حديث البخاري من وثقهم ومن ضعفهم، وقد ذكرنا ذلك، فليس القدح بذلك الاختلاف فيما استدللنا به بأولى من القدح به في حديث ابن عباس.
وأما قولهم أن المنع للتأكل بالقرآن لا يستلزم المنع فيما دفعه المتعلم بطيبة من نفسه، فنقول: بل يمنعه إذ ليس المراد بالتأكل حقيقته، وإنما المراد أخذ العوض وقبول المال على تعليمه.
وأما قولهم إن النهي عن السؤال به غير أخذ الأجرة عليه فقد مر تحقيق معنى السؤال المراد في الأحاديث، مع أنا لا نخص المنع بما كان على جهة الأجرة، بل نجري مجراه ما أعطي بسبب التعليم بدليل حديث عبادة، وحديث أُبي في القوس والطعام، وعموم المنع من التأكل به.
وأما قولهم إن حديث عبادة وحديث أبي واقعتان في عين فمسلم، لكنا لا نسلم أنه لم يعرف المراد منهما، فإن الظاهر من السياق وترتيب إعلامهما بالوعيد على الأخذ ممن علماه القرآن يدل على أن العلة في منعها هو كونهما أخذ ممن تعلم منهما القرآن، وأنه أعطاهما لأجل تعليمهما وقد صرح بذلك في إباحة الأكل من الطعام الذي يظهر أن المتعلم لم يعده لأُبي بن كعب، سلمنا، فسائر الأدلة تفيد أن علة التحريم التعليم.
وأما قولهم إنه لا حجة في الآثار فمسلم لكنها إذا قرنت بمثل هذه الأخبار أفادت بيان المجملات، ودفع الاحتمالات، على أن فيها ما يدل على أن ذلك إجماع الصحابة كما في رواية عبد الله بن شقيق، وقد مر في مسألة بيع المصاحف أن كثيراً من السلف من الصحابة وغيرهم كانوا يكرهون أن يأخذوا لكتاب الله ثمناً.
إذا عرفت هذا فالأولى أن يقال العمل بالدليلين هو الواجب مهما أمكن، وهاهنا الجمع ممكن بلا كلفة بأن تحمل الآية وما في معناها على تحريم أخذ العوض على كل أمر واجب يتعلق بالقرآن من تعليمه، وتبليغ أحكامه المستنبطة منه؛ لأن الواجب منه يجب تبليغه لوجهه، أو محظور كالتحريف والتبديل والكتم لأحكامه ونحو ذلك مما يتعلق به من هذين النوعين، لأن الأخذ على أحد هذين الوجهين يكون من أكل أموال الناس بالباطل، ويحمل حديث ابن عباس وما في معناه، كأحاديث الرقية على جواز أخذ العوض على ما يصح تعلقه بالقرآن من الأمور التي ليست بواجبة ولا محظورة كالرقية والتلاوة ونحوهما مما يمكن تعلقه به على هذا الوجه، ويدخل في ذلك كتابته بالأجرة، وهذا جمع حسن يقتضيه العقل والشرع.
أما العقل: فلأنه لا قبح في أخذ العوض على ما هذا حاله.
وأما الشرع: فلأنا لم نجد فيه منعاً من أخذ العوض على ما ليس بواجب ولا محظور يعلم ذلك من ضرورته مع ما فيه من الجمع، وعدم الإهمال، واعتبار عموم لفظ الحديث وهو أولى من قصره على سببه الذي هو الرقية، وكون سبب الحديثمما لا يتصف بالوجوب مما يؤيد هذا الجمع. والله الموفق.
تنبيه [جواز أخذ العوض على تعليم القرآن]
قد مر في أثناء المسألة ما يدل على أنه يجوز أخذ العوض على تعليم القرآن وقراءته ونحوهما من بيت المال وهو الظاهر؛ لأنه موضوع لمصالح المسلمين، ومن قام بمصلحة من مصالحهم كان حظه عليها ثابتاً، يؤيده أن أمير المؤمنين كان يأخذ كفايته من بيت المال كما يدل عليه قوله: إن للوالي قصعتان من بيت المال، قصعة له ولعياله، وقصعة لنائبته، هذا معنى الرواية.
وكان القيام بأمر الأمة متعين عليه، وسيأتي أنه عليه السلام كان يرزق القضاة من بيت المال، والقضاء واجب، ومن تتبع جزئيات عمل السلف وتبعهم الخلف في جميع أمصار المسلمين علم علماً ثابتاً قاطعاً أنهم لا يتحاشون، ولا يتورعون من الأخذ من بيت المال بسببب اشتغالهم ببعض مصالح المسلمين، وإن كانت تلك المصلحة من الواحبات، ولو كان ثمة إنكار أو ترك لنقل، وما نقل من بعضهم من عدم القبول من السلطان فإنما هو لفساد الملوك وضمهم إلى بيت المال ما ليس منه، حتى اختلط الحلال بالحرام، والتبس الحق بالباطل.
تنبيه [اقتضاء أدلة تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن]
ظاهر الأدلة السابقة القاضية بتحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن أنه لا فرق بين الصغير والكبير، ورواية عبد الله بن شقيق نص في كراهة أخذ الأجرة على تعليم الصغير، فإن صح الإجماع المذكور في أول المسألة على الجواز على تعليم الصغير فهو مخصص للأدلة، وصارف للكراهة المروية عن الصحابة إلى التنزيه، لكن الظاهر من نقل الخلاف عدم الفرق بين الصغير والكبير إلا عند الهدوية.
قال الشوكاني بعد أن ذكر جماعة من القائلين بالتحريم: وظاهره عدم الفرق بين أخذها على تعليم من كان صغيراً أو كبيراً.
وقالت الهادوية: إنما يحرم أخذها على تعليم الكبير لأجل وجوب تعليمه القدر الواجب، وهو غير متعين، ولا تحرم على تعليم الصغير لعدم الوجوب عليه.
نعم أما لو كانت الإجارة على تعليم الخط والهجاء فروى أبو مضر الإجماع على ذلك، ويدل عليه ما رواه البيهقي في (السنن) قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن أحمد بن رجاء الأديب، ثنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي، ثنا محمد بن موسى الحلواني أبو جعفر، ثنا موسى بن خاقان، وفضل بن عمران الأعرج قالا: ثنا علي بن عاصم، قال: أخبرني داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لم يكن لأناس من أسارى بدر فداء فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة، فجاء غلام من الأنصار يبكي يوماً إلى أبيه فقال له أبوه: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي.
قال: الخبيث يطلب بذحل بدر والله لا تأتيه أبداً، قوله بدخل.
تنبيه [في بيان المذهب في أخذ الأجرة]
تقدمت الإشارة إلى جواز أخذ الأجرة على تلاوة القرآن وهو نص أهل المذهب.
قال في (شرح الأزهار): وأما أخذ الأجرة على قراءة القرآن على قبور الموتى أو على غير قبورهم فجائز، كما قال أهل المذهب في جواز أخذ الأجرة على الرقية، لأنها ليست واجبة على الراقي.
وبه قالت: [الشافعية] وحكى السيد محمد بن إسماعيل الأمير جواز أخذ الأجرة على التلاوة عن القائلين بجواز الأخذ على التعليم وهو الظاهر، لأنهم إذا أجازوا على التعليم وهو واجب فبالأولى أن يجيزوا على ما ليس بواجب.
وأما غيرهم فالقائلون بالجواز من ذكر، ولم أقف على خلاف فيه لأحدٍ، إلا عن الشيخ العلامة محمد بن حيوة السندي فإنه نص على المنع من أخذ الأجرة على تلاوة القرآن، ويؤخذ هذا القول لعمر بن الخطاب من كراهته لاعطاء عمار الذين قرءوا القرآن في رمضان وإنكاره قول سعد: من قرأ القرآن ألحقته على ألفين، وقد مر ذلك في أول المسألة، لنا وجوه:
أحدها: أن الأصل ثبوت الإجارة في شرعنا وشرع من قبلنا على الأفعال، كما حكى الله تعالى من تأجير شعيب لموسى عليه السلام ، وصح استئجاره صلى الله عليه وآله وسلم دليلاً في سفره من مكة مهاجراً، وثبتت الإجارة على الأقوال كما في حديث الرقية، وثبتت الإجارة في الخصومات وغيرها، وبالجملة إن جواز الإجارة معلوم من الدين ما لم يرد منع شرعي، بلى فرق بين الأقوال والأفعال، والتأجير على تلاوة القرآن داخل تحت هذا الأصل، ولم يرد فيه منع خاص، بل جاءت السنة بتقريره وهو حديث ابن عباس فإنه دال بعمومه على جواز أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله وتلاوته والرقية به ونحو ذلك، ويخص أخذها على ما كان واجباً أو محظوراً من الأمور المتعلقة به كالتعليم بالأدلة السابقة كما مر، ويبقى ما لم يكن كذلك داخلاً تحت العموم.
الوجه الثاني: أنه قد صح التأجير على الرقية، وذلك في المعنى تأجير على التلاوة؛ إذ الرقية بالقرآن، إنما تكون بالتلاوة، وأيضاً التأجير على التلاوة إنما هو كهذه الأوقاف على قراء القرآن والعلماء والمتعلمين في جميع الأمصار، وهو شيءٌ مجمع عليه بين أهل المذاهب من زيدي وحنفي، وشافعي ومالكي وغيرهم، ويعدونه من القرآن، ويحثون عليه، ويرافعون من منع شيئاً من ذلك إلى ولاة الأمر من أئمة أهل البيت وغيرهم، فيلزمون من ثبت عليه شيء من ذلك بتسليمه إلى أهله، فلوحرمت الأجرة على التلاوة لحرم هذا، إذ هو من أخذ العوض على تلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه.
الوجه الثالث: أن التلاوة على نية المؤجر، ومطابقة قصده غير واجبة ولا محظورة، فيجب أن يجوز أخذ العوض عليها كسائر الأمور التي تفعل مطابقة لمراد الغير.
الوجه الرابع: أن التالي بالأجرة كالغازي في سبيل الله يريد الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، ولينال قسطاً من الغنيمة، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام لما خلفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك (يانبي الله والله ما أملك شيئاً وما عندي شيء ومالي غنى ...... مع المسلمين فأعود به على وئام أهل بيتك) وقد شبه صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بأم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها، وقد أجمع العلماء على جواز الجمع بين الحج والتجارة، وأنزل الله في ذلك: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ}[البقرة:198].
احتج الشيخ محمد فيما مر من الأحاديث الدالة على منع التأكل بالقرآن، والسؤال به.
قلنا: قد مر أن ذلك محمول على ما إذا كان التأكل به، والسؤال به في مقابلة أمرٍ واجب أومحظور يتعلق بالقرآن كالتعليم والتحريف، وقد قررنا ذلك فيما مر بما لا مزيد عليه.
وقال السيد محمد بن إسماعيل الأمير-رحمه الله-: قد بين لنا صلى الله عليه وآله وسلم أن أخذ الأجرة عليه جائزة، وأن أحق ما أُخذ عليه أجراً كتاب الله، وجعل تعليم آيات منه صداقاً، فلابد أن يراد بالتأكل به غير هذه الأنواع الجائزة التي من جملتها التأجر على تلاوته، ونظرنا فيمن تُصُدِّقَ عليه أنه متأكل بالقرآن، فإذا هم الذين يحرفونه، ويقلبون معانيه كالخوارج لصدق قوله: يقيمونه كما يقام السهم عليهم، وقد وصف الخوارج بذلك، وبأن أصحابه يحقرون قراءتهم عند قراءتهم، وأخبر أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وقد حرفوا كلام الله، وأراقوا دماء المسلمين، وكفروا به خير خلق الله في زمانهم بإجماع المسلمين وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، ومثلهم الباطنية حرفوا كلام الله، وجعلوا له باطناً وظاهراً، وتأكلوا به، وكذلك طوائف الرافضة والصوفية، هذا حاصل كلامه.
قال: ولا يخفى أن لأهل المذهب المتعصبين قسطاً وافراً من هذا التحريف يعرفه من قلع غرس التمذهب عن أرض قلبه، واستبدل السنة والكتاب من قال أهل مذهبنا والأصحاب، وذكر أن تأكل هذه الفرق به معلوم، فإنه بسبب تحريفهم معانيه قالوا عند أتباعهم رئاسة، وحصلوا منهم أموالاً عديدة، وهذا لا ينكره أحد.
قال: فمن تلا كتاب الله مريداً به وجه الله وأخذ الأجرة على تفريغ ساعاته للتلاوة، ووهب أجر تلاوته لعبد من عباد الله لا يُعد ممن تأكل بكلام الله، ولا يقول هذا من له أدنى إلمام بالمعارف العلمية بعد إقرار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأخذ الأجرة على الرقية بالقرآن، وجعل تعليمه مهراً.
قلت: وهو كلام حسن إلا أنه قصر المنع على الصورة المحظورة التي هي التحريف ونحوه، لجزمه بضعف حديث عبادة في التعليم، والأولى ما قدمناه من أن المنع يتناول أخذ الأجرة على الأمور المحظورة المتعلقة بالقرآن كما ذكره، وعلى ما يتعلق به من الأمور الواجبة، لما قد قدمنا من الأدلة، والعجب من السيد-رحمه الله- حيث لم يرفع نظره إلى ما رواه أئمة أهله كزيد بن علي، والهادي عليهما السَّلام فالله المستعان.
فإن قيل: التأجير على التلاوة من الإيثار بالقرب، وقد كره السلف ذلك، فكرهوا أن يؤثر الإنسان غيره بمكانه في الصف الأول من صفوف الصلاة.
قيل: لا نسلم الكراهة للعلم الضروري بحسن الدعاء للوالدين والمؤمنين، وهو من التأثير بالقرب، وقد جاء في الحث على الدعاء للغائب ما هو ظاهر لا يخفى، وجرى على ذلك سلف الأمة وخلفها، فإنهم بلا ريب يدعون للمسلمين كافة، ومن أوضح الأدلة ما ورد في صلاة الجنازة من الدعاء للميت، وما حكاه الله عن الملائكة من قولهم: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا}...الآية[غافر:7].
وما ورد من الترغيب في الصلاة على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشراً.
وفي كتاب (الذكر) لمحمد بن منصور المرادي: حدثنا محمد، قال: حدثنا هناد، قال: ثنا قبيصة بن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أُبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: ((يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاءت الموت بما فيه جاءت الموت بما فيه)).
قال أُبي: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ((ماشئت)). قلت: الربع. قال: ((ما شئت، فإذا زدت فهو خير لك)).قلت: النصف.قال: ((ما شئت، فإذا زدت فهو خير لك)).قلت: أجعل لك صلاتي كلها.قال: ((إذاً تكفى همك، ويغفر ذنبك)).
قيل لأبي جعفر محمد بن علي: كيف يجعل له صلاته؟
قال: إذا افتتح الدعاء فصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والحديث أخرجه أحمد، والترمذي، والحاكم وصححه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
فلو كان التأثير بهم بالقرب مكروهاً ما قرر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أُبي بن كعب على ذلك، على أن المؤثر ينال بسبب التأثير من الثواب والأجر العظيم، ونيل مطلوبه أعظم من ما آثر به كما يدل عليه حديث أُبي وغيره.
والمراد بالصلاة: أن المؤثر بها في حديث أُبي الدعاء كما يُفهم من الحديث، ومن تفسير أبي جعفر عليه السلام ، وقيل: بل المراد بها ذات الأذكار والأركان ترجيحاً للحقيقة الشرعية على اللغوية، وهو بعيد، وأيهما كان فهو من التأثير بالقرب، فإن قيل: جعل الأجير ثواب تلاوته للغير زهد في الثواب، قيل: لو كان ذلك زهداً في الثواب لنبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أخذ الأجرة على الرقية، ولأعلمه بما هو الأولى في حقه، وإلاَّ وجب على أن الزهد في الثواب إذا لم يكن على جهة الاستخفاف لا يقتضي تحريم الأجرة، غاية الأجرة أن يكون الترك أولى وليس بمحل النزاع، ولا يبعد أن يكون ثواب التكسب على النفس والعيال من هذا الوجه الحلال مساوياً لثواب التلاوة أو أكثر منه، لما ورد في فضل التكسب من الحلال فيما يعود به على النفس والعيال.
وقال السيد محمد بن إسماعيل الأمير ما معناه: ولا يبعد أن يكون الأجير والمستأجر داخلين تحت قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:2] إذ الأجير أعان أخاه بما أهداه من ثواب تلاوته، والمستأجر أعانه بالأجرة، والثواب حق للأجير فله أن يهبه لمن يشاء من إخوانه، كما أن له أن يسقط حقه اللازم من جناية أو دين، ويعوضه الله خيراً منه، كما قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}[الشورى:40] وقد ثبت أن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، فإذا كان الله في عون العبد وهو الذي يكافيه على أعماله فماذا يخاف، وقد ثبت أنه إذا دعا العبد لأخيه بظهر الغيب قال له ملك: ولك مثل ذلك، ولا يقوله الملك إلا عن أمر الله، ودعاء الملك مجاب.
قال: ومن هنا أقول إن دعاء العبد لأخيه بظهر الغيب أفضل من دعائه لنفسه، لأنه يعطى ما سأله لأخيه، لأنه يسأله الملك.