وفي (أمالي المرشد بالله عليه السلام ) أخبرنا أبونصر إبراهيم بن محمد بن علي الكسائي بقراءتي عليه، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حسن المعدل قراءة عليه، قال: أخبرنا أبو حعفر محمد بن علي بن مخلد بن يزيد الفرقدي الداركي بـ(دارك) سنة سبع وثلاثمائه، قال: حدثنا إسمعيل بن عمرو البجلي، قال: حدثنا يوسف بن عطية الوراق، قال: حدثنا مسلمة بن مالك الأزدي، عن أبي عتبة الحمصي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قرأ القرآن كان حقاً على الله عزوجل أن لايطعمه النار مالم يغل به ومالم يأكل به ومالم يراء به ومالم يدعه إلى غيره)).
وله عند المرشد بالله أيضاً طريق أخرى قال: أخبرنا أبوعمر المطهر بن محمد بن علي بن محمد العبدي الخطيب، قال: أخبرنا أبو سهل المرزبان بن محمد بن مرزبان، قال: حدثنا أبو حعفر محمد بن علي الفرقدي بالسند السابق إلا أنه قال: حدثنا سلمة بن مالك عن أبي عبيد الحمصي، وفي الأول مسلمة عن أبي عتبة الحمصي، ولفظ هذه الرواية: ((من قرأ القرآن كان حقاً على الله عزوجل أن لايطعمه النار مالم يغل فيه مالم يأكل فيه مالم يراء به، مالم يدعُ إلى غيره)).
قلت: والصواب أبو عتبة كما قال في التقريب، واسمه أحمد بن الفرج الحمصي المعروف بالحجازي.
قال الذهبي: هو وسط، ووثقه ابن أبي حاتم روى له المرشد بالله والسمان، هكذا في الجداول ذكر في الكنى أنه أبو عتبة، وفي الأسماء أنه أبو عبيد وقال في هامش التقريب: أبو عتبة الحجازي شيخ لمسعر وفيه جهالة، والحديث مرسل.

وفي (أمالي المرشد بالله أيضاً: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا أبو محمد بن حبان، قال: أخبرنا ابن أبي عاصم، قال: حدثنا الحوطبي، قال: حدثنا ابن عياش، قال: حدثنا حبيب بن صالح، قال: سمعت ثابت بن أبي ثابت يحدث عن عبد الله بن معانق، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي غانم الأشعري، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر المال لهم فيتحاسدوا ويقتتلوا ويفتح لهم القرآن فيقرأه البر والفاجر والمنافق، فيجادلون به المؤمن ابتغاء الفتنة، و{وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}[آل عمران:7] والناس في القرآن ثلاثة: فرجل يقرؤه بلسانه ولا يسوغ به الحنجرة فهو له إصر وعذاب وعقاب، ورجلٌ يقرأه فخراً ورياء ليأكل به في دنياه فليس له منه يوم القيامة شيء، ورجل يأخذه بسكينة ووقار فهو له حجةٌ يوم يلقى ربه)).
قوله: إصر بكسر الهمزة أي: ذنب.
وقال المرشد بالله: أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي، قال: حدثنا علي بن محمد بن سعيد الرزاز، قال: أخبرنا جعفر بن محمد الغريابي، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن مصطفى، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يأتي قوم يقرأون القرآن يقومونه كما يقام السهم لا يجاوز تراقيهم يتعجلون أجره ولا يتأجلون)) وهو في سنن أبي داود.
قال: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو وابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن وفاء بن شريح الصدفي، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً ونحن نقترئ فقال: ((الحمد لله كتاب الله واحد وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود اقرءوه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم يتعجل أجره ولا يتأجله)).

أما التنوخي فهو من علماء العدل، ومشاهير علماء الأمة.
وأمَّا علي بن محمد الرزاز فهو: أبو الحسن الكوفي، ذكر في (الجداول) روايته عن جعفر الفريابي، وعنه التنوخي وعبد الله بن محمد قرعة.
وأمَّا الفريابي فهو: جعفر بن محمد بن حسن المستفاض التركي أبو بكر العلامة الفريابي، وثقه الخطيب والذهبي، توفي سنة إحدى وثلاثمائة، روى له أبو طالب والمرشد والنرسي.
وأما محمد فهو: ابن مصفى بن بهلول القرشي أبو عبد الله الحمصي، وثقه الذهبي.
وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: صالح، وقال في (التقريب): صدوق له أوهام، وكان يدلس، وقال في هامشه: حافظ، توفي سنة ست وأربعين ومائتين، احتج به أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وروى له المرشد بالله ووالده.
وأما عثمان فهو: ابن سعيد بن كثير بن دينار القرشي الحمصي، أبو عمرو، وثقه أحمد وابن معين، وقال في (التقريب): ثقة عابد، مات سنة تسع ومائتين، احتج به الأربعة إلا الترمذي، وروى له المرشد بالله، ولم يذكر في (الجداول) من رجال المرشد بالله ممن له هذا الاسم إلا هذا.
وأما بكر فهو: ابن سوادة الجذامي المصري أبو ثمامة، وثقه ابن معين، والنسائي، وابن سعد، وابن حجر، توفي سنت ثمان وعشرين ومائة، احتج به مسلم، والأربعة، والبخاري تعليقاً.
وروى له أبو طالب والموفق بالله، والمرادي.
نعم وظاهر رواية المرشد بالله أنه سمع من سهل بن سعد، وقدذ كر في (الجداول) روايته عن سعد، وذلك ممكن لأن وفاة سعد إنما كانت سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين.
وأما أحمد بن صالح شيخ أبي داود فهو: ابن الطبري، وذكر في (الجداول) رواية أن أبا داود والبخاري ممن أخذا عنه، ووثقه أحمد ويحيى، وابن المديني وجماعة منهم البخاري.

وقال في (التقريب): ثقة حافظ تكلم فيه النسائي بسبب أوهام له قليلة، ونقل عن ابن معين تكذيبه، وجزم ابن حبان بأنه إنما تكلم في أحمد بن صالح الشموني فظن النسائي أنه عني ابن الطبري، وقال في هامشه: هو أجلّ من أن يتكلم فيه حتى قال الذهبي: قد آذى النسائي نفسه بكلامه فيه البخاري ومسلم، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين.
احتج به البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وروى له الأخوان.
وأما ابن لَهِيْعَة فقد مر الكلام على توثيقه وثبوت عدالته.
وأما عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري وثقه ابن معين وغيره، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، احتج به الجماعة، وروى له الأخوان والمرشد بالله.
وأما وفاء بفاءٍ ومد فهو: ابن شريح الحضرمي المصري.
قال في (التقريب): مقبول.
وفي (سنن أبي داود) أيضاً: حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد عن حميد الأعرج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعرابي والعجمي فقال: ((اقرءوا فكل حسن وسيجيئ أقوامٌ يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلوا له)).
أما وهب فهو: ابن بقية بن عثمان الواسطي، أخذ عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي وغيرهم، وثقه أبو زرعة والخطيب وابن معين، وابن حجر، وقال: يقال له وهبان، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، روى له في (المناقب).
وأما خالد فهو: ابن عبد الله[..........]
وأما حميد فهو: ابن قيس المكي الأعرج أبو صفوان القاري.
قال في (التقريب): ليس به بأس، وفي هامشه عن (التنقيح) أنه ثقة، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، وقال أحمد في رواية: ليس بالقوي، احتج به الجماعة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل: بعدها.

وفي (الجامع الصغير) عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قرأ القرآن يتأكل به الناس جاء يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم)) ونسبه إلى البيهقي في (الشعب) من حديث بريدة، قال العزيزي: بإسناد ضعيف، ومعنى الحديث كما قال المناوي: إن من جعل القرآن وسيلة إلى حطام الدنيا جاء يوم القيامة على أقبح صورة حيث عكس وجعل أشرف الأشياء وأعزها واسطة إلى أرذل الأشياء وأحقرها.
وفي (الروض النضير) منسوباً إلى (جمع الجوامع) للسيوطي من رواية أبي نعيم، عن أبي هريرة: ((من أخذ على القرآن أجراً فذلك حضه من القرآن))، قال: ومن رواية أيضاً عن ابن عباس: ((من أخذ على القرآن أجراً فقد تعجل حسناته في الدنيا والقرآن يحاجه يوم القيامة)).
فهذه أدلة القائلين بتحريم أخذ العوض على تعليم القرآن وهي ظاهرة في ذلك، بل منها ما هو صريح لا يحتمل التأويل كما لا يخفى، احتج القائلون بالجواز بحديث الواهبة نفسها، وقد مر تخريجه وذكر طرقه، وبحديث الرقية وقد تقدم بعض طرقه في الفاتحة، ومنها ما أخرجه البخاري في صحيحه، قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد، قال: انطلق نفرٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحدٍ منكم من شيء؟
فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي، ولكن والله قد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطيع من غنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه.

فقال بعضهم: أقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنذكر له الذي كان فننظر ما ذا يأمرنا، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا له فقال: ((وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم أقسموا واضربوا لي معكم سهماً، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )).
قال البخاري وقال شعبة: حدثنا أبو بشر سمعت أبا المتوكل بهذا.
قوله: (وما به قلبة) بحركات أي علة، لأن الذي به الداء يقلب من جنب إلى جنب ليعلم موضع الداء منه.
وأبو النعمان هو: محمد بن الفضل السدوسي، وأبو عوانة هو: الوضاح بن عبد الله اليشكري.
وأما أبو بشر فهو: جعفر بن أبي وحشية واسمه: إياس اليشكري، وثقه أبوحاتم.
وقال في (الكاشف): صدوق احتج به الجماعة، وروى له المؤيد بالله، والمرشد بالله.
وأما أبو المتوكل فهو: علي بن داود، ويقال: ابن دُاؤد -بضم الدال بعدها واو بهمزة- الناجي -بالنون والجيم- البصري مشهور بكنيته.
قال في (التقريب): ثقة، مات سنة ثمان ومائة، وقيل: قبل ذلك، وأخرجه من طريقه مسلم، قال حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا هشيم عن أبي بشر فذكر الحديث بمعناه، قال وحدثنا محمد بن بشار، وأبو بكر بن نافع كلاهما عن غندر بن محمد بن جعفر، عن شعبة عن أبي بشر هذا الاسناد، وقال في الحديث: فجعل يقرأ أم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرئ الرجل، وأخرجه من هذه الطريق البخاري إلا أنه لم يذكر ابن نافع.
وأخرجه أيضاً أبو داود، قال حدثنا مسدد، ثنا أبو عوانة بإسناد البخاري الأول.

وفي (صحيح مسلم): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أخيه معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري قال: نزلنا منزلاً فأتينا امرأة فقالت: إن سيد الحي سليم لُدِغ فهل فيكم من راقٍ؟ فقام معها رجل منا ما كنا نظنه يحسن رقية، فرقاه بفاتحة الكتاب فبرئ، فأعطوه غنماً وسقونا لبناً، فقلنا: أكنت تحسن رقية؟ فقال: ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب.
قال: فقلت: لا تحركوها حتى نأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأتينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: ((ما كان يدريه أنها رقية، أقسموا واضربوا لي معكم بسهم)) وأخرجه من هذه الطريق أبو داود.
أما معبد بن سيرين فقال ابن معين: يعرف وينكر، قال في (التقريب): ثقة.
ومنها ما رواه البخاري في الصحيح، قال حدثني سيدان بن مضارب أبومحمد الباهلي، حدثنا أبو معشر يوسف بن يزيد البراء، حدثني عبيد الله بن الأخنس أبو مالك، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مروا بماءٍ فيهم لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راقٍ إن في الماء رجلاً لديغاً أو سليماً، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرئ، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجراً، حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)).
أما سيدان فهو بكسر السين المهملة ابن مضارب-بميم مضمومة وضاد معجمة ثم راء مهملة-.
قال أبو حاتم وابن حجر: صدوق، وقال القسطلاني: تكلموا فيه لكن قواه أبو حازم وغيره.
قلت: لعل وجه تكلمهم عليه كونه كوفياً، قيل: إنه يقال له البصري، ويقال له الكوفي.

وأما أبو معشر فهو: يوسف بن يزيد البراء -بفتح الموحدة والراء المشددة- فقال في (التقريب): صدوق وربما أخطأ، ووثقه المقدمي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وضعفه ابن معين.
وأما ابن الأخنس فوثقه أحمد وابن معين، وقال في (الفتح): وثقه الأئمة، وقال في (التقريب): صدوق، وقال ابن حبان: كان يخطئ.
وأما ابن أبي مليكة فهو: عبدالله بن عبد الله بن أبي مليكة واسمه زهير، وثقه أبو حاتم وأبو زرعة.
وقال في التقريب: ثقة فقيه ولاَّه ابن الزبير قضاء الطائف، احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الثلاثة والناصر، وفي (سنن البيهقي) أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، ثنا أبو محمد بن حبان، ثنا أحمد بن جعفر الجمال، ثنا إدريس بن إبراهيم البزاز، ثنا وكيع، ثنا صدقة بن موسى الدقيقي،عن الوضين بن عطاء، قال: ثلاثة معلمون كانوا بالمدينة يعلمون الصبيان، وكان عمر بن الخطاب يرزق كل واحد منهم خمسة عشر درهماً كل شهر، قال: وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، وقد مر أن سعداً وعماراً أعطيا على القرآن أجراً.
فهذا ما احتج به القائلون بالجواز، وأساس حجتهم عموم قوله في حديث ابن عباس: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)).
قالوا: وأما ما احتج به الأولون فلا ينتهض للاحتجاج به على المنع.
أما الآية فلأنها واردة في بني إسرائيل، والاحتجاج بشرع من قبلنا فيه خلاف، ويجوز أن يكون المراد بها من قد تعين عليه التعليم، فأبى حتى يأخذ عليه أجراً، فإن لم يتعين فيجوز له أخذ الأجر بدليل السنة، هكذا أجاب بعض المحققين.
قال: وقد يتعين عليه إلا أنه ليس له ما ينفقه على نفسه وعياله فلا يجب عليه التعليم، وله أن يقبل على صنعته وحرفته، ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته، وإلا فعلى المسلمين لفرض الصحابة لأبي بكر كفايته لما ترك حرفته لأجل القيام.

وأما الأحاديث فلأنها ضعيفة لا تقوى على معارضة ما في الصحيح، وبعضها أخص من الدعوى كحديث المنع من التأكل بالقرآن؛ إذ المنع من ذلك لا يتسلزم ما دفعه المتعلم بطيبة من نفسه.
ومنها ما ليس للاستدلال به مدخل في محل النزاع كحديث النهي عن السؤال بالقرآن، إذ السؤال به غير أخذ للأجرة عليه.
وأمَّا حديث أُبي وعبادة فواقعتان في عين لا يعلم المراد بهما؛ إذ يحتمل أنهما فعلا ذلك خالصاً لله، فكره لهما أخذ العوض عليه.
وأمَّا من علمه أنه لله ولأخذ العوض عليه فلا منع منه لحديث ابن عباس.
وأمَّا الآثار فلا حجة في فعل أحد ولا قوله غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
أجاب الأولون عن ما احتج به هؤلاء فقالوا: أما حديث الواهبة نفسها فقد مر ما فيه من الاحتمالات والتأويلات، ومع ذلك فلا يبقى للاحتجاج به وجه، ولو صح الاحتجاج به في بابه فلا يصح الاحتجاج به هنا لخصوصه كما مر، وقد أوضحنا هنالك أنه يجوز تخصيص عموم أدلة تحريم أخذ العوض على القرآن بما إذ كان مهراً، ولا مانع من ذلك.
وأمَّا أحاديث الرقية فليست من التعليم في شيء، فنحن نقول بموجبها.
قال السيد [..........]-رحمه الله-: الظاهر من الأحاديث جواز أخذ الأجرة على نحو الرقية بكتاب لله للراقي، والمنع على المعلم أن يأخذ الأجرة على التعليم ليعمل بكل دليل في موضعه، ولا يجوز أن يهمل البعض، وبهذا قالت الحنفية فقالوا بالمنع على التعليم، وأجازوا الأخذ على الرقى، وذكره في (شرح الأزهار) للمذهب.
وأما احتجاجهم بحديث: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) فقد أجيب عنهم بأجوبة:
منها: أن المراد بالأجر الثواب وهو ضعيف، فإن سياق القصة يأبى ذلك.
ومنها: أنه منسوخ بأحاديث المنع، ورد بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال.
ومنها: أن المراد أحق ما أخذتم عليه أجراً من الرقية كتاب الله، وهذا هو الذي يشعر به السياق.

ومنها: أن الأجر هنا على عمومه فيشمل أخذ العوض على الرقية، والتعليم، والتلاوة، وتخصيص الأخذ على التعليم بالأحاديث المتقدمة المصرحة بالمنع منه، ويجوز ما عداه.
قال الشوكاني: وهذا أظهر وجوه الجمع، فينبغي المصير إليه.
وأما فعل عمر فلا حجة فيه على أنه وارد في الإعطاء من بيت المال، وليس من محل الخلاف، ولا ينبغي النزاع فيه؛ لأن بيت المال موضوع لمصالح المسلمين، ولا شك أن من المصالح العظيمة إعطاء من يقوم بالمصالح العامة من العلماء والمتعلمين والقراء وغيرهم، ومعلم القرآن من هذا القبيل، ويدل على ذلك ما رواه الإمام أبو طالب في (الأمالي) قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد النجري، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن عمر بن علي بن الحسين بن علي" بمصر، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى، قال حدثنا الحكم بن سليمان، قال حدثنا عمرو بن جميع، عن جويبر، عن الضحاك بن مزاحم، عن النزال بن سمرة، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قرأ القرآن فله مائتا دينار من بيت المال فإن لم يعطها في الدنيا أُعطها في الآخرة)).
وفي (الجامع الصغير) عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((حامل كتاب الله له في بيت مال المسلمين في كل سنة مائتا دينار)) أخرجه الديلمي في (مسند الفردوس) عن سليك الغطفاني.
وقال ابن الجوزي: حديث موضوع.
هذا وأما قولهم إن الآية واردة في بني إسرائيل فيؤخذ جوابها من الكلام على مفرداتها وقد مر.
وأما قولهم يجوز أن يراد بها من قد تعين عليه ذلك...إلخ. فلا دليل على ذلك التفصيل، واستشهادهم بفعل الصحابة مع أبي بكر فإنما يصح للاحتجاج به على جواز الأخذ من بيت المال، وليس بمحل النزاع، وقد مر الكلام عليه.

264 / 329
ع
En
A+
A-