وقال الحسن، وابن سيرين، وطاووس، والشعبي، والنخعي: يكره ذلك مع الشرط.
احتج الأولون بالآية لأن أخذ الأجرة على تعليمه من الاستبدال بآيات الله المنهي عنه بقوله:{ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}[البقرة:41] واحتجوا من السنة بما رواه في (مجموع زيد بن علي) عليه السلام قال: حدثني زيد بن علي، عن أبيه عن جده، عن علي عليه السلام أنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين والله إني لأحبك في الله، قال: ولكني أبغضك في الله.
قال: ولم ذاك؟
قال: لأنك تتغنى في أذانك وتأخذ على تعليم القرآن أجراً، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظه يوم القيامة)).
وروي في (العلوم)، و(الجامع الكافي)، و(شرح القاضي زيد)، و(الشفاء) و(شرح الأحكام) لعلي بن بلال قال أحمد بن عيسى: ومعنى تتغنى في أذانك: تمدد، وقال محمد بن منصور: تطرب.
وفي (شرح الأحكام): أخبرنا السيد أبو العباس-رحمه الله-، ثنا الحسين بن علي بن الربيع القطان، قال: ثنا محمد بن ميرة، قال: ثنا محمد بن بكير الحضرمي، عن محمد بن الفضل، عن عطية، عن زيد العمي، عن الحسن، قال: حدثني خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن تعليم القرآن بالأجر، ونهى أن يمحى اسم الله بالبزاق.
وقال الهادي عليه السلام في (الأحكام): بلغنا عن زيد بن علي، عن آبائه قال: إنه كان رجل من الأنصار يعلم القرآن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتاه رجل ممن كان يعلمه بفرس فقال: هذا لك احمل عليه في سبيل الله، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأل عن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أتحب ان يكون حظك غداً))؟ قال: لا والله، قال: ((فاردده)).

وفي العلوم: (نا) محمد، قال: (نا) محمد عن وكيع، عن مغيرة، عن زياد الواسطي، عن عبادة بن بسير، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة بن الصامت، قال: علمت رجالاً من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى لي رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله، فسألت عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إن سرك أن تطوق بها طوقاً من نار فاقبلها)) ورواه في (الجامع الكافي)، و(شرح القاضي زيد)، و(الشفاء).
وفي (أمالي المرشد بالله عليه السلام ) أخبرنا إبراهيم بن طلحة بن إبراهيم بن غسان، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن أبي المغير الخاركي، قال:حدثنا أبو العباس محمد بن حيان المازني البزار، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا ابن داود، عن المغيرة بن زياد، عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة الكندي، عن عبادة بن الصامت قال: علمت أناساً من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلي رجل منهم قوساً وليس بمال، قلت: أتقلدها في سبيل الله عز وجل فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقص عليه القصة، فقال: ((إن سرك أن يقلدك الله قوساً من نار فاقبلها)).
وهو في (سنن أبي داود) بنحوه، قال: حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، وحميد بن عبد الرحمن، عن مغيرة بن زياد، عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة عن عبادة بن الصامت فذكره، وله عنده طريق أخرى، قال: حدثنا عمرو بن عثمان وكثير بن عبيد، قالا: ثنا بقية حدثني بشر بن عبد الله بن يسار، قال: عمرو حدثني عبادة بن نسي، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت نحو هذا الخبر، والأول أتم يعني ما ذكره أبوداود بالطريق الأولى، ثم ذكر أبو داود في آخر هذه الطريق أنه قال فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله؟ فقال: ((جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها)).
أما حميد بن عبد الرحمن فهو: الرؤاسي بضم الراء بعدها همزة خفيفة أبو علي الكوفي، أخذ عن الأعمش وغيره، وعنه أحمد وابنا أبي شيبة وغيرهم.

وثقه ابن معين، وابن حبان، وابن حجر، توفي سنة تسع وثمانين ومائة، وقيل: سنة تسعين ومائة، وقيل: بعدها.
احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الثلاثة.
وأما مغيرة فهو: ابن زياد البجلي أبوهشام أو هاشم الموصلي.
قال في (التقريب): صدوق له أوهام، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة.
وقال في (النيل): وقد وثقه -يعني المغيرة بن زياد- وكيع، ويحيى بن معين، وتكلم فيه جماعة فقال أحمد: كل حديث رفعه فهو منكر، وقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه، وقال الترمذي: قد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه.
قلت: الرجل روى له المرشد بالله والمرادي كما ترى، وأخرج حديثه الأربعة ووثقه من ذكرنا هنا، فلا وجه لرده.
وأما عبادة بن نسي بضم النون وفتح السين فهو: الكندي أبو عمرو الشامي قاضي الأردن أيام هشام، وفي (التقريب): قاضي (طبرية) وثقه أحمد، ويحيى والنسائي، والعجلي، وابن حجر، وقال فاضل: توفي سنة ثماني عشرة ومائة.
احتج به الأربعة، وروى له الناصر، والمرشد بالله، والمرادي.
وأما الأسود بن ثعلبة فهو: الكندي الشامي، قال ابن حزم وابن حجر: مجهول، وقال ابن المديني: لا يحفظ عنه إلا هذا الحديث، حكى هذا عنه البيهقي في (السنن) واعترضه ابن التركماني في كتابه (الجوهر النقي على سنن البيهقي) فقال: ذكره ابن حبان في الثقات، وصحح الحاكم حديثه هذا، قال: وقد حفظ عنه ثلاثة أحاديث وذكرها، وقال في أحدها: أخرجه الحاكم في (المستدرك)، وقال: الأسود بن ثعلبة شامي معروف، وحديث عبادة هذا أخرجه ابن ماجة أيضاً.
قلت: وأخرجه البيهقي من حديث عبادة بن نسي، عن الأسود، ثم قال: وقد قيل عن عبادة بن نسي، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة، وذكره بإسناده إلى أبي داود، ثم بإسناده المتقدم.
قال: وكذلك رواه أبو المغيرة، عن بشر، ثم قال: هذا حديث مختلف فيه على عبادة بن نسي كما ترى.

قلت: وهو يشير إلى ضعف الحديث، واعترضه التركماني فقال بعد أن ذكر أن البيهقي أخرجه-أعني رواية جنادة- من طريق أبي داود ما لفظه: وأخرجه أيضاً الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
وفي (سنن البيهقي): حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج إملاء،ثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيدروس الطرائقي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد الله، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبد الله، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من أخذ قوساً على تعليم القرآن قلده الله قوساً من نار)) وضعف البيهقي هذا الإسناد.
وروي عن دحيم أنه قال: حديث أبي الدرداء: من تقلد قوساً...إلخ، لا أصل له.
قال التركماني: أخرجه البيهقي هنا بسند جيد فلا أدري ما وجه ضعفه وكونه لا أصل له، وأشار إليه الشوكاني في النيل، وذكر أنه عند الدارمي بإسناد على شرط مسلم.
وقد عرفت أن البيهقي رواه من طريق الدارمي فكان حقه الحكم عليه بالصحة، ولنتكلم هنا في بيان أحوال الدارمي ورجاله لتعلم أن القوم يضعفون ما خالف مذهبهم، وإن كملت فيه شرائط الصحة، وهذه المصيبة قد عمت وطمت إلا القليل النادر، فنقول: أما الدارمي فهو: عثمان بن سعيد بن خالد السجستاني أبو سعيد الدارمي.
قال علامة العصر في ترجمته: الحافظ الحجة، محدث هراة، وقال يعقوب الفرات: ما رأينا مثله ولا أرى مثل نفسه.
وقال أبو حامد الأعمش: ما رأيت مثله له مسند كبير، توفي ثمانين ومائتين، روى له أبو طالب.
وأما عبد الرحمن فهو: ابن يحيى بن إسماعيل بن عبد الله بن المهاجر المخزومي، أبو محمد الدمشقي، ذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال أبو حاتم: ليس بحديثه بأس (والوليد بن مسلم هو صاحب الأوزاعي قاله النووي، مولاهم أبو العباس الدمشقي. وثقه بن مسعود وابن عدي والعجلي ويعقوب، وأثنى عليه أحمد بن المديني.

وقال في التذكرة: لانزاع في علمه وحفظه، وإنما الرجل يدلس فلايحتج به إلا إذا صرح بالسماع. وتوفي في سنة خمس وتسعين ومائة.
احتج به الجماعة وروى له أئمتنا الخمسة.
وسعيد قال في الجداول: سعيد بن عبد العزيز بن يحيى النتوا أبو محمد الدمشقي، وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وروى له أبو طالب)
وأما إسماعيل بن عبد الله فهو: ابن المهاجر المخزومي، ذكر في (الجداول) روايته عن أبيه، وأم الدرداء، وقال: يقال له أبوعبد الحميد الدمشقي، كان أميراً على إفريقية، وثقه الدارقطني والعجلي، وقال ابن يونس: سنة توفي إحدى وثلاثين ومائة عن سبعين سنة، احتج به الجماعة ما خلا الترمذي.
وروى له المرشد بالله، وذكر الحديث في (الجامع الصغير) ونسبه إلى البيهقي، وأبي نعيم في (الحلية).
وفي (سنن البيهقي): أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد، حدثني عبد الرحمن بن أبي مسلم، عن عطية بن قيس الكلابي، قال: علم أُبي بن كعب -رضي الله عنه- رجلاً القرآن فأتى اليمن فأهدى له قوساً فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إن أخذتها فخذ بها قوساً من النار)) وأخرجه ابن ماجة، نسبه إليه في المنتقى ولفظه: وعن أُبي بن كعب قال: علمت رجلاً القرآن فأهدى لي قوساً فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إن أخذتها أخذت قوساً من نار)) فرددتها، وأخرجه أيضاً الروياني في مسنده، وأعله البيهقي، وابن عبد البر والمزي بالانقطاع بين عطية الكلابي وأُبي.

قال التركماني: عطية تابعي ذكر صاحب (الكمال) عن أبي مسهر أنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فعلى هذا روايته عن أُبي محمولة على الاتصال، وأشار إلى هذا الحافظ ابن حجر، وقد ذكر هذا الحديث قاسم بن أصبغ من طريق أبي إدريس الخولاني، فقال نا عبدالله بن روح، نا شبابة هو ابن ورقاء، نا أبو زيد عبدالله بن العلاء الشامي، نا بشر بن عبيدالله، عن أبي إدريس الخولاني قال: كان عند أُبي بن كعب ناس يقرئهم من أهل اليمن فأعطاه أحدهم قوساً يتسلحها في سبيل الله تعالى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أتحب أن تأتي بها في عنقك يوم القيامة ناراً)) وأعله ابن حزم بالانقطاع إذ لا يعرف لأبي إدريس سماع من أُبي.
وذكر الحديث الذهبي في (الميزان) في ترجمة شبابة بن سوار، وقال: حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر، ثنا بشر بن عبد الله، عن أبي إدريس فذكره، ثم قال: مرسل جيد الإسناد.
قلت: سماعه من أُبي ممكن لأنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين، وأُبي كانت وفاته سنة تسع عشرة، وقيل: سنة ثلاثين، وقد ذكر ابن حجر سماعه من أكابر الصحابة، وذكر غيره سماعه من جماعة من الصحابة، منهم: عمر وحذيفة، وبلال، وأبو ذر، وروي أن الذي أقرأه هو الطفيل بن عمرو. رواه سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش، عن عبد ربه بن سليمان بن عمير بن زيتون، عن الطفيل بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه عرض له ذلك في القوس مع أُبي بن كعب، وفي زيادة أنه قال: يا رسول الله إنا نأكل من طعامهم، قال: ((أما طعام صنع لغيرك فحضرته فلا بأس أن تأكله، وأما ما صنع لك فإن أكلته فإنما تأكله بخلاقك)).
وأخرج الطبراني في الأوسط عن الطفيل بن عمرو قال: أقرأني أٌبي بن كعب القرآن فأهديت إليه قوساً فغدا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد تقلدها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((تقلدها من جهنم)).

قلت: يا رسول الله إنا ربما حضر طعامهم فأكلنا.
فقال: ((أما ما عمل لك فإنما تأكله بخلاقك، وأما ما عمل لغيرك فحضرته فأكلت منه فلا بأس)) قوله بخلاقك[أي فهو نصيبك].
ومن طريق ابن أبي شيبة قال: نا محمد بن ميسر أبو سعد، عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه أن أُبي بن كعب غدَّاه رجل كان يقرئه القرآن فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن كان شيء يتحفك به فلا خير فيه وإن كان من طعامه وطعام أهله فلا بأس به)) وأعله ابن حزم بالانقطاع؛ لأن علي بن رباح لم يدرك أُبي بن كعب.
قلت: علي بن رباح بن قصير اللخمي أبو عبد الله لقبه عُلي بضم العين روى عن أبي هريرة، وعقبة بن عامر وغيرهما.
قال أحمد: ما أعلم إلا خيراً، ووثقه العجلي وابن سعيد، أغزاه عبد العزيز إفريقية فلم يزل بها حتى مات سنة بضع عشرة ومائة، احتج به مسلم وأبو داود، وروى له المرشد بالله.
قال علامة العصر: وعلى قواعد المحققين روايته باطلة يعني التولية من جهة الظلمة وفيه نظر.
وأما ولده موسى فوثقه أحمد ويحيى، والنسائي، وأبو حاتم والعجلي.
وقال أبو حاتم: رجل صالح متقن.
وقال في (التقريب): صدوق ربما أخطأ، وفيه أن كنيته أبو عبد الرحمن البصري، روى له البخاري ومسلم والأربعة، ومن الأئمة المؤيد بالله والمرشد بالله، مات سنة ست وستين ومائة، وله نيف وتسعون.
قال علامة العصر: ولي مصر للدوانيقي ست سنين، وممن أخذ عنه ابن وهب.
وأما محمد بن ميسر فهو: الجعفي الصاغاني بمهملة، ثم معجمة البلخي نزيل بغداد، ويقال: محمد بن أبي زكريا.
قال في (التقريب): ضعيف رمي بالإرجاء، وقال النسائي: متروك، وقال أبوزرعة: لم يكن ليكذب.
وقال البينياني: صدوق لكنه مرجئ جهمي، وقال أحمد: صدوق مرجي، احتج به الترمذي، وروى له المرادي.

والحديث ذكر له المزي طريقاً آخرى فقال: رواه محمد بن جُحادة عن رجل يقال له أبان، عن أبي، ومحمد بن جُحادة، وثقه ابن حجر وقال جُحادة-بضم الجيم وتخفيف المهملة-: مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، احتج به الجماعة.
وأخرج الأثرم عن أُبي بن كعب أنه قال: كنت أختلف إلى رجل مسن قد أصابته علة قد احتبس في بيته أقرئه القرآن فكان عند فراغه مما أقرئه يقول لجارية له هلمي بطعام أخي فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة فحاك في نفسي منه شيء، فذكرته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إن كان ذاك الطعام طعامه وطعام أهله فكل منه وإن كان يتحفك به فلا تأكله)).
وأخرج الأثرم أيضاً عن أُبي أنه علم رجلاً سورة من القرآن فأهدى له خميصة أو ثوباً فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((لو أنك لبستها أو أخذتها ألبسك الله مكانها ثوباً من نار)).
وعن عبد الرحمن بن شبل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به)) أخرجه أحمد.
قال في (مجمع الزوائد): رجاله ثقات، وأخرجه أيضاً البزار وهو في (الجامع الصغير) بلفظ: اقرءوا القرآن واعملوا به ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به، ونسبه إلى أحمد وأبي يعلى، والطبراني في (الكبير) والبيهقي في (الشعب).
قال العزيزي: ورجاله ثقات، ورواه ابن حزم من طريق ابن أبي شيبة، قال: نا عفان بن مسلم، نا أبان بن يزيد العطار، حدثني يحيى بن كثير، عن زيد هو أبي سلام، عن أبي سلام هو ممطور الحبشي الدمشقي، عن جده ممطور وغيره، وثقه النسائي وغيره.
احتج به مسلم والأربعة، والبخاري في (الأدب المفرد)، وروى له أبو طالب.
وأما ممطور فوثقه العجلي، واحتج به مسلم والأربعة، والبخاري في (الأدب المفرد).
وروى له أبو طالب، وقال في (التقريب) وهامشه: يرسل عن حذيفة وأبي ذر.

وأما أبو راشد فهو: الحبراني بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة الشامي، قيل: اسمه أخضر، وقيل: النعمان، وثقه العجلي وابن حجر، واحتج به الأربعة إلا ابن ماجة، والحديث في (شرح القاضي زيد) و(الشفاء).
قال القاضي زيد: فنهى عن الأكل بالقرآن فمن أخذ الأجرة فقد أكل بالقرآن.
قلت: وقوله في رواية ابن أبي شيبة: ولاتغلوا عنه، نهى عن الترفع عن تعلمه بدليل قوله: ((تعلموا)) فيكون كالتأكيد للأمر بتعلمه، وفيه أن المذموم ترك تعلمه ترفعاً. والله أعلم.
وقوله في هذه الرواية: ((ولا تجفوا فيه)) كمعناه بالرواية الأولى التي قال فيها (ولا تجفوا عنه) أي: لا يكون موضعاً للجفاء بأن تتركوا تلاوته وتقصروا فيها، أو لا تتباعدوا عن تلاوته بالترك والتقصير.
وقوله في الأولى: ((ولا تغلوا فيه)) بالمعجمة معناه: لا تغلوا فيه بكثرة التلاوة لئلا تملوا، أو لا تتعمقوا في معانيه المتشابهة لئلا يؤدي إلى الاعتقاد الفاسد، أو لا تسلكوا به مسلك المجادلة مع الناس، أو لا تتعدوا حدوده أو لا تبذلوا جهدكم في تلاوته وتتركوا غيره من العبادات.
وقوله: ((ولا تأكلوا به)) أي: لا تجعلوه سبباً للأكل والاستكثار من الدنيا، ويجوز حمله على الجميع.
وقوله: ((ولا تستكبروا به)) بالباء الموحدة أي: لا تطاولوا بسببه على الناس.
وروى زيد بن علي عليه السلام في(المجموع) عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((تعلموا القرآن وتفقهوا به وعلموه الناس ولا تستأكلوهم به فإنه سيأتي قوم من بعدي يقرءونه ويتفقهون به يسألون الناس لا خلاق لهم عند الله عز وجل)).
قوله: لا خلاق لهم: أي لا نصيب لهم في رحمة الله وثوابه.

وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((تعلموا القرآن واسألوا الله به الجنة قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرأه لله)) أخرجه أبو نصر والبيهقي في (الشعب)، ويشهد له ما رواه المرشد بالله في أماليه.
قال: أخبرنا محمد بن محمد بن عثمان البندار، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي، قال: ثنا بشر بن موسى، قال: ثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقري، عن موسى بن أيوب الغافقي، قال: أخبرني عمي، قال: أخذ علي بن أبي طالب عليه السلام بيدي فقال: إنك إن بقيت سيقرأ القرآن ثلاثة: صنفٌ لله عز وجل، وصنف للجدال، وصنفٌ للدنيا، ومن طلب به أدرك.
وعن عمران بن الحصين، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((اقرءوا القرآن واسألوا الله به فإن من بعدكم قوماً يقرءون القرآن يسألون به الناس)) أخرجه أحمد والترمذي وقال حديث حسن ليس إسناده بذاك.
قيل: ومعنى السؤال: أن يدعو عند ختمه بالأدعيه المأثورة، أو أنه كلما قرأ آية رحمة سألها، أو آية عذاب تعوذ منها.
قلت: والظاهر أن معنى سؤال الله به أن يجعله وسيلة إلى نيل ما عند الله تعالى من رفيع المنزلة وتيسير الأرزاق ونحو ذالك.
وأمَّا سؤال الناس فهو أن يجعله وسيلة إلى حصول الرئاسة وانتشار الصيت في الناس، أو إلى نيل مافي أيديهم من الحطام، أو مجموع الأمرين، والتوسل على هذه الصفة يسمى سؤالاً؛ إذ معنى السؤال راجع إلى الطلب فيشمل الطلب بلسان الحال وبلسان المقال. والله أعلم.

263 / 329
ع
En
A+
A-