وقال الراغب: الثمن اسم لما يأخذه البائع في مقابلة المبيع عيناً كان أو سلعة، وكل ما يحصل عوضاً عن شيء فهو ثمنه، قال تعالى: {الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}[آل عمران:77] .وقال: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}[البقرة:41] وظاهر كلامه أنه حقيقة فيما كان في مقابلة العين وفيما لم يكن كذلك، وهاهنا سؤال: وهو أن القياس دخول الباء على ما كان ثمناً؛ لأن الثمن في البيع حقيقته أن يشتري به، وفي الآية دخلت على المبيع، وجوابه أن الاشتراء لما كان على معنى الاستبدال جاز دخول الباء على الآيات؛ لأن معنى الاستبدال يكون المنصوب فيه هو الحاصل، وما دخلت عليه الباء هو الزائل، ذكره أبو حيان.
وقال المهدوي: دخول الباء على الآيات كدخولها على الثمن، وكذلك كل ما لا عين فيه، وإذا كان في الكلام دراهم أو دنانير دخلت الباء على الثمن. قاله الفراء.
قال أبو حيان: ومعناه أنه إذا لم يكن دراهم ولا دنانير في البيع صح أن يكون كل واحد من المبذول ثمناً ومثمناً، لكن تختلف دخول الباء بالنسبة إلى من نسب الشراء إلى نفسه من المتعاقدين جعل ماحصل هو المثمن فلا تدخل عليه الباء، وجعل ما بذل هو الثمن فأدخل عليه الباء.
واعلم أنه لابد من تقدير مضاف يتبين به المعنى الاّ على القول بأنه كنى بالآيات عن الأوامر والنواهي فلا يحتاج إلى شيء، واختلف في المقدر فقيل: بتعليم آياتي، وهذا قول أبي العالية؛ لأن معنى الآية عنده لا تأخذوا على آياتي أجر، ونفس الآيات لا تشترى ولا يؤخذ عليها أجراً، فالمراد تعليمها، واختاره السيد محمد بن الهادي، وقيل: التقدير لا تشتروا بكتمان آياتي، والآيات هي ما في كتبهم من أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا قول السدي.
وقال الحسن: بتغيير آياتي، وهو مبني على أنهم أخذوا العوض على التحريف، وتغيير الأحكام، ووصف الثمن بالقلة؛ لأن ما حصل عوضاً عن آيات الله لا يكون إلا قليلاً وإن بلغ ما بلغ، فليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف التي تخصص النكرات، بل من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات؛ إذ لا يكون إلا قليلاً، ويحتمل أن يكون ثم معطوف تقديره: ولا كثيراً، فحذف لدلالة المعنى عليه، والآية تدل على تحريم أخذ العوض على آيات الله، وتفصيل ذلك في مسائل:
المسألة الأولى [تحريم جعل القراءة مهراً]
المسألة الأولى: في الآية دليل على أنه لا يجوز جعل تعليم القرآن مهراً؛ لأنه يكون من الاستبدال بآيات الله ثمناً قليلاً، والآية نص في تحريم ذلك، ولما سيأتي من أدلة تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وجعله ذريعة إلى نيل الحطام، ولقوله تعالى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}[النساء:24] فإن ظاهره يدل على أن استباحة الوطئ مشروطة بما يكون مالاً، وتعليم القرآن ليس بمال ولا جار مجراه؛ ولأن تعليم القرآن فرضٌ بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((تعلموا القرآن وعلموه الناس)) والفروض لا يجوز أخذ الأجرة عليها ولا جعلها مهراً، وهذا هو الذي يقتضيه كلام الهادي عليه السلام لأنه نص على أنه لا يجوز أخذ العوض على تعليم القرآن، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
قال الإمام المهدي: وكل من منع التأجير على تعليم القرآن منع جعله مهراً، وهو المذهب.
وقال الإمام يحيى: بل يصح جعل تعليمه مهراً، وهو قول الشافعي، ورواه النووي عن عطاء، والحسن بن صالح، ومالك، وإسحاق وغيرهم، واحتجوا بما رواه البخاري في الصحيح.
قال: حدثنا علي بن عبد الله،حدثنا سفيان سمعت أبا حازم يقول: سمعت سهل بن سعد الساعدي يقول: إني لفي القوم عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قامت امرأة فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك فرَ فيها رأيك، فلم يجبها شيئاً، ثم قامت فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك فرَ فيها رأيك، فلم يجبها شيئاً، ثم قامت الثالثة فقالت: إنها قد وهبت نفسها لك فرَ فيها رأيك، فقام رجل فقال: يا رسول الله أنكحنيها.
قال: هل عندك من شي؟ قال: لا. قال: ((اذهب فاطلب ولو خاتماً من حديد))، فذهب فطلب، ثم جاء فقال: ما وجدت شيئاً، ولا خاتماً من حديد، فقال: فهل معك من القرآن شيء؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا. ((قال: اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن)) .
أمَّا علي بن عبد الله فهو المديني، وأما سفيان فهو ابن عيينة، وللبخاري إلى أبي حازم غير هذه الطريق.
وفي (صحيح مسلم): حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي، حدثنا يعقوب يعني ابن عبدالرحمن القاري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعيد.
(ح) وحدثناه قتيبة،حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصعد النظر فيها وصوَّبه، ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه،فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست، فقام رجل من أصحابه فقال:يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: ((فهل عندك من شيء؟)) فقال: لا والله يا رسول الله.فقال: ((اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئاً)) فذهب ثم رجع فقال: لا والله ما وجدت شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((انظر ولو خاتماً من حديد)) فذهب، ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري.
قال سهل: ما له رداء فلها نصفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء)) فجلس الرجل حتى إذا أطال مجلسه قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مولياً فأمر به فدعي له، فلما جاء قال: ((ماذا معك من القرآن؟))
قال: معي سورة كذا وسورة كذا عددها.
فقال: ((تقرأهن عن ظهر قلبك؟ ))
قال: نعم.
قال: ((اذهب فقد ملكتها بما معك من القرآن)).
قال مسلم: هذا حديث بن أبي حازم، وحديث يعقوب يقاربه في اللفظ، وحدثنا خلف بن هشام، قال حدثنا حماد بن زيد.
(ح) وحدثنيه زهير بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة.
(ح) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن الدراوردي.
(ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة كلهم عن أبي حازم، عن سهل بن سعد بهذا الحديث يزيد بعضهم على بعض غير أن في حديث زائدة قال: انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن.
قوله: عبد الرحمن القاري هو بتشديد الياء منسوب إلى القارة قبيلة معروفة، قوله: صعد هو بتشديد العين أي رفع، وصوب بتشديد الواو أي حفظ، قوله: فقد ملكتها هكذا في معظم النسخ، وقد نقله بعضهم عن رواية الأكثرين ملكتها بضم الميم وكسر اللام المشددة على ما لم يسم فاعله، وفي بعض النسخ ملكتكها، والحديث رواه في (الشفاء) من حديث سهل بن سعد، وأخرجه من حديثه مالك وعبدالرزق، وأحمد وأبو داود، والترمذي والنسائي، وابن المنذر، وابن مردويه ذكر له ابن حزم طرقاً في المحلى قال في بعضها ومن طريق مسلم، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا الحسين بن علي، عن زائدة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله قد وهبت نفسي لك فاصنع فيَّ ما شئت.
فقال له شابٌ عند رسول الله: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها.
قال: ((وعندك شيء تعطيها إياه؟))
قال: ما أعلمه.
قال: ((فانطلق فاطلب فلعلك تجد شيئاً ولو خاتماً من حديد)) فأتاه فقال: ما وجدت شيئاً إلا إزاري هذا.
قال: ((إزارك هذا إن أعطيتها إياه لم يبق عليك شيء)).
قال: ((تقرأ أم القرآن؟))
قال: نعم.
قال: ((فانطلق، فقد زوجتكها، فعلمها من القرآن)).
وقال ابن حزم أيضاً: (نا) حمام بن أحمد القاضي، (نا) عبد الله بن محمد بن علي الباجي، (نا) عبد الله بن يونس المرادي، (نا) بقي بن مخلد، (نا) أبو بكر بن أبي شيبة،(نا) الحسن بن علي هو الجعفي عن زائدة عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زوج رجلاً من امرأة على أن يعلمها سورة من القرآن.
قال ابن حزم: والحديث مشهور ومنقول نقل التواتر من طرق الثقات، قال: ورويناه أيضاً من طريق يعقوب بن عبد الرحمن القاري، وعبد العزيز بن محمد الداوردي، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، ومعمر ومحمد بن مطرف، وفضيل بن سليمان وغيرهم كلهم عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللحديث طرق منها عن أبي هريرة عند أبي داود إلا أنه اختصره، وقال: بعد ذكر السند إلى عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة نحو هذه القصةولم يزد على هذا إلا قوله: لم يذكر الإزار والخاتم.
فقال: ما تحفظ من القرآن؟
قال: سورة البقرة والتي تليها.
قال: فقم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك، وأخرج من حديث أبي هريرة النسائي، ومنها عن ابن عباس، عند أبي الشيخ، وأبي عمر بن حيوية في فوائده، ومنها عن جابر عند أبي الشيخ وفي حديثه، وحديث ابن عباس: هل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال نعم. {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}[الكوثر:1].
قال: ((أصدقها إياها)).
وفي حديث ابن عباس أيضاً: ((أزوجها منك على أن تعلمها أربع أو خمس سور من كتاب الله)).
ومنها: عن ضميرة جد حسين بن عبد الله عند الطبراني، وفي حديثه زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً على سورة البقرة لم يكن عنده شيء.
ومنها: عن أنس عند البخاري، والترمذي.
ومنها: عن أبي أمامة عند تمام في فوائده، وفي حديثه زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً من أصحابه امرأة على سورة من المفصل جلعها مهراً وأدخلها عليه، وقال: علمها.
ومنها: عن ابن مسعود عند الدراقطني وفي حديثه نعم سورة البقرة، وسورة المفصل.
قال الحافظ: ويجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر وأن القصص متعددة.
قالوا: فهذه الأخبار دليل على ما ذهبوا إليه من جواز جعل تعليم القرآن مهراً، أجاب الأولون بوجوه:
الوجه الأول: أن الباء في قوله: بما معك من القرآن بمعنى اللام أي لما معك من القرآن على معنى التكرمة لكونه حاملاً للقرآن كما يقال: زوجتك لدينك ولشرفك، أو يقال: أزوجك على أن تتقي الله فيها وتحسن عشرتها، ولا يكون المراد في شيء من ذلك أنه مهر.
قال بعض العلماء ما معناه: والموجب للتأويل أنه لم يقل أحد أن نفس ما معه من القرآن يكون مهراً، فلا بد من تقدير إما على ما ذهبتم إليه فالتقدير بتعليمها ما معك من القرآن.
وإما على ما ذهبنا إليه مما ذكرناه آنفاً، ولستم بأولى منا بالتقدير، والمرجح لما قدرناه ما مر من الدليل على أنه يشترط في المهر أن يكون مالاً أو ما يجري مجراه، وأدلة تحريم العوض على تعليم القرآن.
الوجه الثاني: أن الباء للسسبيه، والمعنى زوجتكها بسبب ما معك من القرآن وهو قريب من الأول، وعلى هذين الوجهين فليس في الحديث إسقاط الصداق.
قال بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما تحقق عجزه سأله هل معه شيء من القرآن؛ لأن القرآن هو الغنى الأكبر، فلما ثبت له حظ منه ثبت له حظ من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فزوجه، وليس في الحديث إسقاط الصداق، فلعله زوجه إياها بصداق وجدت مظنته وإن لم توجد حقيقته، وإذا وجدت المظنة أوشك أن يحصل بفضل الله ببركة ما معه من القرآن، وحاصله أنه سكت عن المهر فيكون ثابتاً في ذمته إذا أيسر، ويشهد بصحة هذين التأويلين ما روي عن أنس أنه صلى الله عليه وآله وسلم زوج أم سليم أبا طلحة على إسلامه وسكت عن المهر؛ لأنه معلوم، وقد جاء التصريح بذكر المهر واشتراطه عند الميسرة في رواية ابن مسعود، وهيما أخرجه البيهقي عن ابن مسعود أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله رءَ فيّ رأيك... الحديث.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني للذي يخطبها: ((فهل تقرأ من القرآن شيئاً؟))
قال: نعم. سورة البقرة وسورة المفصل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((قد أنحكتكها على أن تقرئها وتعلمها، وإذا رزقك الله عوضتها)) فتزوجها الرجل على ذلك.
قال البيهقي: أخبرناه أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر أبو الحسن الدار قطني الحافظ، ثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل، ثنا القاسم بن هاشم السمسار، ثنا عتبة بن السكن، ثنا الأوزاعي فذكره.
قلت: ورواه الأوزاعي كما ذكره البيهقي عن محمد بن عبد الله بن أبي طلحة، عن زياد بن أبي زياد، عن عبد الله بن شخيرة، عن ابن مسعود.
قال البيهقي: عتبة منسوب إلى الوضع، وهذا يعني الحديث باطل لا أصل له، وحكي عن الدرا قطني أنه قال: تفرد به عتبة، وهو متروك الحديث.
قال في (الجوهر النقي): طالعت كثيراً من كتب أهل هذا الشأن فأكثرهم لم يذكر عتبة، وبعضهم ذكره، وفيه كلام الدارقطني خاصة، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال يخطئ ويخالف لم يزد على هذا فلا أدري من أين للبيهقي أنه منسوب إلى الوضع.
الوجه الثالث: أن المراد بتعليمه إياها تحصيل المنفعة التي تقوم بما يعجل به قبل الدخول دون المهر لجهالته، وقد ثبت بإجماع المسلمين أن من استأجر رجلاً بدرهم على أن يعلمه سورة من القرآن أن ذلك لا يصح للجهالة التي فيها، وكذلك لو باع داره بتعليم سورة من القرآن، وكل ما يوجب بطلان الإجارة والبيع من جهة الجهالة فهو يوجب بطلان المهر.
الوجه الرابع: ذكره الطحاوي، والأبهري وغيرهما أن هذا الحكم خاص بذلك الرجل، واحتجوا بما أخرجه سعيد بن منصور في سننه، قال نا أبو معاوية، نا أبو عرفجة الفاشي عن أبي النعمان الأزدي، قال زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأة على سورة من القرآن، ثم قال: ((لا يكون لأحد بعدك مهراً))، وفي سنن أبي داود عن مكحول أنه كان يقول: ليس ذلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأخرج أبو عوانة من طريق الليث بن سعد نحوه.
الوجه الخامس: أن الحديث محتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم زوجه لأجل ما حفظه من القرآن، وأصدق عنه كما كفر عن الذي واقع أهله في رمضان، ويكون ذكر القرآن للحث على تعلمه وتعليمه، والتنويه بفضله وفضل أهله، وأجيب عن هذه التأويلات بجوابين جملي، وتفصيلي:
أما الجملي: فهو أن في بعض الروايات تصريح في أنه جعل التعليم مهراً وبعضها كالصريح.
قال القرطبي: قوله علمها نص في الأمر بالتعليم، والسياق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح فلا يلتفت لقول من قال أن ذلك كان إكراماً للرجل، فإن الحديث مصرح بخلافه.
وأما الجواب التفصيلي: فيقال الجواب عن الوجه الأول والثاني بأن ذلك خلاف الظاهر ولا موجب للمصير إليه، بل الظاهر أن الباء في قوله بما معك للتعويض كقولك بعتك ثوبي بدينار، لا سيما وقد كثر منه صلى الله عليه وآله وسلم طلب المال من ذلك الرجل حتى تبين له عجزه، فزوجه بما معه من القرآن، ويعضد ذلك ما في الروايات الأخر من قوله: علمها، وقوله: على أن تعلمها، وقوله: أصدقها إياه، فهذه الروايات تؤيد الظاهر، وتدفع هذين الاحتمالين.
قال بعض العلماء: لو كانت الباء بمعنى اللام على معنى التكرمة لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والموهوبة خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال عياض: يحتمل قوله: بما معك من القرآن وجهين أظهرهما أن يعلمها ما معه من القرآن أو مقداراً معيناً منه كما في حديث أبي هريرة، ويكون ذلك صداقها، ويؤيده قوله في بعض طرق فعلمها من القرآن، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى اللام أي لأجل ما معك من القرآن، فأكرمه بأن زوجه بلا مهر، ويؤيد الاحتمال الأول ما أخرجه ابن أبي شيبة، والترمذي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل رجلاً من أصحابه ((يا فلان هل تزوجت؟))
فقال: لا، وليس عندي ما أتزوج به.
قال: ((أليس معك {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}[الإخلاص:1]؟)) فكأنه قال ليس عندي ما أجعله مهراً، فأجاب عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه إذا كان حافظاً لسورة الإخلاص فهو متمكن من المهر، وليس المراد أنه يجعل نفس السورة مهراً فلم يبق إلا أن المراد أنه إذا علم المرأة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فهو مهرها، وذلك قائم مقام إعطاء المال.
هذا وأمَّا قصة سليم فهي حجة عليكم لا لكم لأنه قد صرح فيها بأنه جعل الإسلام مهراً، وذلك فيما أخرجه النسائي وصححه عن أنس، قال خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما مثلك يرد ولكنك كافر وأنا مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك فإن تسلم فذلك مهري ولا أسألك غيره فكان ذلك مهرها، وأخرج النسائي أيضاً نحوه من طريق أخرى.
وأمَّا حديث ابن مسعود فقد عرفت ما فيه من المقال.
والجواب عن الوجه الثالث أنكم قد التزمتم فيه جواز جعل تعليم القرآن عوضاً عن ما تستحقه المرأة عند الدخول، وحملتم الحديث على ذلك فلم منعتم جواز كونه مهراً كما صرحت به الأحاديث السابقة، وقولكم أن المهر لا يقبل الجهالة ليس على إطلاقه فإن العترة والفريقين نصوا على أنه إذا سمى عبداً موصوفاً كتركي أو حبشي صح، قالوا بأن جهالته أقل من جهالة مهر المثل فصححوه مع ضرب الجهالة، وقالوا: يرجع في معرفة الوصف إلى قول عدلين بصيرين.
وقال الهادي وأبو حنيفة: إذا لم يصف القيمي تعين الوسط من ذلك الجنس.
وروى في العلوم و(تتمة الشفاء) عن علي عليه السلام في الرجل يتزوج المرأة على وصيف، قال: لا وكس ولا شطط.
وفيهما عنه عليه السلام في الرجل يتزوج على جهاز البيت، قال: لا وكس ولا شطط.
والجواب عن الرابع أن دعوى الخصوص تحتاج إلى دليل، وأمَّا حديث النعمان الأزدي فلا تقوم به حجة لإرساله لأن أبا عرفجة وأبا النعمان مجهولان.
وأمَّا قول مكحول والليث فلا حجة فيه.