تنبيه [في إيضاح الإشكال في قوله ((واشترطي لهم الولاء))]
استشكل العلماء قوله في حديث هشام بن عروة (واشترطي لهم الولاء) لأن ذلك يجري مجرى التغرير والخداع للقوم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم منزه عن ذلك فلأجل ذلك أنكر بعض العلماء هذه اللفظة، وقال: تفرد بها هشام فيحمل على وهم وقع له، وقيل: إنه كان قد خولط في عقله آخر عمره،وقد أشار الشافعي في (الأم) إلى تضعيف هذه الرواية لانفراد هشام بها دون أصحاب أبيه،وأجيب بأن هشاماً ثقة حافظ، والحديث صحيح فلا وجه لرده، بل يجب تأويل هذه اللفظة، وقد أُوِّلَتْ على وجوه:
منها: أن لهم بمعنى عليهم كما في قوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}[الإسراء:7] وهذا قول المزني والخطابي، وروي عن الشافعي، والمعنى اشترطي عليهم الولاء، وضعفه النووي لأنه أنكر الاشتراط، ولو كانت بمعنى على لم ينكره.
ومنها: أنه خاص بقصة عائشة، وهذا حكاه النووي عن أصحابه، وقال: هو الأصح، قال: واحتمل هذا الإذن وإبطاله في هذه القصة، وهي قضية عين لا عموم لها.
قالوا: والحكمة في الإذن به ثم إبطاله أن يكون أبلغ في قطع عادتهم في ذلك وزجرهم عن مثله كما أذن صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، وخصهم بذلك ليكون أبلغ في زجرهم عما اعتادوه من منع العمرة في أشهر الحج، وقد يحتمل المفسدة اليسيرة في جنب مصلحة عظيمة، واعترضه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل.
ومنها: أن معنى اشترطي أظهري، والمعنى: أظهري لهم حكم الولاء، وقد رويت هذه اللفظة بلفظ: اشرطي.
قال الطحاوي: حدثني المزني به، عن الشافعي بلفظ: واشرطي لهم الولاء بهمزة قطع بغير مثناة فوقية، ثم وجهها بأن المعنى أظهري لهم حكم الولاء.
ومنها: أنه خرج مخرج الزجر والتهديد، فكأنه صلى الله عليه وآله وسلم قصد أنه لا ينفعهم هذا الاشتراط، ويدل عليه أنه غضب فصعد المنبر، وهو تأويل حسن إن كان قد تقدم بيان حكم الولاء قبل ذلك.

ومنها: أن الأمر للإباحة وهو على وجه التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم وأن وجوده كعدمه فكأنه قال: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم، ويؤيده قوله في رواية أيمن: ((اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاءوا)).
الوجه الثالث: مما احتج به من قال بتوريث المولى مع ذوي سهام المعتق بالفتح ما روي أن ابنة حمزة بن عبد المطلب أعتقت عبداً لها فمات، وترك بنتاً، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصف ميراثه لبنت حمزة، ونصفه لبنت المعتق. رواه في (الشفاء) و(أصول الأحكام)، وأخرجه النسائي، وابن ماجة.
قالوا: وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف.
قلت: ابن أبي ليلى لم يقدح فيه بما يسقط بمثله الاحتجاج به، والأولى أن يقال: حديث ابنة حمزة مضطرب اللفظ، ففي (الجامع الكافي) عن إبراهيم أن مولى لحمزة مات وليس له ولد، فأطعم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنة حمزة النصف مما ترك.
وعن جابر بن زيد، عن ابن عباس أن مولى لحمزة توفي وترك ابنته وابنة حمزة فأعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته النصف وابنة حمزة النصف. أخرجه الدارقطني، وسكت عنه في (التلخيص).
وعن قتادة، عن سلمى ابنة حمزة أن مولاها مات وترك ابنته فورث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته النصف، وورث يعلى النصف وكان ابن سلمى. أخرجه أحمد، وسكت عنه في (التلخيص).
وقال في (مجمع الزوائد): رجال أحمد ثقات إلا أن قتادة لم يسمع من سلمى ابنة حمزة.
قال: وأخرجه الطبراني بأسانيد رجال بعضها رجال الصحيح، وهذه الرواية تدل على أنه لا يرث النساء من الولاء شيئاً، ويشهد له ما في (الجامع الكافي) عن علي عليه السلام أنه لم يورث النساء من الولاء شيئاً وقال: إنما الولاء للذكور، لكن هذا ليس على ظاهره لما ثبت من توريث المرأة ممن أعتقته فيحمل على أن المراد به أنهن لا يشاركن الذكور في الولاء إلا ما أعتقن.

نعم، ومع اضطراب حديث ابنة حمزة هذا فلا يصلح للاحتجاج به، ويمكن أن يقال روايات كونها المعتقة أشهر وأقوى حتى قال البيهقي: اتفق الرواة على أن ابنة حمزة هي المعتقة، وقال: إن قول إبراهيم النخعي أنه مولى حمزة غلط، وقد جمع بين الروايات بالحمل على تعدد الواقعة، وأنه أضاف مولى الوالد إلى الولد بناء على القول بانتقاله إليه أو توريثه به.
الوجه الرابع: أنه ثابت عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال في (الشفاء) عن علي عليه السلام أنه قال: إذا مات المعتق وخلف ذوي سهام نفسه وعصبة مولاه كان لذوي سهامه سهامهم، ويرد الباقي إلى عصبة مولاه.
قال: وبه قال محمد بن علي الباقر، وولده جعفر الصادق، ومحمد بن عبد الله بن الحسن النفس الزكية، وأبو بكر، وزيد بن ثابت.
وقال في (أنوار التمام) لزبارة: الروايات المصححة عن علي عليه السلام أن مولى العتاق يرث الباقي بعد أخذ ذوي السهام سهامهم بتعصيب الولاء.
وروي في (سنن البيهقي الكبرى) عن سلمة بن [الفضل] قال: رأيت المرأة التي ورثها علي-رضي الله عنه-فأعطى الابنة النصف، والمولى النصف.
وأخرج أبو الشيخ في (الفرائض) عن محمد بن الحنفية، عن أبيه علي عليه السلام في رجل مات وترك ابنته ومولاه فللابنة النصف وللمولى النصف قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفعله، وهذه الرواية قد تضمنت الرفع من طريقه عليه السلام .
وفي (تتمة الروض) عن علي عليه السلام وزيد بن ثابت أنهما كانا يقولان: إذا كان ذو رحم ذا سهم فله سهمه، وما بقي فللموالي هم كلالة.
الفرع الثاني: اختلف فيمن ترك ذوي أرحامه ومعتقه فروي عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن علي، والناصر: أن مولى العتاق لا يرث إلا بعد ذوي أرحام الميت، وهو مروي عن علي عليه السلام .

قال في (تتمة الروض): روى سفيان الثوري في (الفرائض) وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وابن ماجة، عن إبراهيم قال: كان عمر، وعلي، وابن مسعود يورثون ذوي الأرحام دون الموالي، هكذا في (التتمة)، وقال غير هؤلاء: بل يقدم المعتق على ذوي أرحام الميت، ويأخذ الباقي بعد ذوي السهام، ويسقط مع العصبات، وهذا ثابت عن علي عليه السلام .
قال في (المجموع): حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام أنه كان يورث مولى العتاقة دون الخالة والعمة وغيرهما من ذوي الأرحام، ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) ونحوه مما مر.
الفرع الثالث: أن الولاء يثبت للمعتق ولو أعتقه بعوض نحو أن يكاتبه، أو سراية نحو أن يعتق نصيبه فيسري.
قال في (التذكرة): أو بمثلة نحو أن يلطمه، أو سعاية نحو أن يعتقه في مرضه المخوف وهو مستغرق أو لا يملك سواه، أو استيلاد، أوعن واجب، والوجه في ذلك كله عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الولاء لمن أعتق)).

المسألة الرابعة [عظم المعصية بكثرة النعمة]
في الآية دلالة على أن بكثرة النعم تعظم المعصية، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مبعوثاً إلى بني إسرائيل.
قال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام : وتدل على وجوب ذكر الله، والوفاء بعهد الله وهو القيام بما فرض الله، واجتناب ما حرم الله، وأن ذلك في مقابلة نعمة الله، وخشيته من عذابه.
وقال الرازي: فيها دلالة على أنه يجب على المكلف أن يأتي بالطاعات للخوف والرجاء، وأن ذلك لابد منه في صحتها، ولعله أخذ من قوله: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}[البقرة:40] بعد أمره بذكر النعمة، والوفاء بالعهد، وكان صواب العبارة أن يقول مع الخوف والرجاء، وما ذكره صحيح إن أراد مع الخوف والرجاء، ويشهد له قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}[الأنفال:2]، وقوله: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ}[الإسراء:57] ونحوهما مما يدل على أن المؤمن ليس إلا من جمع بين الخوف والرجاء، وذلك كثير كتاباً وسنة، وإن أراد ظاهر عبارته وأنه يأتي بالطاعات لأجل الخوف والرجاء فلا معنى له؛ إذ الواجب أن يأتي بالطاعة للوجه الذي شرعت له كما مر في الفاتحة.

المسألة الخامسة [الوعيد للعصاة]
في قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}[البقرة:40] وعيد بالغ للعصاة.
قال الرازي: ويدل على أن المرء يجب أن لا يخاف أحداً إلا الله، قال: وكما يجب ذلك في الخوف فكذا في الرجاء والأمل، وذلك يدل على أن الكل بقضاء الله وقدره؛ إذ لو كان العبد مستقلاً بالفعل لوجب أن يخاف منه كما يخاف من الله تعالى، وهذا يبطل الحصر الذي دل عليه {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} بل كان يجب أن لا يرهب إلا نفسه؛ لأن مفاتيح الثواب والعقاب بيده لا بيد الله فلا يخاف الله البتة.
والجواب: أن الحصر إنما هو بإعتبار ماوقع الوعيد به وهو أن ينزل بهم ما أنزل بآبائهم، أخرج ابن جرير، عن ابن عباس {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره، أومطلق الخشية من عقابه على المعاصي، وهذا لا يدل على أنه لا يجوز الخوف من غير الله تعالى باعتبارات أخر، بل ذلك معلوم الوقوع فقد حكى الله الخوف من الظلمة وغيرهم عن الأنبياء"، وكذلك في الرجاء والأمل إنما ذلك فيما اختص الله بإيجاده والقدرة عليه.
قوله: وذلك يدل على أن الكل بقضاء الله...إلخ.
قلنا: من أين هذه الدلالة؟ ثم لو كانت كذلك فما معنى نهي العبد عن أن يرهب غير الله تعالى إذا كان الكل بقضاء الله، فإن الخوف من جملة ما يقضي به الله بزعمكم، فإن قضى بحصره على الخوف من الله وقع كما قلتم، وإلا فلا سبيل للعبد إلى حصره وقصره.
قوله: إذ لو كان العبد مستقلاً...إلخ.
قلنا: ملتزم فإنه يجب حصول الخوف من العباد فيما يدخل تحت مقدورهم سواء خافوه بحق أو باطل، وذلك معلوم الوقوع، لكن الخوف المأمور به في الآية ليس داخلاً تحت مقدور العباد؛ لأنه إما النقمات النازلة ببني إسرائيل، أو عقاب الآخرة، وكل ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله فلذلك حسن الحصر.
قوله: فإنه يجب أن يخاف منه كما يخاف من الله.

قلنا: إن أردت أنه يجب حصول الخوف من العبد كما يجب حصول الخوف من الله، وإن تفاوت الخوفان فملتزم إن كان على الوجه الذي ذكرناه، وإن أردت استواء الخوفين في العظم والرتبة، فغير مسلم ولا وجه لهذه الدعوى، فإن تفاوت درجات الخوف باعتبار عظم قدرة المخوف منه وضعفها أمر معلوم بالضرورة.
قوله: بل كان يجب أن لا يرهب إلا نفسه...إلخ.
قلنا: ليس المتوعد به أسباب الثواب والعقاب التي هي راجعة إلى اختيار العبد، بل المتوعد به عقاب الله الذي لا يقدر عليه غيره، فأما خوف العبد من نفسه أن ترديه وتلقيه في أسباب الهلاك فنحن لا ننكره، وقد أمر الله بمخالفة النفس، وحذرنا من اتباع تسويلها، والانقياد لشهواتها، وهذا يدل على أنها من جملة أعدائنا الذين يجب علينا الحذر والاحتراز منهم، وكل عدو فشأنه أن نخاف منه، وأما دعواه حصر الخوف عليها بأن لا نخاف الله تعالى ولا غيره فلا يقتضيه عقل ولا نقل، فإن الخوف من الله مغاير للخوف من غيره، وذلك معلوم، ومع المغايرة فلا وجه لما ذكره. والله اعلم.

[البقرة: 41]
قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ}[البقرة:41]
قد تقدم معنى الشراء والاشتراء.
وقال السيد محمد بن الهادي بن تاج الدين: الشراء لغة: أن تأخذ الشيء بثمن تعطيه فيه، ويطلق على البيع، فهو من أسماء الأضداد.
وقال الراغب: الشراء والبيع متلازمان، فالمشتري دافع الثمن وآخذ المثمن، والبائع عكسه، هذا إذا كانت المبايعة وسلعة، فأما إذا كان بيع سلعة بسلعة صح أن يتصور كل واحد منهما بائعاً ومشترياً، ومن هذا الوجه صار لفظ البيع والشراء يستعمل كل منهما في موضع الآخر، وشريت بمعنى: بِعت أكثر، وابتعت بمعنى: اشتريت أكثر، قال تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}[يوسف:20] أي: باعوه، وكذلك قوله تعالى: {يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ}[النساء:74].
قال: ويجوز الشراء والإشتراء في كل ما يحصل به شيء نحو: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ}[آل عمران:77].
قلت: ومنه هذه الآية، وقال أبو حيان وغيره: الاشتراء هنا مجاز [يراد به الاستبدال كما يقال: اشترى المسلم إذ تنصرا... والآية: العلامة، وتجمع على آي وآيات.
قال أبو السعود: ويقال للمصنوعات من حيث دلالتها على الصانع تعالى وعلمه وقدرته، ولكل طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل؛ لأنها علامة لانفصال ما قبلها مما بعدها، وقيل: لأنها تجمع كلمات منه فيكون من قولهم خرج بني فلان بآيتهم أي بجماعتهم.
قال:
خرجنا من البيتين لاحي مثلنا .... بآيتنا نزجي النعاج المطافلا

وقال الراغب: الآية هي العلامة الظاهرة، وحقيقته لكل شيء وهو ظاهر وملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته، إذ كان حكمهما سواء، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمن علم ملازمة العلم للطريق المنهج، ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق، وكذا إذا علم شيئاً مصنوعاً علم أنه لابد له من صانع، قال: وقيل للبناء العالي آية نحو {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً}[الشعراء:128] ولكل جملة من القرآن دالة على حكم آية سورة، كانت أو فصولاً أو فصلاً من سورة، وقد يقال لكل كلام منه منفصل بفصل لفظي آية، وعلى هذا اعتبار آيات السور التي تعد بها السور، والآيات المذكورة في الآية المراد بها الأوامر والنواهي، أو ما أنزل من الكتب الإلهية المحتوية على التكليف، أو القرآن، أوما أوضح من الحجج والبراهين، أو الآيات المنزلة على بني إسرائيل في التوراة والإنجيل المتضمنة الأمر بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل: إن الآية نزلت في اليهود.
قال الخازن: وذلك أن كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود وعلماءهم كانوا يصيبون المآكل من سفلتهم وجهالهم، وكانوا يأخذون منهم في كل سنة شيئاً معلوماً من زرعهم وثمارهم ونقودهم وضروعهم، فخافوا أن بينوا صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل فغيروا نعته، وكتموا اسمه، واختاروا الدنيا على الآخرة، وأصروا على الكفر، وقيل: كانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم، وتسهيلهم لهم ما صعب من الشرائع، وكان ملوكهم يدرون عليهم الأموال ليكتموا أو يحرفوا.
وفي (الكشاف): وعلى هذا فالآية خاصة باليهود، لكن العموم لا يقصر على سببه، وقال السيد محمد بن الهادي: هي عندنا لا تقصر على أحبار اليهود بل عامة.

وقال الحاكم: هذا الخطاب كما يتوجه إلى علماء بني إسرائيل يتوجه إلى علماء السوء من هذه الأمة إذا اختاروا الدنيا على الدين.
قلت: وإذا صح أنها نزلت في اليهود فنزولها فيهم إنما كان لذمهم، وبيان ما ارتكبوه من عظيم جرمهم، وهو الكفر بالقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، كما دل عليه قوله في أول الآية: {وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}[البقرة:41] والمنزل إنما هو القرآن إذلم ينزل في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم غيره، فوبخهم الله ونهاهم عن أن يستبدلوا بالدين المتين والحق الواضح شيئاً يسيراً من الزائلة من الفانية،وإذا كان ذلك كذلك وجب فيمن فعل فعلهم وارتكب معصيتهم أن يكون حكمه حكمهم، على أنه قد ورد نحو هذه الآية خطاباً للأمة بأسرها.
قال تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ}[النحل:95،96] ونحوها، مع أنه لا خلاف أن من استبدل بآيات الله وأحكامه شيئاً من الدينا وآثرها على ذلك أنه من الخاسرين الهالكين، والثمن العوض المبذول في مقابلة العين المبيعة، قال الشاعر:
إن كنت حاولت دنيا أوظفرت بها .... فما أصبته بترك الحجج من ثمن
أي من عوض، فإذا أطلق في غير ذلك كان توسعاً وتشبيهاً نحو ذكر الثمن في هذه الآية.

260 / 329
ع
En
A+
A-