قال القسطلاني: وأخرج الشافعي من رواية أبي يوسف القاضي، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: (الولاء لحمة كلحمة النسب) وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى، وأخرجه أبونعيم من طريق عبد الله بن جعفر بن أعين بن بشر فزاد في المتن: (لا يباع ولا يوهب)، ومن طريق عبدالله بن نافع، عن عبد الله بن دينار: (إنما الولاء نسب لا يصح بيعه ولا هبته) والمحفوظ في هذا ما أخرجه عبدالرزاق، عن الثوري، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب موقوف عليه: (الولاء لحمة كلحمة النسب)، وقال علامة العصر بعد أن ذكر الحديث وأنه أخرجه الحاكم وابن حبان وصححه البيهقي وأعله من حديث ابن عمر ما لفظه: جمع أبو نعيم طرقه فرواه من نحو خمسين رجلاً من أصحاب عبدالله بن دينار عنه، وأخرجه أبو جعفر الطبري في تهذيبه، والطبراني في (الكبير) وأبو نعيم أيضاً من حديث عبد الله بن أبي أوفى فلا وجه لما قاله البيهقي من أنه يروى بأسانيد كلها ضعيفة.
قلت: [أما قوله]: جمع أبو نعيم طرقه، فظاهر كلام القسطلاني أنه ما رواه البخاري في صحيحه فقال: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شُعبة، قال: أخبرني عبد الله بن دينار سمعت ابن عمر يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله ((عن بيع الولاء وعن هبته)) .
قال القسطلاني: قد اشتهر هذا الحديث عن عبدالله بن دينار حتى قال مسلم في صحيحه: الناس في هذا الحديث عيال عليه، وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهاني بجمع طرق هذا الحديث عن عبد الله بن دينار، فأورده عن خمسة وثلاثين نفساً ممن حدث به عن عبد الله بن دينار، والحديث أورده مسلم في صحيحه فقال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((نهى عن بيع الولاء وعن هبته)) وله إلى عبد الله بن دينار طرق، وفي طريق منها لم يذكر إلا النهي عن البيع ولم يذكر الهبة، وأخرجه أبو داود، والنسائي، ورواه في (الجامع الكافي).

واعلم أن حديث الولاء لحمه...إلخ قد رواه الإمام أحمد بن سليمان، والأمير الحسين، وصححه ابن حبان، وهذا كاف في صحة الاحتجاج به، ويشهد له ما في (الجامع الكافي) عن علي عليه السلام أنه قال: (الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب) ووجه الاستدلال به على المطلوب أنه يقتضي أن السيد كأنه بإعتاقه العبد أدخله في لحمة نسبه، وصار له بمنزلة أبيه لانتسابه إليه وإلى عصبته بالولاء، فيقال: مولى فلان ومولى بني فلان، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حكمه حكم عصبة العبد في أنه إذا فضل عن ذوي سهامه شيء يكون للسيد أو عصبته، ويؤيده أنه ألحقه برتبة النسب في أنه لا يباع ولا يوهب، وما ذلك إلا لعدم صحة انفكاك نسبته عن معتقه.
قال بعض العلماء: وهذا أقرب شيء إلى توريث المولى المعتق وعصبته مع ذوي سهام المعتق -بالفتح.
الوجه الثاني: قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إنما الولاء لمن أعتق)) فهو حديث صحيح رواه أئمتنا وغيرهم.
قال الهادي عليه السلام : روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بريرة جارية اشترتها عائشة فكان فيها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربع سنن:
فأولهن: أن عائشة اشترتها واشترط عليها الذي باعها أن الولاء له، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((الولاء لمن أعتق)) وتصدق على بريرة بشيء يخفق، فذكرت ذلك عائشة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((هو لنا هدية وعليها صدقة)) وأكل منه صلى الله عليه وآله وسلم .
والثالثة: أنه كان لها زوج فخيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد العتق فجرت السنة بتخيير الأمة بعد عتقها، فإن اختارت نفسها كان ذلك فسخاً لما بينها وبين زوجها من النكاح، وإن اختارت زوجها كانت معه على نكاحها.
والرابعة: أنه لم يجعل بيعها طلاقها ولو جعل بيعها طلاقها لم يخيرها من بعد عتقها في أمرها وأمر زوجها، فجرت السنة بهذه الأربع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ذكره في (الأحكام).

وفي (أمالي أحمد بن عيسى) عليه السلام ، حدثنا محمد، قال: حدثنا عباد، عن محمد بن فضيل، عن حصين، عن عامر قال: قضى في بريرة ثلاث قضايا اشترتها عائشة وشرطت ولاءها لأهلها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((الولاء لمن أعتق)) وكان لها زوج فخيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أعتقت، وتصدق عليها بلحم فأهدته إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((هو لها صدقة ولنا هدية)).
وفي (الجامع الكافي) قال محمد يقال:إن في بريرة أربع سُنن، وبريرة جارية اشترتها عائشة، واشترط مواليها على عائشة أن تعتقها ويكون الولاء لهم، فاستفتت عائشة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما بال أقوامٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله شرط الله أوثق، والولاء لمن أعطى الورق، وما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)).
فأبطل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشرط، وأثبت البيع في بريرة، وجعل الولاء لعائشة فجرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الولاء لمن أعتق، وتصدق على بريرة بشيء فذكرت ذلك عائشة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((هو عليها صدقة ولنا هدية)) فأصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه، فجرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه إذا تصدق على المسكين بصدقة وأهداها إلى غني أو دعاه إليها فأصاب منها كان ذلك حلالاً، وكان لبريرة زوج فخيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد العتق فجرت السنة بأن الأمة إذا عتقت ولها زوج خُيرت، فإن اختارت نفسها كانت فرقة بغير طلاق، وإن اختارت زوجها بقيت معه بالنكاح الأول، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل بيعها طلاقها، ولو كان جعل بيعها طلاقها لم يخيرها.

وفي (صحيح مسلم) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن سماك، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها اشترت بريرة من أناس من الأنصار واشترطوا الولاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الولاء لمن ولي النعمة)) وخيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان زوجها عبداً، وأهدت لعائشة لحماً فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لو صنعتم لنا من هذا اللحم)) قالت عائشة: تصدق به على بريرة، قال: ((هو لها صدقة ولنا هدية)) وأخرجه البيهقي بسنده إلى زائدة وهو زائدة بن قدامة الثقفي، وسماك هو: ابن حرب.
وفي (صحيح البخاري) حدثنا آدم حدثنا شعبة، حدثنا الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، وأراد مواليها أن يشترطوا ولاءها، فذكرت عائشة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((اشتريها فإنما الولاء لمن أعتق)).
قالت: وأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلحم فقلت: هذا ما تصدق به على بريرة، فقال: ((هو لها صدقة ولنا هدية)).
آدم هو: ابن أبي إياس، وشعبة هو: ابن الحجاج، والحكم هو: ابن عتيبة.
وفي (سنن البيهقي): أخبرنا أبو القاسم الفقيه، ثنا أحمد بن سليمان، ثنا جعفر الطيالسي، ثنا محمد بن سنان، ثنا همام، ثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبداً أسوداً اسمه مغيث، قال: فكأني أراه يتبعها في سكك المدينة يعصر عينيه عليها، قال: وقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها أربع قضيات، فقال: ((إن الولاء لمن أعتق)) وخيرها وأمرها أن تعتد.
قال: وتصدق عليها بصدقة فأهدت منها لعائشة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((هو لها صدقة ولنا هدية)).

وفي (صحيح مسلم): حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يحدث عن عائشة أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، فاشترطوا ولاءها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((اشتريها واعتقيها فإن الولاء لمن أعتق)). وأهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحم، فقالوا للنبي -صلى الله عليه وآله-: هذا تصدق به على بريرة، فقال: ((هو لها صدقة وهو لنا هدية)) وخيرت، فقال عبد الرحمن: وكان زوجها حُراً.
قال شعبة: ثم سألته عن زوجها فقال: لا أدري.
وفيه حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن العلاء، واللفظ لزهير قالا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان في بريرة ثلاث قضيات أراد أهلها أن يبيعوها واشترطوا ولاءها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((اشتريها واعتقيها فإن الولاء لمن أعتق)) قالت: وعتقت، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاختارت نفسها.
قالت: وكان الناس يتصدقون عليها وتهدي لنا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((هو عليها صدقة وهو لكم هدية فكلوه)).
وفي (صحيح البخاري) حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك، عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: كان في بريرة ثلاث سُنن إحدى السنن أنها أعتقت فخيرت في زوجها، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الولاء لمن أعتق)). ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والبرمة تفور بلحم فقرب إليه خبز وإدام من إدام البيت فقال: ألم أر البرمة فيها لحم؟ قالوا: بلى. ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة، فقال: ((عليها صدقة ولنا هدية)) وأخرجه مسلم قال: حدثني أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب، أخبرنا مالك بن أنس فذكره.

وفي (صحيح البخاري) أيضاً حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبدالواحد بن أيمن، قال: حدثني أبي أيمن، قال: دخلت على عائشة فقلت: كنت لعتبة بن أبي لهب ومات وورثني بنوه وإنهم باعوني من ابن أبي عمرو فأعتقني ابن أبي عمرو، واشترط بنو عتبة الولاء، فقالت: دخلت بريرة وهي مكاتبة فقالت:اشتريني واعتقيني، قالت: نعم. قالت: لا تبيعوني حتى تشترطوا ولائي، فقالت: لا حاجة لي بذلك، فسمع بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بلغه فذكر ذلك لعائشة، فذكرت عائشة ما قالت لها، فقال: اشتريها واعتقيها ودعيهم يشترطون ما شاءوا، فاشترتها عائشة فأعتقتها، واشترط أهلها الولاء، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((الولاء لمن أعتق وإن اشترطوا مائة شرط)).
وفيه: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن أن بريرة جاءت تستعين عائشة أم المؤمنين فقالت لها: إن أحب أهلك أن أصب لهم ثمنك صبة واحدة فأعتقك فعلت، فذكرت بريرة ذلك لأهلها، فقالوا: لا إلا أن يكون ولاؤك لنا.
قال مالك قال يحيى: فزعمت عمرة أن عائشة ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((اشتريها واعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق)).

وفيه: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً، قالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت، فذكرت ذلك لأهلها، فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق))، قال: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((ما بال الناس يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة مرة شرط الله أحق وأوثق))، وفي رواية من طريق الليث: ((من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل)).
وفيه: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: أرادت عائشة أم المؤمنين أن تشتري جارية لتعتقها، فقال أهلها: على أن ولاءها لنا.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يمنعك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق))، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن مالك، وأبو داود، عن قتيبة بن سعيد، عن مالك، وفيه حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني؛ فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة وأعتقك، فعلت، ويكون ولاؤك لي، فذهبت إلى أهلها فأبوا ذلك عليها، فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألني، فأخبرته فقال: ((خذيها فأعتقيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق)).

قالت عائشة: فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق، ما بال رجال منكم يقول أحدهم اعتق يا فلان ولي الولاء إنما الولاء لمن أعتق)) وأخرجه مسلم من حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، وللحديث عند البخاري طرق كثيرة.
وفي (صحيح مسلم) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أرادت عائشة أن تشتري جارية تعتقها فأبى أهلها إلا أن يكون لهم الولاء، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((لا يمنعك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق)).
وفي (أمالي أحمد بن عيسى) عليه السلام : حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي، عن يحيى بن يمان، عن معمر، عن الزهري أن عائشة أرادت أن تشتري بريرة وتشترط ولاءها لأهلها فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((ما بال أقوامٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله شرط الله أوثق والولاء لمن أعطى الورق)).
وفي (أمالي أحمد بن عيسى) عليه السلام ثنا محمد، قال: ثنا محمد، عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط)) ذكره في (تتمة الاعتصام) منسوباً إلى (الأمالي)، وفي (الشفاء).

وروى أن بريرة جاءت إلى عائشة وذكرت أن مواليها كاتبوها على تسع أواقٍ من الذهب على أن تؤدي إليهم في كل سنة أوقية، وأنها عاجزة عن ذلك، فقالت عائشة: إن باعوك صببت لهم المال صبة واحدة، فرجعت إلى مواليها فأخبرتهم فقالوا: لا نبيعك إلا بشرط أن تجعل الولاء لنا، فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فأذن لها في أن تشتري وقال: ((لا يمنعك ذلك فإن الولاء لمن أعتق)) فلما اشترتها صعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فقال: ((ما بال أقوام يشترطون شرطاً ليس في كتاب الله وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل كتاب الله أحق وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق)).
قال الأمير الحسين: وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعائشة: ((اشتري واشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق)).
وروى خبر بريرة في (أصول الأحكام) وهو خبر مشهور، وطرقه كثيرة يعسر علينا استيفاؤها، وقد قال الإمام أبو طالب: أجمع العلماء على قبول هذا الخبر.
وقال في (تتمة الاعتصام) بعد ذكر رواية من روايات البخاري ومسلم لهذا الخبر: وأخرج الموطأ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي نحوها.
قلت: وقد أكثر البيهقي في السنن الكبرى من طرق هذا الحديث مطولاً، ومختصراً وفي الجامع الصغير من حديث ابن عباس: ((كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مائة شرط))، وقال: أخرجه البزار، والطبراني في الكبير.
قال العزيزي: قال الشيخ: حديث صحيح، وفيه مرفوعاً: ((الولاء لمن أعطى الورق وولي النعمة)) ونسبه إلى الشيخين، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، وفيه أيضاً من حديث ابن عباس: ((الولاء لمن أعتق)) وعزاه إلى أحمد، والطبراني في الكبير، قال العزيزي: بإسناد حسن.

والمقصود مما سقناه من الروايات ثبوت هذه الكلمة، أعني قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الولاء لمن أعتق)) للاستدلال بها على توريث المولى مع ذوي سهام المعتق بالفتح، ووجه الاستدلال بذلك أنه قد مر أن الولاء عبارة عن استحقاق الميراث بسبب العتق، وقد مر أيضاً أن الولاء لحمة كلحمة النسبـ وذلك يقتضي أنه يثبت به جميع أحكام النسب إلا ما خصه دليل.
ومن أحكام النسب أن العصبة ترث ما بقي بعد استيفاء ذوي السهام سهامهم، فيجب في المولى أن يستحق ما فضل عن ذوي السهام كالعصبة من النسب. والله أعلم.

259 / 329
ع
En
A+
A-