الوجه الثاني من وجهي الجواب: أن يقال المراد بالفزع ونحوه ما يشاهدونه من الوقيعة بالعصاة؛ لأن هذا اليوم عظم فيه الإنصاف وتمييز الخبيث من الطيب مع طمأنينة قلوبهم بالسلامة والبشارات لهم بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ذكر معنى هذا الإمام المهدي محمد بن القاسم عليه السلام وفيه نظر؛ إذ فيه حمل الفزع على الفعل المفزع، ولا ملجئ إليه، ولا دليل يقتضيه، فالأول المعتمد.

المسألة الرابعة [إبطال قول الجبرية من أن الإيمان من فعل الله تعال‍ى
قال بعض العدلية: هذه الآية تدل على أمور:
أحدها: أن الهدى قد يثبت ولا اهتداء فلذلك قال: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ}[البقرة:38] وفي ذلك إبطال قول الجبرية: أن الإيمان من فعل الله؛ إذ لو كان كذلك لوجب حصوله لكل أحد لحصول سببه الذي هو الهدى.
الثاني: أن المعارف غير ضرورية؛ لأنها تفيد أن الاهتداء لا يحصل إلا باتباع الهدى، والهدى هو الدليل والبيان كما مر.
الثالث: بطلان القول بالتقليد؛ لأن المقلد لا يكون متبعاً للدليل الذي هو الهدى، وفيها دليل على أنه لا يستحق هذا الوعد العظيم إلا من اتبع الدليل العقلي والنقلي، واتباعه لا يحصل إلا بعد طلبه والنظر في كيفية دلالته، فعلى العاقل المريد لنجاة نفسه بذل مهجته وقطع أيام عمره في أخذ الأحكام عن أدلتها الصحيحة، ولا تسول له نفسه الأمارة بالسوء بأن ذلك يشغله عن كثير من أنواع العبادات فإنه لا عبادة إلا ما طابق السنة.
الرابع: أن باتباع الهدى يستحق الجنة؛ لأن الله سبحانه قد نفى عن من اتبع هداه كل خوف وكل حزن، وذلك يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات، ولا يجتمع كل مراد ولذة إلا في الجنة، فثبت أن من أخذ دينه عن اتباع الهدى بالتفكر في مخلوقات الله، والتدبر لكتاب الله، والتفهم لسنة رسول الله -صلى الله عليه وآله- فإنه يستحق الجنة.
قال المؤلف: وهذا حين آن الفراغ من تأليف الجزء الثاني من كتاب (مفتاح السعادة المشتمل على مهمات مسائل الاعتقاد والمعاملات والعبادة) وذلك قبيل العصر من يوم الجمعة المبارك وهو اليوم السابع والعشرون من شهر رجب الأصب أحد شهور سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف هجرية بهجرة ضحيان، حرسها الله من كيد أهل البغي والعدوان، وعمرها بدوام حملة السنة والقرآن. آمين.

وأقول شاكراً لربي مستعيناً به على أداء ما يجب له من حق شكره عندي، وضارعاً إليه في قبول عملي ومحو ذنبي: الحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين، اللهم صل على محمد وآله، وأسألك يا الله يا رحيم أن تجعل عملي في هذا الكتاب وسائر أعمالي خالصة لوجهك الكريم، ومقربة إلى جوارك المنيع العزيز يا علي يا عظيم، وموجبة لرضوانك الأكبر والفوز بجنات النعيم، اللهم وأسألك أن تغفر لي ولوالدي وأولادي وإخواني وللمؤمنين والمؤمنات أجمعين، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا إنك على كل شيء قدير، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصل يا رب وسلم على محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. آمين.
تم بحمد الله ومنه وكرمه وإعانته نساخة هذا الجزء بقلم الفقير إلى الله سبحانه حسن بن محمد العجري غفر الله له بعناية مؤلفه الصنو العلامة جمال الدين علي بن محمد العجري حفظه الله وأبقاه، ونفعنا ببركته ومتعنا بحياته آمين.
بتاريخه عشية الأحد سادس وعشرين شهر رمضان الكريم سنة1367هجرية.

[البقرة: 40]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله الطاهرين، رب زدني علماً، ويسر أمري، واشرح صدري، وأعني وانفعني وانفع بي يا قوي يا متين.
قوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}[البقرة:40] اتفق المفسرون على أن إسرائيل وهو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليه السلام ، واختلفوا في معنى إسرائيل، فقيل: عبد الله، وقيل: صفوة الله، وقيل: غير ذلك، والذكر بكسر الذال وضمها بمعنى واحد، وقيل: بكسرها ضده الصمت، وبالضم ضده النسيان، والذكر ذكران:
ذكر باللسان وذكر بالقلب.
قال أبو حيان: والذكر هنا يحتمل الأمرين فعلى الأول يكون المعنى أمروا النعم على ألسنتكم فإن ذلك سبب في أن لا تنسى، وعلى الثاني يكون المعنى: تنبهوا للنعم ولا تغفلوا عن شكرها، وفي النعمة المأمور بذكرها أقوال: منها أنها ما أنعم به على آبائهم من النعم التي سيجيء تعدادها وتفصيلها وعليهم من فنون النعم التي أجلها إدراك أصل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنها: أنها ما أنعم الله به على آبائهم من اصطفائه الرسل منهم، وإنزاله الكتب عليهم، واستنقاذهم مما كانوا فيه من البلاء إلى غير ذلك من النعم المتكاثرة على سلفهم، وفي (المصابيح) عن المرتضى نحوه، وهو اختيار ابن جرير، وأبي حيان، وإنما أمر الأعقاب بذكر صنيعه إلى سلفهم؛ لئلا ينسوه فيحل بهم من النقم ما أحل بمن نسي نعمه.

قال أبو حيان: وهذه النعم وإن كانت على آبائهم فهي أيضاً نعم عليهم؛ لأنه حصل بها النسل، ولأنَّ الانتساب إلى آباءٍ شرفوا بنعم تعظيم للأولاد، وأما حد النعمة وما يتعلق بها فقد سبق في الفاتحة، ومعنى{أوفوا}: أتموا، يقال: وفي الشيء إذا أتم، والعهد قد تقدم الكلام عليه في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ}[البقرة:27] واختلف في معنى العهدين المذكورين هنا، فأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {أَوْفُوا بِعَهْدِي} يقول: ما أمرتكم به من طاعتي، ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره. {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} يقول: أرض عنكم وأدخلكم الجنة، واختاره الزمخشري فإنه قال: أوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي، والطاعة لي أوف بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على إحسانكم، وقيل: هو ما أخذه الله على بني إسرائيل في التوراة من أن يبينوا للناس أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه رسول، وأنهم يجدونه مكتوباً عندهم، وأنه يجب الإيمان به وبما جاء به، ومعنى{أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}: إنكم إذا فعلتم ذلك أدخلتكم الجنة، وهذا قول ابن جرير وغيره، وقد روي في معناه أقوال كثيرة هي في التحقيق راجعة إلى هذين القولين.
وحكى الرازي عن المعتزلة أنهم قالوا: العهد هنا هو ما دل عليه العقل من أنه يجب على الله تعالى إيصال الثواب إلى المطيع، وصح وصف ذلك الوجوب بالعهد؛ لأنه يجب الوفاء به، فكان أوكد من اليمين والنذر.
قال: وعند أصحابنا أنه لا يجب على الله شيء، والآية تدل على ذلك؛لأنّهُ تعالى لما رتب الأمر بالوفاء على ذكر النعم دل على أن تلك النعم السالفة توجب عهد العبودية، وإذا كان ذلك واجباً بسبب النعم السالفة،فإدا الواجب لا يكون سبباً لواجب آخر، واختار أحد تأويلين:

أحدهما: أنه لما وعد بالثواب وكل ما وعد به استحال أن لا يوجد لئلا ينقلب خبره جل وعلا كذباً، فكان واجب الوقوع لذلك، فسمي عهداً؛ لأنه آكد من اليمين.
وثانيهما: أنه من باب المشاكلة، وذلك أن يقال العهد الأمر، والعبد يجوز أن يكون مأموراً لأن الله تعالى لا يجوز عليه ذلك؛ لكنه جرى على مشاكلة اللفظ كقوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}[النساء:142] ولقائل أن يقول: قد ثبت أن المراد بالعهد ما أوجبه الله عليهم من أداء الفرائض، واجتناب المعاصي على العموم، أوبيان أمر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، وإذا كان ذلك كذلك فالواجب حمل الكلام على ما يلتئم معه النظم، ويتفق المعنى، وليس إلا ما ذكره المعتزلة؛ لأن المعنى: أدوا ما يجب عليكم كاملاً أعطيكم ما يجب لكم تاماً، وقد مر في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}[الفاتحة:2] الدليل على جواز إطلاق الواجب على الله تعالى.
وأمَّا قوله: إن أداء الواجب لا يكون سبباً لواجب آخر فقد مر جوابه في سياق قوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21].
وأما قوله: إن سماه عهداً لأنه قد وعد به فمسّلم أنه قد وعد به، لكنه جعله أجراً، والوفاء بالأجر واجب، وأما دعوى المشاكلة فخروج عن الحقيقة بلى موجب فصح ما ذكرته المعتزلة، وتكون الآية من الأدلة المعتمدة في وجوب الثواب. والرهب، والرهبة: الخوف، والرهبة والخشية والمخافة نظائر، وفي الآية مسائل:

المسألة الأول‍ى [نعم الله]
في الآية دليل على أن الله تعالى منعم على الكفار بنعم الدين والدنيا؛ لأن المخاطب بها أهل الكتاب وهم من الكفار، ومثلها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ...}الآية[البقرة:21]، وقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً...}الآية[البقرة:28]، في آيات كثيرة، والخلاف في المسألة، واستيفاء الحجج العقلية قد مر في قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}[الفاتحة:7].

المسألة الثانية [دلالة الآية على جواز إطلاق (ابن) على المنتمي إليه ولو بوسائط كثيرة]
في الآية دليل على أن من انتمى إلى شخص ولو بوسائط كثيرة فإنه يطلق عليه أنه ابنه، وعليه {يَابَنِي آدَمَ}[الأعراف:26] وسمى ذلك أباً، قال تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}[الحج:78] ويتفرع على ذلك مسائل في الوقف والوصايا.

المسألة الثالثة [النعم على الآباء نعمة على الأبناء]
يؤخذ من الآية أن النعمة على الآباء نعمة على الأبناء، وإلا لم يكن للامتنان عليهم بها، وأمرهم بذكرها فائدة، وأصرح منها قوله تعالى في آية أخرى: {وَأَنّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}[البقرة:47] فجعل تفضيله آباءهم على عالمي زمانهم تفضيلاً لهم، ولهذا نسبه إليهم فيستنبط من ذلك حكمان:
الحكم الأول: تفضيل أهل البيت ["] على سائر البشر لإنعامه على سلفهم الطّاهر وهم الخمسة أهل الكساء بأنواع من التفضيل التي أعظمها شرف النبوة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم ما اختص به أمير المؤمنين وزوجته البتول وسبطاهما أبناء الرسول من المزايا والخصائص التي لم يشاركهم فيها مشارك، فيجب لما تقرر من أن النعمة على الآباء نعمة على الأبناء أن يتشرفوا لما يُعطى آباؤهم من النبوة، والخلافة، وعلم الدين وغير ذلك.
الحكم الثاني: ثبوت جر الولاء لمعتق الآباء؛ لأن الميراث فيه بالنعمة، وقد ثبت أن الله تعالى جعل النعمة على آباء بني إسرائيل نعمة على الأبناء كما مر، وقد جاءت السنة مقررة لهذا الحكم، وأنه لا ولاء إلا لذي نعمة.
ففي (سنن أبي داود) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الولاء لمن أعطى الثمن وولي النعمة)) وأخرجه البخاري بلفظ: (الولاء لمن أعطى الورق وولي النعمة).
وفي (المجموع): حدثني زيد بن علي عليهما السَّلام عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام أنه قال: (لا ولاء إلا لذي نعمة، ولا ترث النساء من الولاء شيئاً إلا ما أعتقن)، وكان يقضي بالولاء للأكبر.

وعن الحسن أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل وقال: اشتريته وأعتقته، فقال: ((هو مولاك إن شكرك فهو خير له وإن كفرك فهو شرٌ له وخير لك)) فقال: فما أمر ميراثه؟ فقال: ((إن ترك عصبة فالعصبة أحق وإلا فالولاء)) يعني لك. رواه في (الشفاء). وهذه الآحاديث نص في ثبوت الميراث بولاء العتاق، ولا خلاف فيه.
قال علامة العصر: والإجماع على أن ولاء العتاق سبب في الإرث، ومعنى الولاء لغة: القرب، يقال: بينهما ولاء أي قرب في النسب، وشرعاً: استحقاق المال بسبب العتق، وقيل: هو الإنعام بالحرية على وجه ينجو به من الاسترقاق، ويتعلق بهذا الحكم فروع:
الفرع الأول: اختلف العلماء في المولى وعصبته هل يرثون مع ذوي سهام المعتق بالفتح أو لا؟ فقال عمر وابن مسعود: لا يرث المولى وعصبته شيئاً مع ذوي سهام المعتق، بل يستبد به ذوو سهامه بالرد كلو لم يكن، ثم عصبة للمولى، وهذا مروي عن علي عليه السلام .
قال في (المجموع): حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي" في بنت ومولى عتاقة، قال: للبنت النصف، وما بقي فرد عليها، وكان لا يورث المولى مع ذوي سهم، إلا مع الزوج والمرأة، ويشهد له ظاهر قوله تعالى: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}[الأنفال:75].
وقال أبو بكر، وزيد بن ثابت، والعترة وأحمد بن حنبل: بل لذوي السهام سهامهم، والباقي لمولاه أو عصبته، واحتجوا بوجوه:
أحدها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب)) رواه في (الشفاء) من حديث ابن عمر، وهو في (أصول الأحكام).

258 / 329
ع
En
A+
A-