المسألة الثالثة التوَّاب من صفات الفعل
وقد اختلف في معنى وصفه تعالى بصفة المبالغة فقال زيد بن علي: التواب المعين للعباد على التوبة، والتّواب من العباد الراجع عن ذنب التارك له والنادم على ما تاب منه، وكلامه عليه السلام يفيد أن المبالغة غير مقصودة فيه.
وقال الرازي: المراد المبالغة في قبول التوبة؛ لأن المكلف قد تكرر منه المعصية والتوبة فيقبل الله منه ذلك مرة بعد أخرى؛ لأن الذين يتوبون في عددهم كثرة والباري تعالى يقبل توبة الجميع؛ فلأجل هذين الأمرين استحق الوصف بأنه تواب، ويجوز أن يوصف بذلك لما في قبوله للتوبة من المبالغة من حيث أن التائب منزلة من لم يذنب لسعة كرمه، ذكر معناه في (المصابيح).
قال في (البلغة): واقتضى ذكر الرحمة هنا ذكر قبول التوبة ليعلم أنه ينعم على من تاب.
وقال أبو حيان: قد ورد هذا الاسم في كتاب الله معرفاً ومنكراً، ووصف به تعالى نفسه فدل ذلك على أنه مما استأثر الله بعلمه.
قلت: يعني أنه لا يتأول.
قال: وذهب بعضهم إلى أنه لا يوصف به إلا تجوزاً.
قلت: وذهب آخرون إلى أنه يوصف به حقيقة؛ إذ لا مانع، وقد عرفت معناه ومن أين له إن ذكره معرفاً ومنكراً دليل على أنه لا يتأول.
قال: وأجمعوا على أنه تعالى لا يوصف بتائب، ولا آيب، ولا منيب، ولا رجاع، والوجه عدم ورود السمع به، ويمكن أن يقال: إذا كان الإطلاق حقيقياً وصح المعنى فلا مانع كما مر في البسملة، وفرق بين إطلاقه على الله تعالى وعلى العبد لاختلاف صلتيهما فقال في إطلاقه على الله: {فَتَابَ عَلَيْهِ}[البقرة:37] وفي العبد: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ}[النور:31].
المسألة الرابعة
ذكر الناصر عليه السلام أن المجبرة تمسكت بقوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ}الآية[البقرة:37]، على أنه يجوز أن يخص الله بعض عباده بالتوبة عليه دون بعض لأنه أعطى آدم الكلمات فتاب عليه، ولم يعط إبليس مثله ولم يتب عليه.
وأجاب عليه السلام بأنا لا ننكر أن يختص الله بعض الأنبياء والمؤمنين بأمور كثيرة ويفضلهم بها، وأما ما تلقاه آدم فليس إلا أن الله أعلم جميع عباده أنه يغفر لمن تاب فقال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ...}الآية[طه:82]، فتلقى آدم ذلك من ربه فتاب واستغفر، وقد أعطى الله إبليس ما أعطى آدم لو تلقاه عنه، وفتح باب التوبة لجميع الخاطئين.
قال عليه السلام : ويدل على ذلك قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ...}الآية[البقرة:38]، وهداه هنا هو ما دله عليه من التوبة والرجوع إلى طاعته، وهو الذي تلقاه آدم من ربه ولم يتلقه إبليس وأصر على ذنبه واستكبر، ويبين ذلك قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى...}الآية[طه:123]، وهو جواب حسن. والله الموفق.
[البقرة: 38]
قوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
قال أبو حيان: بمعنى تبع الحق، وبمعنى تلا، وبمعنى اقتدى، وقال الراغب ما معناه: يقال: تبعه واتبعه قفى أثره، وذلك تارة بالارتسام والائتمار كقوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} ونحوها مما أمر الله به من الاتباع أو نهى عنه، ويقال: اتبعه إذا لحقه، قال: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ}[الشعراء:60] ويقال: أتبعته عليه أي أحلت عليه، وأتبع فلان بمال أي أحيل عليه.
والخوف: الفزع ويكون كالأمر المستقبل، ولذلك قيل: الخوف يلحق المرء لأمر متوقع عن أمارة مظنونة أو معلومة.
والحزن: شدة الهم، مأخوذ من الحزن وهو ما غلظ في الأرض.
وقال الراغب: الحزن والحُزن: خشونة في الأرض، وخشونة في النفس بما هو يحصل فيه من الغم ويضاده الفرح، قيل: والحزن لا يحصل بالاختيار، والنهي عنه في نحو: {وَلاَ تَحْزَنُوا} إنما هو تعاطي أسبابه، وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله:
ومن سره أن لا يرى ما يسوءه .... فلا يتخذ شيئاً يبالي له فقدا
وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى الهدى المذكور في الآية
قال أبو حيان: الكتب المنزلة، أو الرسل، أو البيان، أو القدرة على الطاعة، أو محمد رسول الله -صلى الله عليه وآله- أقوال، ورجح الزمخشري أنه الرسول والكتاب، وتبعه أبو السعود قالا: وجيء بكلمة الشك مع تحقيق الإتيان بالهدى للإيذان بأن الإيمان بالله وتوحيده لا يشترط فيه بعثة الرسل وإنزال الكتب، بل يكفي في وجوبه العقل ونصب الأدلة الآفاقية والنفسية، والتمكين من النظر والاستدلال.
قلت: وهذا يدل على أن وجوب دليل النظر عقلي، وقد اعترض ابن المنير هنا فقال: إن دليل وجوبه سمعي، قال: وإن كان حصول الإيمان بالله وتوحيده غير موقوف على ورود السمع، بل محض العقل كاف فيه بالاتفاق، وقد تقدم الكلام في ذلك مبسوطاً في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ...}الآية[البقرة:21].
واعلم أن كلام الزمخشري مبني على أن المراد بالخطاب آدم وذريته كما مر؛ إذ لا يصح أن يفسر الهدى بالرسول في حق آدم؛ لأنه لم يبعث إليه رسول.
وقيل: بل بعث إليه من الملائكة.
وقال الرازي: من الهدى كل دلالة وبيان، فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي؛ إذ تخصيصه بنوع معين منه ولا يثبت إلا بدليل، قال: وقد نبه بذلك على عظم نعمة الله تعالى على آدم وحوا عليهما السَّلام فكأنه قال: وإن أهبطتكم إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يردكم إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع.
المسألة الثانية [من ثمار الطاعة الطمأنية]
قال الرازي: إن الله تعالى بين أن من اتبع هداه بحقه علماً وعملاً بالإقدام على ما يلزم والإحجام عما يحرم فإنه يصير إلى حال لا خوف عليه ولا حزن، وهذه الجملة مع اختصارها تجمع معاني كثيرة؛ لأنه قد دخل في الهدى الإنعام بالأدلة العقلية والشرعية وزيادات البيان، وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل والتمكن، وجمع قوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ}[البقرة:38] تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها، واستنتاج المعارف منها، والعمل بها وبجميع ذلك كل التكاليف، وجمع قوله: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُوْن}[البقرة:38] جميع ما أعد الله لأوليائه؛ لأن زوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات، وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللذات.
المسألة الثالثة [في أن المطيع لا يخاف ولا يحزن]
قيل: في الآية دليل على أن المكلف المطيع لا يلحقه خوف ولا حزن عند الموت ولا في القبر ولا فيما بعدهما من أهوال البعث والقيامة، وفي ذلك خلاف، فقالت البصرية: لا يجوز اغتمام الأنبياء والمؤمنين بما يشاهدونه من أهوال يوم القيامة، وممن قال به من أئمتنا" الإمام المهدي، والإمام القاسم بن محمد، والإمام المهدي محمد بن القاسم، فهؤلاء الذين عرفت نصوصهم في ذلك، ونص عليه من أتباعهم القرشي، وقرره النجري، وهو ظاهر كلام الرازي.
وقال أبو القاسم: بل يجوز ذلك، وإليه أشار أبو بكر بن الإخشيذ، ورواه الرازي عن قوم من المتكلمين.
قال الإمام المهدي: وأما المجبرة فيجوزون ذلك ويقبلون ما ورد فيه من الآثار لنفيهم حكم العقل.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أن الأفزاع والآلام لا تحسن إلا حيث كانت مستحقة أو فعلت لجلب نفع أو دفع ضرر، والمعلوم أنه لا استحقاق في حق الصالحين، ولا يحصل لهم نفع من ثواب؛ إذ ليست واقفة على اختيارهم، ولا عوض مع اللطف؛ إذ ليست الدار دار تكليف، ولا يحصل لهم دفع ضرر؛ إذ لا ضرر عليهم يحتاجون إلى دفعه، وليست الدار دار تكليف فنقول هو لطف، فإذا خلت عن هذه الوجوه كانت ظلماً لحصول حقيقة الظلم فيها فوجب القطع بانتفائها.
الثاني: أنه لو وقع بهم ذلك لكان عذاباً، والمؤمن غير معذب قطعاً؛ لأنه قد صار من عند الموت في أول مواقف الآخرة وهي للمؤمن دار ثواب لا دار عقاب، وهذان الوجهان عقليان وهما يعمان جميع أوقات الآخرة من عند الموت إلى دخول الجنة فلا يفزع في قبره ولا في غيره، ويشملان أيضاً كل من لا يستحق عقاباً من الأنبياء والملائكة والمؤمنين، والأطفال، والبهائم، وصالحي الجن.
فإن قيل: هذان الوجهان إنما يدلان على بطلان أن يكون الفزع والغم من الله فيجوز أن يكون من المؤمن نفسه بأن يظن ظنوناً فاسدة لعظم ما يشاهده فيغتم لذلك.
قيل: العلوم كلها في الآخرة ضرورية، فالمؤمن لا بد أن يعلم ضرورة ذلك اليوم صدق ما وعده الله، ومع هذا لا سبيل إلى الظن.
الوجه الثالث: أن ذلك هو الذي دلت عليه الأدلة السمعية الصريحة المحكمة من الكتاب والسنة، ومنه هذه الآية وهي عامة لجميع أحوالهم في الدنيا والآخرة، لكن خصص نفي الخوف والحزن بالآخرة؛ لأن قرائن الأحوال ومجاري الأمور تدل على ذلك وهو ما علم من أن المؤمن قد يلحقه الخوف والحزن في الدنيا؛ ولذلك قال صلى الله عليه وآله: ((خص البلاء بالأنبياء، ثم بالأولياء، ثم بالأمثل فالأمثل)).
وفي كلام علي عليه السلام في صفة المؤمن: بشره في وجهه، وحزنه في قلبه. ونحو ذلك، ويكفي في ثبوت ذلك الهم في الدنيا ما حكاه الله من قولهم عند دخول الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}[فاطر:34].
فإن قيل: قد روي عن المفسرين في معنى نفي الخوف والحزن أقوال كثيرة منها ما يدل على تخصيص نفي الخوف والحزن ببعض أوقات الآخرة كقول من قال أشار إلى أنه يدخلهم الجنة التي لا خوف عليهم فيها ولا حزن، وقول بعضهم: لا خوف عليهم حين أطبقت النار، ولا حزن حين يذبح الموت في صورة كبش إلى ما شاكل ذلك من الأقوال، ومع هذا الاختلاف في معناه يضعف الاحتجاج بها وقد قيل: إنه لا دليل فيها على نفي أفزاع القيامة عن المؤمن لما وصفه الله من شدة أهوال ذلك اليوم إلا أنه يخففه عن المطيعين، فإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا.
قيل: الظاهر العموم، وتلك الأقوال لا دليل على شيء منها، وما لا دليل عليه يجب نفيه.
سلمنا فالأدلة الصريحة تدفع تلك الاحتمالات، وترد تلك الجهالات كقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا...}الآية[فصلت:30]، وقوله: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّة...}الآية[الفجر:27،28]، وقوله تعالى: {لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ}[الأنبياء:103] وهذا قوله: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[يونس:62] وقوله: {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}[النمل:89] إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في المقصود.
قال الإمام المهدي محمد بن القاسم الحوثي عليه السلام : وهذا هو اللائق بعدل الله وحكمته فيجب المصير إليه، وحمل ما عارضه عليه.
احتج المخالف بوجهين:
أحدهما: أن العقل لا يمنع من ذلك لجواز أن يكون لهم من العلم به لطف كما قيل في الصراط والميزان.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أنه لو ورد بثبوت الفزع دليل سمعي يفيد العلم لما منعنا ثبوته لهذا الوجه، لكن لم يرد بذلك دليل، لا يقال الظن كاف؛ لأنا نقول: لا يصح العمل به إذا صادم النصوص الصريحة المعلومة، ثم إنه لم يحصل من أدلتكم السمعية ما يفيد الظن كما سيأتي الإشارة إلى الرد عليها.
ثانيهما: أنه قد مر أنه لو وقع الفزع لكان ظلماً فلا يحسن إيقاعه، ولو قدرنا في وقوعه لطفاً لبعض المكلفين؛ إذ لا يحسن اللطف إذا كان في فعل قبيح.
فإن قيل: إذا كان في فزع المؤمن لطف خرج عن كونه ظلماً فكذلك إذا حصلت اللطفية بالعلم بها لا في فعلها فلا فرق بين حصول اللطف بها، أو بما يستلزمها فهي تخرج بذلك عن كونها ظلماً.
قيل: وجه الحسن والقبح لا بد وأن يكون مقارباً لحدوث الفعل، ولا يحسن فعل أو يقبح لأمر قد مضى ولذا لما قال أبو علي: إن الله لو وعد بغفران معصيته لقبح العقاب عليها لأجل إخلاف الوعد، أجيب عليه بأنه لا يقبح الفعل إلا لوجه مقارن لا متقدم، فكذلك هنا لا يحسن إيلام المؤمن يوم القيامة بما لا استحقاق فيه ولا نفع ولا دفع، بل لأجل تطابق إخباره إياهم بأنه سيفزعهم، فالإخبار وإن كان فيه لطف فالإيلام لا يحسن لأجل مطابقة الخبر الماضي، ثم إن ذلك اللطف قد وقع بحصول الاعتقاد أو الظن عند الإخبار ولا تبطل لطفيته بتخلف الفعل عن الوقوع؛ إذ قد مضى الوقت الذي يحتاج فيه إلى اللطف، وإذا لم تبطل اللطفية بتركه فلا نفع فيه للمؤمن ولا دفع ولا استحقاق فتعين كونه ظلماً.
واعلم أن هذا الوجه إنما يحتج به من قال بهذا القول من العدلية دون المجبرة فإنهم لا يثبتون اللطف ولا حكم العقل، والمحتج به من العدلية من عدا أبا القاسم، فأما هو فقال الإمام المهدي: إنه بنى على أصله في أن الآخرة دار تكليف.
الوجه الثاني مما احتج به المخالف: ورود السمع بعموم الفزع للمطيع والعاصي قال تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً}[الجاثية:28] وقال تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ}[النمل:87] وقال: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا...}الآية[مريم:71]، وقال: {يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً}[المزمل:17] إلى غير ذلك من الآيات، وأما الأخبار الواردة في عموم الفزع فكثيرة حتى جاء في بعضها أن الأنبياء" لشدة فزعهم يقول: إلهي وسيدي، لا أسألك اليوم إلا نفسي، وجاء في مناقشة الحساب والإزدحام وإلجام العرق وغير ذلك أخبار كثيرة.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن الآيات منها ما هو عام وحجتنا خاصة والخاص مقدم على العام، ومنها ما هو مجمل كقوله: {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ}[النمل:87] فإن قوله: {إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ}[النمل:87] صيرها مجملة وبين الإجمال بالآيات المصرح فيها بأن المؤمنين لا يفزعون فاقتضى أنهم المستثنون.
وقال الإمام المهدي محمد بن القاسم: المعنى الظاهر في الآية أن المراد بالفزع الموت الذي لا بد أن يجري على كل أحد؛ لأنها عبارة عن النفخة الأولى، ولهذا لم يذكر الفزع في الثانية وهي قوله: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى}[الزمر:68] وقد قيل: إن ما بين قبل ثم وما بعدها مدة لا يعلم قدرها إلا الله تعالى.
وأما قوله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}[مريم:71] فلم يصرح فيه بأن كل من وردها يفزع، وقد صرح بأن المؤمنين لا يحزنون ولا يخافون، وبانتفاء هذين ينتفي الفزع، على أن في تفسير الورود بالحضور ما يمنع الاحتجاج بها.
وأما قوله: {يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً}[المزمل:17] فالمراد به التهويل لا الحقيقة فإنه لا شيب في الآخرة، والتهويل إنما هو على من لم يؤمنه الله من الفزع.
وأما الأخبار فما كان منها عاماً أو مجملاً فجوابه ما مر، وما كان صريحاً في فزع المؤمنين فهو أحادي لا يقوى على مصادمة النصوص المتواترة الصحيحة، ولا يصلح لتخصيص هذه الصرائح؛ لأن المسألة علمية لا عملية فلا يكتفى فيها بالظن، وتخصيص القطعي بالظني في المسائل العلمية لا يصح، على أنه لا يمكن جعلها مخصصاً لهذه العمومات؛ لأن الحكم بفزع الأولياء في الآخرة مصادم لخصوصها لا مخصص لعمومها لصراحتها في نفي الفزع.