قال بعض علمائنا: نقل الإمام يحيى عن الحسن البصري أنه لا يجب قبول الاعتذار عقلاً، قال: فكيف يدعى علم ذلك ضرورة، واسْتَقْر ما روي عن المؤيد بالله والكرخي وأن المؤيد على جلالة شأنه لم يقبل عذر الكرخي في إساءته إليه، ومعلوم أن الذنب إذا تفاحش وعظم كقتل الأولاد وطم الأموال أن قبول العذر بعده في عقول العقلاء لا يكون واجباً، وكذا إذا تكررت الإساءات وانتهكت الحرمات. والله أعلم.
احتج أبو القاسم بأن العقاب إنما يحسن لفعل القبيح ولم يبطل فعله بالتوبة؛ لأنه قد فعل فلا سبيل إلى بطلانه.
والجواب: أنه يصير بالتوبة كأنه لم يقع، كما أن الاعتذار يصير الإساءة كأنها لم تقع.
احتج ثانياً بأن التوبة لو أوجبت إسقاط العقاب لكان إغراء بالمعصية؛ لأنه أبداً يتوب ويعود.
والجواب: أنه يلزم أن لا يسقط بالأصلح؛ لأنك توجبه مع التوبة، ثم إن ذلك يبطل بالاعتذار، ومما يحتج به لقول أبي القاسم أن يقال: لو وجب على الله قبول التوبة لما استحق الشكر على قبولها، ويمكن أن يجاب بأنه يستحق الشكر على التوفيق لها والهداية إليها، وإبقاء العاصي حتى يتوب، ونحو ذلك من المقدمات على أنه لا يمتنع استحقاق الشكر على الواجب بدليل أن الوالد يستحق على ولده الشكر في التربية وإن كانت واجبة عليه، ووجوب الفعل لا يخرجه عن كونه نعمة إذا حصلت فيه حقيقتها.
واعلم أن الأشعرية يوافقون أبا القاسم في عدم وجوب قبول التوبة، وفي أنها لا توجب سقوط العقاب بناءً على أصلهم الفاسد الذي هو نفي حكم العقل، وأنه لا يجب على الله واجب، ولا يقبح منه قبيح.
فرع واختلف القائلون بقبول التوبة هل تقبل من كل ذنب أو لا، فقال الأكثر: هي مقبولة من كل ذنب، وقالت البكرية والسمعية: لا تقبل من القتل ولا يسقط عقابه، واختاره السيد أحمد بن يوسف زبارة رحمه الله، وهو مروي عن ابن عباس والحسن البصري.

وفي (الجامع الكافي) عن الحسن بن يحيى فيمن قتل مؤمنا متعمداً قال: باب التوبة مفتوح، ولكن من قتل مؤمناً متعمداً لم يوفق لتوبة، وقد تأول القرشي ما روي عن ابن عباس والحسن بنحوه.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أنها قد أسقطت عقاب الشرك وهو أعظم من القتل، فيجب أن تسقط عقاب القتل بالأولى.
الثاني: أن العلة التي لأجلها أسقطت عقاب سائر المعاصي هو كونها بذل الجهد في التلافي وهي حاصلة في القتل، فيجب أن يسقط عقابه وإلا لم تكن علة.
الثالث: أنها لو لم يسقط عقابه للزم أن لا يكلف القاتل بعده؛ لأنه قد استحق النار، ولا سبيل له إلى التخلص في هذا الاستحقاق أبداً، فلا فائدة في تكليفه حينئذ للإجماع على أن ثمرة التكليف تحصيل المنافع ودفع المضار وقد تعذر عليه ذلك، فيكون تكليفه عبثاً، والإجماع منعقد على أنه مكلف، فبطل ما زعم المخالف.
الرابع: أنه لا يخلو من أن يكون كافراً أو منافقاً أو فاسقاً، وأيها كان فتوبته مقبولة لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}[الأنفال:38] وقوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ...} إلى قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا}[النساء:145،146]، وقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[آل عمران:82] {إِلاَّ مَنْ تَابَ}[مريم:60].
الخامس: قوله تعالى في سورة الفرقان: {وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ...} إلى قوله: {إِلاَّ مَنْ تَابَ}[الفرقان:68-70] فاستثنى التائب من الوعيد المذكور على المعاصي التي عدها.
السادس: ما جاء في الكتاب والسنة من العمومات الدالة على قبول توبة كل تائب، ومن ذلك أن النبي -صلى الله عليه وآله- قبل توبة من أسلم وصحح توبته، وإذا صحت من الكافر فالمسلم بالأولى.
احتج المانعون بوجوه:

أحدها: أن التوبة كالاعتذار، والاعتذار شرطه أن يكون إلى المساء إليه، والمقتول لا يصح الاعتذار إليه لتعذره بموته فلا تصح التوبة من قتله.
الثاني: قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا}الآية[النساء:93].
الثالث: ما رواه في أمالي أحمد بن عيسى قال: انا محمد، قال: سمعت عبد الله بن موسى يقول حديث موطا: ((من أعان على قتل امرئ مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله)). وهو في (الجامع الكافي) بلفظ: ((من أعان بشطر كلمة على قتل امرئ مؤمن بغير حق لقي الله عز وجل مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله)). وأخرجه ابن ماجة من حديث أبي هريرة، قال العزيزي: وهو حديث حسن، وفسر بعضهم شطر الكلمة بنحو: أق، من اقتله.
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الجوزذاني المقري، قال: ثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم بن شهدل المديني، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، قال: حدثنا أحمد بن الحسن أبو عبد الله قال: ثنا أبي، قال: ثنا حصين بن مخارق، عن عبد الصمد، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((إن الله تعالى أبى عليّ فيمن قتل مؤمناً)). وهو في (الجامع الصغير) بلفظ: ((إن الله أبى علي فيمن قتل مؤمناً ثلاثا)) ونسبه إلى أحمد، والنسائي، والحاكم من حديث عقبة بن مالك الليثي، قال العزيزي: بإسناد صحيح.
وقوله: ثلاثاً إن كان من كلام النبي -صلى الله عليه وآله- فالمعنى سألت ربي ذلك ثلاث مرات، وإن كان من كلام الراوي فالمعنى أنه -صلى الله عليه وآله- كرر ذلك ثلاث مرات، ورواه الترمذي وقال: قالها ثلاثاً، وهو يؤيد الاحتمال الأخير.

وفي (الجامع الكافي) عن الحسن البصري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((ما نازلت ربي في شيء ما نازلته في قاتل المؤمن فلم يجبني بشيء)). وفيه عن ابن عباس، قال: ليس لقاتل المؤمن توبة فإنهما مبهمتان: الشرك، والقتل، وقرأ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً...}الآية[النساء:93]، والذي نفسي بيده ما نسختها آية ولا نزل بعدها من برهان، قال: وسمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله- يقول: ((ثكلته أمه قاتل المؤمن متعمداً جاء يوم القيامة معلق رأسه بيمينه أو شماله تشخب أوداجه قبل عرش الرحمن يأتي وقاتله بيده الأخرى يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني)).
الوجه الرابع: ما جاء في السنة من الوعيد الشديد لقاتل المؤمن بغير حق والتغليظ في حقه، وسنذكرها في غير هذا الموضع إن شاء الله تعالى.
فهذه حجج الفريقين، وأنت خبير بأن كلاً منها لا يفيد القطع بالمطلوب.
أما أدلة الأولين فيرد على الوجه الأول منها أنه قياس مع وجود الفارق، وذلك أن عقاب الشرك حق لله محض والاعتذار إليه ممكن؛ لأنه لا يموت سبحانه وتعالى، بخلاف عقاب القتل فإنه حق للمقتول والاعتذار إليه متعذر في دار التكليف وفي الآخرة لا حكم له، فوجب أن لا يسقط عقابه، وقد جاء في السنة ما يؤيد هذا وهو ما ورد في بعض الطاعات أن من فعلها كفرت عنه ذنوبه ما لم تكن مظلمة لبشر فإن ذلك إلى المظلوم، وعلى الثاني أن العلة وإن كانت بذل الجهد فالمراد بذل الجهد إلى المساء إليه وهو هنا متعذر كما مر، وعلى الثالث أن هذا الإلزام غير لازم.
أما من يقولون: وجه وجوب الواجبات كونها شكراً فواضح، والمعصية لا توجب سقوط شكر المنعم، كيف وهو معلوم من ضرورة العقل.
وأما من يجعل الوجه غير ذلك فعندهم أنها جارية مجرى الشكر كما مر في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21] فلا مقتضي لسقوطها عنه.

وعلى الرابع أنها عمومات محتملة للتخصيص على أنهم يقولون إنه يسمى كافراً ولا منافقاً.
وعن الخامس أنه مبني على أن الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة يعود إلى جميعها، وفيه خلاف وخصمكم قد لا يسلمه.
وعلى السادس أنه عمومات يمكن تخصيصها بالقاتل، وأما قبول إسلام الكافر بعد القتل فلدليل خاص وهو قوله تعالى: {إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}[الأنفال:38] وحديث: ((الإسلام يجب ما قبله)).
ويرد على أدلة القول الثاني ما يمنع إفادتها القطع كذلك، فيرد على الأول المعارضة لغصب المال ثم يموت المغصوب عليه فإن الغاصب تصح توبته عن ذلك إذا فعل ما يجب إلى وارثه، فما أجابوا به فهو جوابنا، على أنا لا نشترط في التوبة العذر إلى المساء إليه إلا إذا أمكن والميت لا يمكن الاعتذار إليه.
قال الإمام المهدي: ثم إنا نفرق بين الاعتذار والتوبة بأن الاعتذار إنما يجب إلى الحي ليزول سخمه، فإذا مات سقط وجوب الاعتذار؛ لارتفاع وجه وجوبه، وبقيت التوبة على الوجوب.
سلمنا أنه كالتوبة لزم أن يعتذر إلى الورثة فيقوم مقام الاعتذار إليه كالقصاص والدية.
وعلى الثاني أنه مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ}[الجن:23] فما أجبتم به فهو جوابنا.
وعلى الثالث أنه أحادي والمسألة قطعية، على أنه يمكن حمل حديث العلوم على من مات ولم يتب، لا يقال: لو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: ((مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله)) فائدة؛ إذ كل من وافى القيامة غير تائب فهو آيس من رحمة الله؛ لأنا نقول: بل له فائدة وهي بيان افتضاحه في الحشر بذلك المكتوب، وإدخال الغم عليه هنالك بقطع الرجاء، فيكون من وافى القيامة بمعصية القتل غير تائب منها له مزيد الافتضاح وقطع الرجاء بالكلية.

وأما حديث ابن عباس فيجوز حمله على المستحل، أو خرج مخرج الزجر والتنفير، ذكر معنى هذا العزيزي، وعندي أنه والله أعلم أنه يمكن حمله على الخصوص، وأن المراد به رجل مخصوص قد علم الله نفاقه وكفره، لكن النبي -صلى الله عليه وآله- أتى بهذه العبارة على عادته في الستر على أهل النفاق، ويدل على ذلك سببه كما في سنن الترمذي عن عقبة بن مالك، قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وآله- سرية فأغارت على قوم فشذ رجل من القوم فأتبعه رجل من أهل السرية فشاهره فقال الشاذ من القوم: إني مسلم، فضربه فقتله، فنمى الحديث إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله- فقال فيه قولاً شديداً، فبينما رسول الله -صلى الله عليه وآله- يخطب إذ قال القاتل: يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوذاً من القتل، فأعرض عنه رسول الله -صلى الله عليه وآله- وعمن قبله من الناس، ثم قال الثانية: يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذاً من القتل، فأعرض عنه رسول الله -صلى الله عليه وآله- وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته، ثم لم يصبر أن قال الثالثة: يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوذاً من القتل، فأقبل عليه رسول الله -صلى الله عليه وآله- تعرف المساءة في وجهه ثم قال: ((إن الله أبى عليّ فيمن قتل مؤمناً قالها ثلاثاً)). ففي عدم ظهور الخوف والحزن على القاتل عند إغلاظ النبي -صلى الله عليه وآله- مع إعراضه عنه وعدم اكتراثه بمسألته دليل على أن الرجل مدخول في دينه، وعلى هذا يحمل حديث الحسن البصري.
وأما مذهب ابن عباس فليس بحجة، على أنه قد تأول كما مر.
وقوله: هما مبهمتان، ممنوع، فإن المشرك إذا أسلم يقبل إسلامه، وذلك معلوم من ضرورة الدين، ولعل مراد ابن عباس أن القاتل لا تقبل له توبة ما دام مصراً على معاودة القتل، كما أن المشرك لا تقبل توبته ما دام مصراً على الاستمرار على الشرك، ويدل على هذا تسويته بينهما، والتأويل أولى من التعطيل.

ويرد على الوجه الرابع أن تلك الأخبار عمومات ومطلقات، وهي قابلات للتخصيص والتقييد.
إذا عرفت هذا فنقول: إذا كانت أدلة الجانبين غير مفيدة للقطع فالواجب إما الوقف، وإما الرجوع إلى الأصل المقرر وهو ما تقتضيه ظواهر الأدلة من أن الله تعالى يقبل توبة التائبين عامة، ويكفر سيئاتهم، ويعظم أجورهم، وأدلة ذلك كتاباً وسنة كثيرة، لا يقال: هي عامة محتملة للتخصيص؛ لأنا نقول: لا مخصص إلا ما قد عرفت عدم انتهاضه للتخصيص لاحتماله كما مر، مع ما في القول بالقبول في المطابقة للعدل والجري على قواعد الحكمة، وهذا المقتول لا بد له من عوض تطيب به نفسه ويختاره على شفاء غيظه بتعذيب قاتله، وهذا بحسب ما يقتضيه الظاهر، وما ذكر من احتمال أدلة المانعين قريب من الصريح في مطلوبهم، وإنما أوجب تأويله كونه أحادياً ولكن لا يؤمن صدقه في نفس الأمر، فعلى العاقل أن يحتاط لنفسه، ويتذكر مثل ذلك الوعيد الشديد الذي لم يكن مثله لكافر ولا زان ولا غيرهما من أهل الكبائر، فإن كل صاحب كبيرة لم يأت الشرع بأن كبيرته تمنع من قبول توبته، فعليك بتذكر ذلك الوعيد عند منازعة النفس، ثم تحفظ لسانك عن النطق بكلمة أو شطر كلمة تتضمن التحريض على القتل ما لم تقطع بالاستحقاق. وفقنا الله وإياك لما يرضيه، وجنبنا معاصيه آمين.

الموضع الثامن في الخلاف في اعتبار الموافاة
ذهبت البصرية وهو قول الجمهور إلى أنها غير معتبرة في استحقاق الثواب والعقاب.
وقال بشر بن المعتمر، وهشام الفوطي وأتباعهما: بل تعتبر، ومعنى الموافاة ما يوافى به الموت من توبة صحيحة أو غيرها، فهؤلاء قالوا: لا يكتب له أجر طاعة ولا جزاء معصية إلا بحسب حاله عند الموت، فإذا علم الله أنه يموت تائباً كتب له أجر طاعته في الحال، وإن علم أنه يموت وقد أحبطه فلا، وكذلك إذا فعل معصية وعلم الله أنه يموت على التوبة لم يكتب له عقابها في الحال.
وعند الجمهور أن العبرة بحال الفعل، فإذا فعل طاعة أو معصية استحق عقيب الفعل الثواب أو العقاب، وكتب له في ذلك الوقت ما يستحقه فيه، ولو علم الله أنه يموت وقد فعل ما يحبط الثواب أو يسقط العقاب فذلك لا يؤثر في ثبوت هذين الاستحقاقين في الحال وكتابتهما.
احتج الجمهور بوجوه:
أحدها: أن التوبة بذل الجهد في تلافي ما وقع حتى يصير في الحكم كأنه لم يفعل المعصية، وما هذا سبيله فلا يحتاج في إسقاطه العقوبة أن يوافى به الآخرة، نظيره الاعتذار فإن من اعتذر اعتذاراً صحيحاً سقط عنه الذم، سواء أساء مرة أخرى أم لا، فكذلك التوبة.
الثاني: أن سبب استحقاق الثواب والعقاب إنما هو فعل الطاعة والمعصية لا غيره، وإذا كان كذلك فلا يصح توقف الاستحقاق على غير سببه؛ إذ لا وجه يقتضي ذلك.
الثالث: أن المعلوم شرعاً وجوب تعجيل القطع بالسرقة عقوبة، وكذلك المعلوم شرعاً جواز لعن الفاسق والاستخفاف به ولم ينتظر الموافاة في استحقاق العقاب بالقطع واللعن، فكذلك غيرهما مما يستحق.

احتج المخالف بأن التائب موعود بالجنة وعداً مطلقاً ووعد الله لا خلف فيه، فلو لم يشترط الموافاة لدخله الخلف، وكذلك يقال في الوعيد على أصلهم إنه ورد مطلقاً فلو علم الله أنه يوافي مؤمناً للزم الخلف فيه، وقد تقدم لهم معنى هذا في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}[البقرة:25] وأجبنا عليهم هنالك.
ونقول هنا: والجواب أن الوعد والوعيد في نفس الأمر مشروط بأن لا يقع إحباط ولا تكفير قبل الموافاة.
فرع قالت البصرية: وتقبل توبة من علم الله أنه سيعود إلى المعصية خلافاً لبشر بن المعتمر لنا أن التائب قد استكمل شرائط التوبة فوجب قبولها، ولا يؤاخذ بما سيكون ما لم يعزم عليه، ولا حجة له إلا ما مر من أنه موعود بالجنة إلى آخره، وجوابه ما مر.
قلت: وقد جاء في السنة ما يدل على قبول التوبة وإن تكررت معاودة الذنب، وسيأتي ذلك في موضع غير هذا إن شاء الله.

الموضع التاسع في التوبة من المتولد قبل وقوعه
حكى الإمام المهدي عن أصحابنا أن التوبة تجب منه قبل وقوعه عند حدوث سببه فتمنع العقاب عليه ولو حدث من بعد.
وقال أبو القاسم: لا يصح إلا بعد وقوعه؛ إذ لا يستحق العقاب على الفعل حتى يقع.
وأجيب بأن التوبة تحرز عن الضرر، فتجب المبادرة إليها، والمتولد بعد وقوع سببه في حكم الواقع؛ لأنه لا يملك رده، هكذا قرر الإمام المهدي الخلاف والاستدلال.
وظاهر كلام الموفق بالله في (الإحاطة) كقول أبي القاسم، وتلخيص كلامه أن من فعل سبباً المعلوم من حاله أنه يولد قبيحاً فإنه لا يستحق العقاب على المسبب إلا بعد وجوده، ونسب الخلاف في ذلك إلى أبي هاشم فقال: إنه حكي عنه أنه إذا علم من حاله أنه يقع فإنه يستحق العقاب عليه قبل وجوده، واعترضه بأن العقاب إنما يستحق على القبيح لقبحه، وكونه قبيحاً وهو معدوم محال؛ لأن قبحه عبارة عن وقوعه على وجه، وذلك متعذر حال العدم.
فإن قيل: واجب الوجود لا محالة.
قيل: وكذلك المباشر عند القصد والداعي وعدم المانع يجب وجوده ولا يستحق عليه عقاباً ما لم يوجد، وأيضاً لو استحق العقاب على المتولد قبل وجوده للزم إذا قدرنا طروء ما يمنع وجوده أن يستحق العقاب عليه؛ لأن عدم وجوده لا يخرج ما قد ثبت من استحقاق العقاب عن التوبة.
فإن قيل: إنه لا يحسن أمره ونهيه فهو كالموجود.
قيل: إنه لمن يحصل قبيحاً، والعقاب لا يستحق إلا على القبيح.
فإن قيل: لو لم يستحق عليه عقاباً لما لزمته التوبة.
قيل: ملتزم فلا تلزمه؛ إذ لا يستحق عليه عقاباً، وإذا ندم قبل وجوده فندمه يكون على سببه لقبحه، ولأنه يولد قبيحاً.
فإن قيل: لم قلتم إنه يتوب عنه لقبحه ولتوليده قبيحاً، والتوبة عندكم لا تتناول وجه القبح وإنما تتناول القبيح.

255 / 329
ع
En
A+
A-