الرابع: أنه قد علم سمعاً وجوب التوبة، ولا يجوز أن تجب لأجل نفع فيها؛ لأن طلب النفع لا يجب، وإنما وجبت لدفع الضرر، وإذا وجبت لذلك فإما لكونها لطفاً أو لكونها تسقط العقاب، والأول باطل؛ لأنها ندم على ما مضى وعزم على مستقبل، وحق اللطف أن يكون داعياً إلى العزم، فالعزم هو الملطوف فيه فكيف يكون لطفاً فتعين كون وجه وجوبها دفع ضرر العقاب.
الخامس: أنها لو لم تؤثر في إسقاط العقاب واستحقاق الثواب لكان التائب يدخل الجنة بلا استحقاق، وذلك خرق للإجماع فإن الأمة مجمعة على أن المكلفين يجب أن يميز حالهم في الجنة عن حالة المتفضل عليهم من الأطفال والحور العين، لا يقال: إذا أسقط الله تعالى عقابه استحق على توبته ثواباً فيدخل الجنة باستحقاق وهو الثواب عليها؛ لأنا نقول: عقابه إنما يزول بإسقاط الله تعالى بعد التوبة، وعند حصولها يزول الثواب المستحق عليها لمكان ما يستحقه من العقاب على الكبيرة.
والحجة على أنها تسقط العقاب بنفسها أنها نظير الاعتذار كما مر وهو يسقط الذم بنفسه لا بكثرة ما يستحق من المدح عليه، ولا يفترق الحال بين قليل الاعتذار وكثيره في إسقاط الذم، وأيضاً لو أسقطت بكثرة ثوابها للزم أن يكون ثواب التائب من الشرك أعظم من ثواب النبي؛ لأن التوبة تسقط عقاب الشرك، وعقابه أكثر من ثواب النبؤة؛ لأنه يحبطه بدليل: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}[الزمر:65] وكون ثواب التائب أكثر من ثواب النبي معلوم البطلان.
ودليل آخر وهو أنها قد تسقط عقاب المعصية في حال لا يستحق عليها ثواباً، وذلك بأن تصدر من مصر على كبيرة يعتقد أنها غير معصية كالخارجي، والباغي إذا تاب من شرب الخمر فإن توبته تقبل، ولا ثواب له عليه لانحباطه بالكبيرة التي اعتقدها غير معصية.
قيل: وللخصم أن يقول: إنما يسقط عقاب شرب الخمر بثوابها فيسقط ثوابها في مقابلة عقاب تلك المعصية، وإن بقيت منه بقية سقطت لأجل عقاب تلك الكبيرة ولا مانع من ذلك.
احتج الخصوم بأنها لو أسقطته بنفسها لوجب أن تسقطه في الآخرة، وأن تسقطه توبة المحتضر.
وأجيب بأن هذا لازم لهم؛ لأن ثواب التوبة يكون أكثر من عقابه في الآخرة كما هو كذلك في الدنيا.
قيل: وفيه نظر؛ لأنهم يقولون إنها تسقط العقاب بثوابها، ولا ثواب لطاعة من في الآخرة، ولا لطاعة المحتضر، وإنما يلزم من يقول أنها تسقطه بمجردها؛ لأنها حاصلة منهما.
والتحقيق أنا لم نقل بأنها تسقطه بنفسها على كل حال، بل حيث كملت شروطها، ومنها أن تقع مع بقاء التكليف وعدم الإلجاء، وأن يندم على القبيح لقبحه، وليس كذلك المحتضر ومن في الآخرة؛ إذ لا تكليف، والندم إنما هو للإلجاء.
قالوا: لو أسقطته بنفسها لوجب في كل طاعة؛ إذ لا فرق.
قلنا: لم تسقطه لكونها طاعة، بل لكونها بذل الجهد في التلافي وليس غيرها كذلك؛ إذ لا تعلق له بما سلف من المعصية.
قالوا: تلزمكم المساواة بين من استمر على المعاصي ثم تاب وبين من عصى معصية واحدة فقط ثم تاب ومات؛ لأنها قد أسقطت ما قبلها بنفسها وبقي لهما ثوابها.
أجاب النجري بأنا نلتزم ذلك ونفرق بينه وبين ما ألزمناه أبا علي في مسألة الموازنة أن سقوطه المعصية هنا بالجب لا بالموازنة، والمعصية هنا صارت كالمعدوم، فيستوي من سلف له معصية واحدة ومن سلف له معاصي متعددة؛ إذ صار كل منهما كأنه لم يعص بخلاف مسألة الموازنة فإن السقوط فيها بمجرد الموازنة والمقابلة من الجانبين، فلم يجز تساوي من أحسن وأساء، ومن أساء فقط.
قلت:تحقيق الإلزام في مسألة الموازنة أن أبا علي لا يقول بالموازنة، بل يقول بالإحباط، وعلى مقتضى مذهبه أنه يلزم المساواة بين من قطع عمره في الطاعة ثم مات على كبيرة وبين من بلغ أوان التكليف فمات على مثل تلك الكبيرة، فيلزمه استواء عقابهما، والمعلوم أنه لا بد من فرق بينهما لئلا تذهب تلك الأعمال الصالحة مبتدأ وقد فعلت على وجهها، وإنما طرأ عليها ما هو أعظم منها، ولا سبيل إلى الفرق بينهما إلا بما ذكره أبو هاشم من القول بالموازنة وهو أنه يسقط من عقاب تلك الكبيرة بقدر ثواب تلك الأعمال الصالحة، ثم يستحق النار بباقي عقابها، بخلاف الآخر فإنه يستحق النار بجميع عقاب تلك الكبيرة، ولا يسقط منه شيء، وإلا لما كان ما ذكروه هنا من لزوم المساواة بين التائب من معاصي متعددة وبين التائب من معصية واحدة شبيهاً في الظاهر بما ألزموه أبا علي من المساواة بين [من] مات على معصية بعد طاعة، وبين من مات على معصية لم تتقدمها طاعة، فرق النجري بين الصورتين بما ذكر، لكن الظاهر من كلام أبي هاشم، والإمام المهدي أنه لا فرق، والخلاف في ذلك لأبي علي كما في (رياض الأفهام) وشرحه (الدامغ) فإن فيهما عن أبي هاشم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، قال الإمام المهدي كقوله بالموازنة، وقال أبو علي: بل هو كمن لم يفعل ذنباً لإبطال التوبة حكم المعصية فيكون التائب كالمجتنب لكل معصية فيكتب له بكل معصية تاب منها حسنة كما يكتب له بعدد كل معصية اجتنبها حسنات.
وأجاب الإمام المهدي بأنه لو كان كما ذكره لاستوى حال من كفر مائة سنة، ومن كفر لحظة ثم تاب في استحقاق الثواب، ولكان الكافر مائة أكثر ثواباً والمعلوم خلافه، وهذا نص في عدم الفرق، وقد تحصل منه أنه لم يفرق بينهما إلا النجري.
فائدة [انعدام الطاعة والمعصية بالندم]
قال النجري: وكما أن التوبة تصير المعصية كالمعدومة، فكذلك الندم على الطاعة يصيرها كالمعدومة بشرط أن يندم عليها؛ لأنها طاعة كما قيل في التوبة؛ إذ كل منهما بذل الجهد في التلافي.
قلت: ويدل على ذلك ما رواه الإمام المهدي في شرح الملل والنحل عن علي عليه السلام أن رجلين أتياه فقالا: ائذن لنا أن نصير إلى معاوية فنستحله من دماء من قتلنا من أصحابه، فقال عليه السلام : إن الله قد أحبط أعمالكما بندمكما على ما فعلتما.
قال النجري: فحصل من جميع ما تقدم أن الثواب لا يسقط إلا بشيئين، الموازنة بالعقاب، أو الندم على الطاعة على الوجه المذكور، والعقاب لا يسقط إلا بشيئين: الموازنة بالثواب، والتوبة عن المعصية هذا بعد الشرع، وأما قبله فقد كان يجوز أن يسقط بالعفو.
تنبيه [في اسقاط التوبة للعقاب]
قد علم من كلام أصحابنا في وجوب التوبة واختلافهم في كونها مسقطة للعقاب بنفسها أو بكثرة ثوابها أنها من جملة الطاعات التي يستحق عليها الثواب، وظاهر (المواقف) وشرحها أن في ذلك اختلاف؛ لأنه قال ما لفظه: اختلف في كون التوبة طاعة.
قال الآمدي: الظاهر أن التوبة طاعة واجبة فيثاب عليها؛ لأنها مأمور بها، قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً}[النور:31] والأمر ظاهر في الوجوب، لكنه غير قاطع لجواز أن يكون رخصة وإيذاناً بقبولها، ودفعاً للقنوط لقوله تعالى: {ولا تقنطوا}، {لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً}[الزمر:53] هكذا عبارته، وهي تفيد أن ثمة من يخالف في الوجوب ويقول إنها رخصة، ولا يتأتى نفي الوجوب إلا على مذهب الأشعرية؛ لأنهم ينفون حكم العقل وهو أحد أدلة الوجوب، ولأنهم لا يقطعون بدخول الفساق النار، ويحكمون بخروج من دخلها منهم، وعلى هذا لا يكون لوجوب التوبة مقتضي؛ لأنه لا التفات منهم إلى ما حكم به العقل من وجوبها لأجل دفع الضرر لنفيهم حكمه ولا قطع عندهم بالضرر، وعلى هذا فلا تكون واجبة، لكنه يقال: عدم الوجوب لا ينفي كونها طاعة؛ لأن أقل أحوالها الندب والمندوب طاعة يثاب عليها، اللهم إلا أن يكون مرادهم بكونها رخصة أنها مباحة يستوي فعلها وتركها فيقال لهم: إذا فقد بطلت تلك الأوامر، واتفقت فائدتها وفائدة الترغيب في التوبة بنحو {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ}[البقرة:222] وما في معناها كتاباً وسنة.
نعم ويتفرع على القول بوجوب التوبة الكلام في العاصي إذا لم يتب هل يستحق العقاب بتركها كما يستحقه بترك سائر الواجبات، فقال أبو علي والأكثر: إنه يستحق العقاب على ذلك، وقال أبو هاشم: لا إنما يستحق عقاب المعصية التي وجبت عليه التوبة لأجلها.
احتج الأكثر بأنها واجب مضيق كسائر الواجبات المضيقة، فكما أنه يستحق العقاب بالإخلال بالواجب المضيق كذلك في التوبة، وأيضاً عدم العقاب عليها ينقض وجوبها.
احتج أبو هاشم بأن وجه وجوب التوبة إنما هو إسقاط عقاب المعصية.
قلنا: لا نسلم، بل وجه وجوبها كوجه وجوب الاعتذار وهو التلافي لما فرط منه فيكون وجه وجوبها كوجه وجوب قضاء الدين، فكما وجب قضاؤه لكونه جبراً لما قبض من حق الغريم، فكذلك تجب التوبة لكونها جبراً وتلافياً لما وقع منه.
فإن قيل: قد اعترفتم بأنها كالاعتذار، والمسيء إذا لم يعتذر لم يلزمه الاعتذار عن تأخير الاعتذار، ولا يستحق ذماً زائداً على تركه الاعتذار، فكذلك التوبة لا يستحق على تركها عقاباً زائداً على عقاب المعصية.
قيل: إنما لم يستحق ذماً لأنه ما أساء إليه بترك الاعتذار ولم يضربه، والاعتذار إنما يجب للإساءة، وليست التوبة كذلك فإنها واجبة كالصلاة فإذا أخل بها استحق العقاب عليها.
فإن قيل: بل يضر به فإنه يلحق غم بترك الاعتذار.
قيل: المساء إليه هو الذي اختار الغم، هكذا أجاب الموفق بالله، وقال الإمام المهدي: إنما لم يلزمه الاعتذار عن تأخير الاعتذار؛ لأن التأخير إنما كان إساءة تبعاً للإساءة المعتذر منها، فإن اعتذاره عن الأصل يقتضي الاعتذار عن كل إساءة، فكأنه اعتذر عن الإساءتين معاً، ولو لم يعتذر على هذا الوجه استحق الذم.
احتج أبو هاشم بأنه لو استحق على تركها عقاباً للزمه أن يتوب من كونه لم يتب ثم كذلك إلى غير غاية، وللزم المعتذر أن يعتذر من كونه لم يعتذر.
قلنا: نحن نلتزم أنه يلزم الندم على الإخلال بالتوبة إلى أن يفعلها، ألا ترى أنه لو أخبر بعد التوبة أنه لم يندم على تركها في الزمن الماضي لاستحق الذم؛ لأنه يكون كمن عزم على الإقلاع عن الذنب ولم يندم على فعله فيما مضى، لكن لا يحتاج إلى إفراد التوبة عن ترك التوبة؛ لأنها تدخل ضمناً في التوبة عن المعصية.
واحتج أيضاً بأنه لو استحق عقاباً زائداً للزم أن يصير الفسق كفراً، والصغيرة كبيرة بحيث يجب فيمن سرق حبة وأصر على ترك التوبة عنها أن يجوز في عقابه أن يبلغ عقاب الفسق.
قلنا: منع الإجماع على أن المعصية إذا لم تكن كفراً حال فعلها أنها لا تصير بعد ذلك كفراً، دليله الفاسق، فإن مدة إصراره لو بلغت في الطول كل مبلغ لم تجر عليه أحكام الكفار، وأما مصير الصغيرة كبيرة بالإصرار، وبلوغ العقاب عقاب الفسق فملتزم.
ومما احتج به أن المال إذا بقي عند الغاصب مدة فإنها لا تزيد أعواضه على كونه لم يرد إليه، فكذلك إنما لم تزد هنا لدلالة الشرع على أنه لا يلزمه إلا قدر ما يقوم بها، والأعواض بمنزلة قيم المتلفات.
الموضع الرابع [في الاحباط والموازنة]
اختلف المتكلمون في من فعل طاعات ثم فعل كبيرة تحبط ثواب تلك الطاعات ثم تاب، هل يعود ثواب تلك الطاعات أو لا؟
فقال أبو هاشم، وجمهور البصرية، وبه قال الإمام الحسين بن القاسم العياني والإمام المهدي، والقرشي ونسبه الإمام عز الدين إلى الجمهور: لا يعود، واختاره الإمام القاسم بن محمد.
وقال أبو القاسم البلخي، وأبو بكر النجاري من البهشمية، وبشر بن المعتمر من البغدادية: بل يعود وجوباً، وهو ظاهر كلام الناصر.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أن الثواب قد يسقط في مقابلة ما يوازنه من عقاب المعصية، والتوبة إنما أسقطت الزائد، فأما ما يقابل الثواب فقد أسقطه الثواب، فلا يحتاج إلى مسقط، فلا يتصور عود الثواب بالتوبة؛ إذ ليس لها فيما يقابله تأثير.
الثاني: أنها تسقط العقاب المستحق بالمعصية فقط، فلا مقتضي لإيجابها إعادة ما قد بطل استحقاقه من الثواب كالاعتذار فإنه يسقط استحقاق الذم، ولا يوجب عود استحقاق المدح.
الثالث: أنه لو عاد لكان التائب أحسن حالاً ممن لم يعص من حيث أن له مثل ثواب الذي لم يعص، وثواب التوبة أيضاً.
الرابع: أنه يلزم أن يكون سبب استحقاق عوده التوبة لا الطاعة المتقدمة؛ لأنه قد سقط حتى حصلت، ولو صحّ ذلك لزم أن يستحقه من لم يكن قد أطاع إذا تاب، فينتفي الفرق بين تقدم الطاعة وعدمه، والإجماع منعقد على أنه لا يستحقه من لم يكن قد أطاع.
احتج الآخرون بأن انحباطه بعقاب تلك الكبيرة عقاب، وقد سقط عنه كل عقاب بالتوبة، فيسقط الانحباط، ويلزم منه عود الثواب، وإلا لزم أن لا تكون التوبة مسقطة لجميع عقابه، وهو خلاف المعلوم.
قلنا: لا نسلم أن الانحباط عقاب، وإنما العقاب الألم الواقع على جهة الإهانة؛ بدليل أن سقوط الثواب قد يحصل في حق الأنبياء" وهم لا يستحقون عقاباً.
قالوا: من أساء إلى غيره بعد إحسان ثم اعتذر لم يكن كاعتذار من أساء إليه لا بعد إحسان، فلولا أن مدح الإحسان الأول يعود عند الاعتذار لما افترق الحال، كذلك الثواب عن التوبة.
وأجيب بأن الفرق على أصل الجمهور هو أن المحسن قد استحق المدح بالإحسان في وقت ما وهو قبل وقوع الإساءة، فأما بعد وقوعها فقد سقط بما يقابله من الإساءة، وبقي الزائد يسقطه الاعتذار، فيكون حاصل الفرق أن اعتذار من لم يحسن أسقط ذماً كثيراً، واعتذار من تقدم إحسانه أسقط ذماً قليلاً، والوجه ظاهر وهو أن من لم يحسن لم يسقط من إساءته التي هي السبب في استحقاق الذم شيء، فكان استحقاقه الذم باقياً على أصله لم يسقط شيء منه إلا بالاعتذار، فكان اعتذاره مسقطاً لذم كثير، بخلاف من قد تقدم منه إحسان فإنه لم يبق استحقاقه الذم على الإساءة كاملاً، بل على ما بقي بعد المقابلة، فلم يسقط اعتذاره إلا ما بقي من الذم، وهو قليل بالنسبة إلى كله.
قالوا: يلزم استواء حال من أطاع الله ثم عصاه ثم تاب، وحال من لم يصدر منه إلا المعصية ثم التوبة.
قلنا: لا يلزم ذلك إما لما ذهب إليه أبو هاشم من القول بالموازنة، وإما لما سيأتي عن ابن الملاحمي.
قالوا: لو لم يعد الثواب لما كان طلحة والزبير أفضل من أحدنا، والمعلوم خلافه.
قلنا: لا نسلم أن المعلوم خلافه، بل نلتزم ما ألزمتمونا في حقهما، وكيف يقال إن عدو أمير المؤمنين عليه السلام أفضل من وليه وعداوتهما له معلومة.
قالوا: من أنعم على غيره ثم أساء إليه ثم اعتذر فإنه يجب أن يعود وجوب شكره، فكذلك الثواب.
قلنا: يؤخذ جوابها من الكلام على عود المدح، على أن القول بالموازنة لا تستقيم هذه الحجة بحال.
تنبيه ما تقدم من نقل الخلاف وتقرير الحجج في هذا الموضع فهو على ما هو المشهور، وقد اعترضه الإمام المهدي وقال: إن نقل مذهب الجمهور على هذه الكيفية غفلة ووهم من الحاكم وغيره، وقال: إنه لا يصح على قولهم بالموازنة، وإلا لزمهم ما لزم أبا علي من استواء حال من أحسن وأساء، وحال من أساء ولم يحسن، وأن يكونا في الجنة والإثابة سواء، وهذا لا يحسن في حكمة الله وعدله، وحمل كلام البهشمية والجمهور على ما ذكره ابن الملاحمي، وهو أنه لا يعود ما مضى إلى وقت التوبة، ويعود الاستحقاق في المستقبل، وهذا هو الذي اختاره أعني وقال: كنت أقوله نظراً ثم وجدته نصاً لابن الملاحمي.
قلت: وحاصل هذا المذهب أن من تاب بعد انحباط ثوابه المستحق على الطاعات السابقة بالمعصية لم يعد ذلك الثواب الذي كان قد اجتمع له سابقاً، ولا الثواب الذي منعت من استحقاقه الكبيرة من وقت فعلها إلى وقت فعل التوبة، بل يتجدد له استحقاق الثواب في المستقبل على تلك الطاعات الماضية حتى يصير كأنه فعلها وقت التوبة، ويكون حكمها حكم الطاعات المستقبلة في أنه يستحق عليها الثواب متجدداً دائماً.
قال النجري: وهو الموافق للقواعد والأصول؛ إذ كان المانع من استحقاق الثواب على تلك الطاعات هو استحقاق العقاب على تلك المعصية، وعند بطلانها بالتوبة زال المانع من استحقاق الثواب؛ إذ الطاعة باقية لم يطرؤ عليها ما يصيرها كالمعدومة، فيعود استحقاق الثواب في المستقبل، وهو اللائق بالعدل والحكمة، وإلا لزم التساوي بين من قطع عمره في طاعة الله ثم فعل كبيرة وتاب عنها قبل موته، وبين من قطع عمره في عصيان الله ثم تاب قبل موته، والفرق بينهما مما لا يشك فيه، وحمل عليه ابن الملاحمي كلام أبي القاسم حيث قال: إنه يعود ثوابه بالتوبة فقال: مراده المتجدد، وحمل عليه الإمام كلام أبي هاشم حيث قال: لا يعود ثوابه بالتوبة فقال: مراده المجتمع حال المعصية لا المتجدد.