وأما مالك فهو: ابن إسماعيل بن درهم النهدي، مولاهم أبو غسان الكوفي الحافظ الحجة، عن الحسن بن صالح وطبقته، وعنه عثمان بن أبي شيبة والبخاري وخلق، وثقه النسائي وغيره، وأثنى عليه غير واحد، وقال في (الكاشف): كان حجة عابداً قانتاً، قال علامة العصر: عداده في ثقات محدثي الشيعة، توفي سنة عشر ومائتين، احتج به الجماعة، وروى له أبو طالب والموفق بالله والمرادي.
وعن حميد الطويل قال: قلت لأنس بن مالك: أقال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((الندم توبة))؟ قال: نعم. أخرجه ابن حبان في صحيحه.
وعن عبد الله بن مغفل قال: دخلت أنا وأبي على ابن مسعود فقال له أبي: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله- يقول: ((الندم توبة))؟ قال: نعم. أخرجه الحاكم وصححه.
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن عبد الله بن رسته بن المهيار البغدادي نزيل أصفهان بقراءتي عليه، قال: حدثنا أبو الطيب عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن شيبة إملاءاً قال: أخبرنا أبو الحسن بكر بن أحمد بن مقبل، قال: حدثنا أحمد بن يسار القطان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن مغفل قال: سألت ابن مسعود: أسمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله- يقول: ((الندم توبة))؟ قال: نعم.
وفيه: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن عبد الله بن رسته، قال: حدثنا أبو الطيب عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا أبو الحسين بن مقبل، قال: حدثنا أبو سفيان البروري ونعم الرجل كان قال: حدثنا عبد العزيز بن أبان قال: حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك البكري، عن أبيه، عن أبي الحوراء، عن ابن عباس، عن النبي -صلى الله عليه وآله- قال: ((الندم توبة)).
قوله: أبو سفيان البروري كذا في الأمالي، وفي (الجداول): أبو سفيان المروزي عن عبد العزيز بن أبان، والأخبار في هذا المعنى أكثر مما ذكرنا، ذكرها أئمتنا وغيرهم.

وروى الموفق بالله عليه السلام عن علي عليه السلام أنه قال: (إني لأرجو أن تكون كفارة العبد من ذنبه ندامته عليه). ذكره في (سلوة العارفين).
قيل: قد أجاب عنه الإمام المهدي أنه إنما اقتصر فيه على الندم؛ لأن الغالب ممن تاب العزم على أن لا يعاود؛ إذ لا يجوز من عاقل أن يندم على فعل لعلة اقتضت ندمه، ثم لا يعزم على أن لا يعاوده مع بقاء تلك العلة، وحاصله أنه إنما اقتصر على الندم لكون العزم لازماً له لا ينفك عنه فاكتفى بالنص عليه عن ذكر العزم، وقال غيره: المراد أنه معظم أركانها كخبر: ((الحج عرفة)).
هذا وأما من اعتبر العزم فاختلفوا في كونه جزءاً منها أو شرطاً، فقال أبو هاشم ومن تابعه: هو جزء منها لما مر، ورواه في (البدر الساري) عن القاسم.
وقال السيد مانكديم وأبو رشيد: ليس بجزء منها وإنما هو شرط فيها والأصل هو الندم؛ لأن من حق التوبة أن تتعلق بالماضي والعزم لا يتعلق بالماضي، واختاره الإمام عز الدين قال: وإنما يعتبر العزم ويشترط؛ لأن عدمه يكشف عن عدم صحة الندم، وكيف يندم أحد على فعل من الأفعال وهو عازم على العود إليه.
وأجيب بأن التوبة بذل الجهد في تلافي ما فرط ولا يكمل إلا بهما، وأيضاً لا خلاف بيننا وبينكم أنه لا بد منهما فكانا جميعاً ركنين.
قيل: والخلاف لفظي لا يختلف المعنى فيه مع اعتبارهما معاً، وتوقف ثمرة التوبة عليهما.
وقيل: معنوي وفائدته أنه لو نسي العزم أو كان يتعذر عليه معاودة ما تاب منه كتوبة المجبوب عن الزنا فإن التوبة تجزيه عند من جعله شرطاً دون من جعله جزاءاً، فلا بد عنده من أن يضمر أنه لو قدر ما فعل.
فرع وإذا قيل بوجوب العزم
فقال القرشي: يتعلق بفعل الواجب لوجوبه، وبكراهة فعل القبح أو بإرادة فعل ضده إذا كان له ضد، ولا يصح تعلق العزم بأن لا يفعل من حيث هو نفي.
قال: فأما الندم فلا يصرف عن ظاهره في التعلق؛ لأنه من قبيل الغم والأسف، يعني وهما يتعلقان بالنفي.

قال الإمام عز الدين:وفيه تكلف إلجا إليه، يصحح تلك القاعدة وهي أن العزم إرادة، والإرادة لا تتعلق بالنفع، والمتكلمون كثيراً ما يبنون على قواعد قد قرروها، ويجدون في إطرادها فيلجيهم ذلك إلى اقتحام المضايق، ومن المعلوم قطعاً أن العزم الذي يجده التايب من نفسه ليس متعلقاً بأن يفعل كراهة للقبيح، ولا إرادة على فعل كراهة للقبيح من عزمه على فعل القبيح فلا تنافي بين ا لعزمين، وكذلك العزم عليه، والعزم على ضده، فنحن في غنية عن هذا التكليف، والعزم أمر موجود من النفس ضرورة، ونحن نجد في أنفسنا العزم على أن لا يفعل وجدانا يقينياً، وإذا صح أنه من قبيل الإرادة و أنها لاتتعلق بالنفي جعلناه متعلقاً بالكف عن الفعل والكف فعل عند أهل التحقيق، وقد لمح إليه السيد مانكديم بل صرح به وقال: الترك فعل يصح تعلق العزم به، وهو قول أبي علي.
فإن قيل: الترك قد يكون مجرد الإخلال بالفعل، وعدم إيجاده وذلك نقي محض….
قيل: إن أبا هاشم وإن أجاز أن يكون ترك القبح بمعنى لا يفعل فليس ذلك بمانع من جعله العزم هنا متعلقاً للعزم، وفي الإكليل ان معنى العزم هنا الكراهة، فحيث يذم على القبح فعزمه على أن لا يعود كراهة أن يحدث ما هو قبح، وأن يذم على الإخلال بالواجب، فالعزم هنا إرادته لا ذاماً وجب عليه في المستقبل.
قال الإمام عز الدين: وهو كلام جدي لا غبار عليه.
قلت: وفي تسمية صاحب (الإكليل) الكراهة عزماً على القول بأنه من قبيل الإرادة، نظراً إذ الإرادة والكراهة ضدان، وقد قيل أن تسمية تلك الكراهة عزماص من قبيل الاستعارة والمجاز، قوله: مع تلافي ما يجب تلافيه، المراد بالتلافي غرامة ما يجب غرامته بتلك المعصية من قصاص أو مال أو اعتذار في الحد من إساءة أو نحو ذلك.

قيل: ولا حاجة إلى هذه الزيادة؛ لأن التلافي إنما هو شرط في صحة التوبة، ودليل على حصول حقيقتها التي هي الندم، إذ لا يتحقق الندم إلا بذلك، فهذا ما ذكره أصحابنا في حقيقة التوبة على الختلاف بينهم، والمتحصل من اختلافهم أنهم في حدهاعلى قولين:
أحدهما: ما ذكره الإمام المهدي والقرشي، والثاني ما ذكره من لا يعتبر العزم جزءاً منها، سواء قيل إنه شرط أم لا، وهو أنها الندم على ما فرط من فعل قبيح، أو إخلال بواجب كما يفهم مما مر.
وأما غيرهم فقال النجار وبعض الخوارج: بل التوبة مجرد الاستغفار باللسان.
لنا ما مر من أنها بذل الجهد في التلافي وهو لا يحصل إلا بما ذكرنا، وأيضاً قوله صلى الله عليه وآله: ((الندم توبة))، وقول الوصي يدفع هذا القول.
قال الإمام المهدي: ويزيد ذلك وضوحاً ما ورد عنه صلى الله عليه وآله: ((من استغفر الله بلسانه وهو مصر فكأنما يستهزئ بربه)).

وقال الغزالي: التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة: علم، وحال، وعمل، والأول موجب للثاني، والثاني موجب للثالث إيجاباً اقتضته سنة الله في الملك والملكوت، أما العلم فهو معرفة ما في الذنب من الضرر وفوت المنفعة، فإذا عرف ذلك حصل له تألم القلب بسبب فوت المحبوب، فإذا كان فواته بفعل من جهته تأسف بسبب فوات المحبوب على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات فسمي ذلك التأسف ندماً، وهذا هو الحال، ثم ذلك الألم إذا تأكد حصلت منه إرادة جازمة ولها تعلق بالحال وبالمستقبل والماضي، أما تعلقها بالحال فبترك الذنب الذي قد ارتكبه، وأما بالمستقبل فالعزم على أن لا يعود إليه، وأما بالماضي فبتلافي الفائت بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للقضاء، وهذا هو العمل، وحاصله أن العلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مترتبة يطلق اسم التوبة على مجموعها، وكثيراً ما نطلق اسم التوبة على الندم وحده، ونجعل العلم كالمقدمة، والترك كالثمرة، والتابع المتأخر، وبهذا الاعتبار قال صلى الله عليه وآله: ((الندم توبة))؛ إذ لا ينفك الندم عن علم أوجبه وعن عزم يتبعه.
قال الرازي: وهو كلام حسن، وقال القفال: لا بد من التوبة من ترك الذنب، والندم على ما سبق، والعزم على أن لا يعود إلى مثله، والإشفاق فيما بين ذلك كله.
وأما اعتبار الثلاثة الأول فقد عرف مما مر، ودليل اعتبار الترك هو دليل اعتبار العزم على أن لا يعود، ولأنه لو لم يترك لكان فاعلاً للذنب والفاعل غير تائب، وأما الإشفاق فلأنه لا سبيل له إلى القطع بأنه قد أتى بالتوبة كما لزمه فيكون خائفاً، ولهذا قال تعالى: {يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}[الزمر:9].

قلت: أما العلم بالذنب فلا نسلم اعتباره في مسمى التوبة، وإنما هو شرط في وجوبها والتكليف بها، وفي حكمه الظن كما سيأتي، وأما الإشفاق فلا يصح اعتباره عند أصحابنا لاشتراطهم أن يتوب من القبيح لقبحه لا لخوف ضرره كما مر على أن الإشفاق إنما يعتبر عند القفال لعدم القطع بتمام التوبة، وهذا أمر خارج عن مسمى التوبة ضرورة فكيف يجعل جزءاً منها.
نعم الإشفاق من عدم قبول الأعمال والوفاء بها هو شأن المؤمنين كما قال تعالى: {يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}[المؤمنون:60] لكن هذا الإشفاق لا يختص بالتوبة بل هو معها ومع سائر الطاعات على سواء، وهو عمل وطاعة مستقلة.
وقال الراغب: التوبة في الشرع ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه تداركه من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كمل شرائط التوبة، وهو معنى ما ذكره الأصحاب إلا أنه زاد التدارك، وكلام أمير المؤمنين يشهد له، ويقال: لا حاجة إلى هذه الزيادة كما يعرف مما مر.
واعلم أن بعضهم يعتبر في التوبة أن يندم على القبيح لعظمه في القبح لا للقبح المطلق، واعتبر بعضهم أن يندم عليه لقبحه ولجنسه فيندم على الزنا لقبحه، ولكونه زنا، وقال بعضهم: بل لقبحه ولوجه قبحه.
قلنا: العقلاء يستحسنون الذم على القبيح، وإنزال العقاب عليه وإن تجرد عن جميع ما ذكروه، ولو اعتبر شيء من ذلك لوجب إذا تعرى القبيح عنه أن يكون فاعله معذوراً فلا تجب عليه توبة، وأيضاً وجه وجوب التوبة كونها تدفع ضرر العقاب فتجب التوبة من القبيح لوجه قبحه لا لنفس القبح فيتوب من الكذب؛ لأنه كذب لا لكونه قبيحاً كما يصح فعل الواجب لوجه الوجوب، واعتبر بشر بن المعتمر وأصحابه في التوبة الموافاة، وسيأتي الرد عليه.

الموضع الثاني في حكم التوبة
وحكمها أنها واجبة بلا خلاف بين المسلمين، واختلف في دليل الوجوب، فقال أبو هاشم: إن كانت المعصية كبيرة فدليل وجوبها العقل والسمع، وإن كانت صغيرة فالسمع فقط، وهذا قول السيد مانكديم، والقرشي، وغيرهما من أصحابنا.
وقال أبو علي: بل التوبة عن الصغائر تجب عقلاً وسمعاً.
قلنا: التوبة إنما تجب لدفع الضرر عن النفس، ولا ضرر في الصغائر؛ إذ لا تؤثر إلا في تقليل الثواب ولا ضرر في ذلك.
فإن قيل: في ترك التوبة تفويت منفعة فتجب.
قيل: المنافع لا يجب حفظها كما لا يجب تحصيلها وإن سمي ظالماً لنفسه بتفويتها، والتحقيق أن أبا علي يقول: إن الصغيرة لا تسقط شيئاً من الثواب؛ لأنه لا يقول بالموازنة، لكنه يقول بوجوب التوبة منها لوجوه:
أحدها: أن عنده أن للتوبة ضد وهو الإصرار؛ إذ لا يخلو من أن يكون نادماً أو مصراً، والإصرار قبيح فلزمته التوبة؛ لأنها ترك قبيح.
والجواب: أنا لا نسلم أن لها ضداً.
الثاني: أن في التوبة من الصغائر لطفاً؛ لأن المكلف معها يكون أقرب إلى تجنب المعصية فتجب لذلك.
والجواب: أن كونها لطفاً لا يعلم من جهة العقل، سلمنا فإنما يجب اللطف لجريه مجرى دفع الضرر، ولا ضرر في الصغيرة فلا يجب فعل ما يدعو إلى تركها.
الثالث: أن فعل الصغيرة قبيح فلو لم تجب التوبة عنها لكان ذلك إغراء بالقبيح.
والجواب: أنه لا إغراء مع العلم بقبحها، والذي يدل على وجوب التوبة عن الكبائر من جهة العقل أنها دفع ضرر عظيم، ودفع الضرر عن النفس واجب، وقد ذهب أبو الحسين إلى أن العلم بوجوب التوبة عن القبيح لقبحه معلوم ضرورة، وأما الدليل السمعي فهو معلوم ضرورة من الدين.
فرع

ومن ظن ظناً غالباً أنه ارتكب معصية وجبت عليه التوبة كما لو علمها، نص عليه الإمام الموفق بالله في (الإحاطة) وأجرى غالب الظن مجرى العلم، ثم قال: فعلى هذا إذا ظن أنه ارتكب كبيرة وتناوش معصية يجب عليه أن يندم ويتوب؛ لأنه لا يأمن أن يكون فاعلاً لها فيستحق العقاب، وممن نص على وجوب التوبة من الذنب المظنون الدواري، وأما إذا لم يعلم ولا يظن ذنباً فقال الدواري: ذكر بعض علمائنا أن التوبة تجب عليه؛ لأنه يجوز الذنب، وإذا جوزه خشي الضرر ودفع الضرر المخشي واجب، قال: وهذا غير جيد، بل لا تجب عليه التوبة هاهنا؛ لأن التوبة لا تجب إلا إذا علم الضرر أو ظنه، وفي هذه الصورة لا علم ولا ظن، وأكثر ما هو عليه أن يكون شاكاً، ودفع الضرر المشكوك لا يجب.
فرع
والمعصية قد تعلم أو تظن جملة نحو أن يعلم أنه قد أذنب ذنباً ولا يعلم ما تفصيل الذنب، أو تفصيلاً وهو واضح، فالأول تكفي منه التوبة جملة فيندم على ما علمه الله من معصية، والثاني يجب عليه التوبة تفصيلاً فيندم على كل معصية بعينها، فإن علم تفاصيل ما علمه جملة بعد التوبة منه فقال الموفق بالله: لا يجب عليه أن يتوب عن التفاصيل؛ لأنه قد أسقط عنه عقابها بالتوبة كالمعتذر إذا أساء إلى غيره ضروباً من الإساءة من دون معرفة تفصيلها فاعتذر إليه ثم علم تفاصيلها، فإنه لا يجب عليه الاعتذار بعد ذلك.

الموضع الثالث في كيفية إسقاطها للعقاب
وقد اختلف في ذلك، فالذي عليه الزيدية وجمهور المعتزلة أنها مسقطة للعقاب بنفسها.
وقالت البغدادية: لا تأثير لها في إسقاط العقاب وإنما يتفضل الله بإسقاطه عندها، هكذا نقل عنهم السيد مانكديم، حكاه الموفق بالله عن أبي القاسم وجل البغدادية.
وأما القرشي فنسب القول بالسقوط عندها تفضلاً إلى أبي الهذيل ثم قال: وبه قالت البغدادية، إلا أنهم جعلوا الوجه في ذلك كونه أصلح.
وفي (الغياصة) عن البغدادية أنها تسقط العقاب بكثرة ثوابها، وتحقيق الخلاف على ما ذكره الإمام المهدي أن أكثر أصحابنا يقولون بسقوط العقاب بالتوبة، والبغدادية يقولون بسقوط عقبهاً تفضلاً، والقائلون بأنها تسقط بالعقاب، اختلفوا أهل تسقيطه بنفسها أو بكثرة ثوابها، فقالت البهاشمة ومن تابعهم بالأول، وقال بعض القائلين بالموازنة بل بسقطه بثوابها.
قال عليه السلام : فصار الناس في إسقاط التوبة للعقاب فريقين، فريق أوجبه وفريق لم يوجبه، والموجبون فريقان: فريق أوجب إسقاطها إياه بنفسها، وفريق قال بثوابها، وغير الموجبين فريقان، فريق قطع بأنه لابد من سقوط العقاب بها وإن لم يكن واجباً كإثابة المثاب عنده، وفريق لا يقطع بسقوطه، بل يجوز وقوعه بعدها لولى منع السمع من ذلك.
قلت: الذي قطع بسقوط العقاب هم أكثر البغدادية، والذي لم يقطع هو أبو القاسم كما يفهم، وذلك من كلام رياض الأفهام، وما حكاه في (شرح القلائد) للإمام المهدي عن الحاكم، وهو أنه قال بعد أن حكى ما مر عن البغدادبة ما لفظه: قال الحاكم: وهو خلاف في عبارة؛ لأنهم لا يجوزون العقاب بعد التوبة، إلا أنهم يقولون وجوبه وجوب جود لا استحقاق، ومنهم من قال بلا تفضل محض، بحيث كان يجوزان يعاقب التايب لولي منع السمع من ذلك حيث ورد بأن التايب لا يعاقب، وإلى هذا المذهب ذهب الشريف المرتضى الموسوي.

قلت: القائل بأنه تفضل محض هو أبو القاسم كما في (رياض الأفهام) وحكى فيها عنه أنه قال: لو عوقب تايب لم يكن ظلماً، وإنما لم يعاقبه؛ لأنه أصلح، والحجة على أنه تسقط العقاب من وجوه:
أحدها: أنها نظير الاعتذار، والمعلوم أن الاعتذار الصادق في الشاهد يسقط الذم على الاساءة، ولم يكن للمجني عليه أن يذمه بعد ذلك، ولا وجه له سوى أنه اعتذر إليه، فكذلك التوبة، والجامع ما مر أن لم يكونا جنساً واحداً.
الثاني: أنها لو لم تكن مسقطة للعقاب لكان يجب أن يحسن من الله أن لا يتفضل بل يعاقب؛ لأن التفضل هو الذي لفاعله أن يفعله وان لا يفعله، وا لمعلوم خلافه، لا يقال أنه تعالى يتفضل لا محالة؛ لأنه أصلح؛ لأنا نقول ليس بواجب عندنا، فكان يجب حسن ا لمعاقبة بعد التوبة، وذلك مما قد علم خلافه.
الثالث: أن العقاب لو لم يسقط بالتوبة لوجب أن ترتفع التكليف عقيب المعصية، ويكون قبيحاً؛لأنه لا يتخلص به من العقاب، ولا يتوثل له إلى ما هو الفرض بالتكليف، وهو نيل الثواب، وذلك يؤدي إلى نقص الفرض بالتكليف، فيجب قبحه لعدم الانتفاع به حينئذٍ.
فإن قيل: إنه يفعل الطاعات بعد تلك الكبائر، فتؤثر في إسقاطها.
قيل: إن من الجائز أن يموت قبل أن يفعل من الطاعات ما يؤثر في الإسقاط.
فإن قيل: التكليف بعد المعصية وإن لم يؤثر في إسقاط العقاب كله فهو يؤثر في نقصانه بما يفعله من الطاعات.
قيل: ليس الغرض بالتكليف نقصان العقاب؛ لأنه يحسن إسقاطه عقلاً، وإنما الغرض به إيصاله إلى الثواب، وذلك مما لا يجوز بعد الكبيرة.
فإن قيل: إن الله عندها يغفر له كما أخبر بذلك فيحصل المقصود به.
قيل: فيلزمكم أنه لو لم يرد سمع لكان لا طريق إلى الانتفاع بالتكليف فلا يحصل الغرض.

251 / 329
ع
En
A+
A-