وأجابوا عما احتج به الأولون بأنا لا نسلم الدلالة على الجرأة إلا فيما يعلم أنه يستحق عليه العقاب، فأما مع أمن العقاب والثقة بالثواب فلا جرأة، ثم إن الإقدام مع الخوف والوجل لا يقتضي جرأة المقدم في كل حال، وإنما يقتضيها لو أقدم غير مكترث ولا خائف، ورد بأنهم إن تعمدوها غير عالمين بأنها صغائر فلا يشك أن تعمدها حينئذٍ يكون جرأة؛ إذ هو إقدام على ما لا يؤمن كونه كبيرة، والإقدام على ما هذه حاله جار مجرى الإقدام على الكبائر في التنفير عن قبول ما أتوا به وإن بين لهم من بعد كونها صغائر؛ لأن الناس ينفرون عمن أقدم على ما لا يؤمن من كونه كبيرة كما ينفرون عن مرتكب الكبيرة، وليس انكشاف الصغر إلا كالتوبة من الكبيرة، فكما أن التوبة لا ترفع النفرة من مرتكب الكبيرة، فكذلك انكشاف الصغر لا يرفع النفرة عمن أقدم على ما لا يؤمن كبره، وإذا كان الإقدام على هذا التقدير يؤدي إلى التنفير وجب الحكم ببطلانه وعدم جوازه على الأنبياء" لأنه يرجع على الغرض المقصود من بعثتهم بالنقض والإبطال.
قوله: ثم إن الإقدام مع الخوف والوجل...إلخ.
قلنا: هذا باطل؛ لأنهم إذا أقدموا مع علمهم بأنها معصية فهو عين الجرأة سواء صحبها خوف أم لا، ثم إن الإقدام مع الخوف وإن كان بعد التعريف بصغرها كان التعريف إغراء في حقهم لشدة رغبتهم في الطاعة فيكون علمهم بنقص ثوابهم كاف في الزجر؛ لأنا نقول: لا إذا عرفوا كونها معصية يكرهها الله، ثم عرفهم الله بأنه لا عقاب عليهم في ارتكابها فهو حقيقة الإغراء بفعلها.
قالوا: العمد في حقهم صغير لكثرة ثوابهم الذي لا يستحقه غيرهم من البشر.
قلنا: مصادم للنص قوله تعالى: {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ، إِذاً لاََذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ...}الآية[الإسراء:74،75]، فانظر كيف توعده على أنه لو مال إلى قومه يسيراً من الميل لأذاقه عذاب الآخرة وعذاب القبر، ولم يقل إن ذلك مكفر في جنب ثوابه وأنه صغيرة منه، فثبت أن إقدامهم على الصغائر لا يكون مع العمد.
وإذا تقرر ذلك فقد اختلف القائلون بهذا القول في كيفية إقدامهم عليها الإمام أحمد بن سليمان في كلامه في خطايا الأنبياء" فأما في سائر أفعالهم في غير تبليغ الرسالة فإنه يجوز عليهم النسيان، والغفلة، والخطأ في التأويل والعجلة، وقد ذكر الله عنهم ذلك، وذكر توبتهم منه، ثم ذكر بعض خطاياهم على هذه الوجوه، وأن ذنب آدم وموسى على جهة النسيان، وأن ذنب يونس كان الاستعجال، وكذلك آدم أكل الشجرة، وداود كان الخطأ في التأويل، وذكر الآيات في ذلك، وسنتكلم عليها في مواضعها إن شاء الله.
هذا هو الظاهر من كلام الهادي في كتاب خطايا الأنبياء، وحاصله أن معاصيهم تكون على جهة النسيان والغفلة والخطأ في التأويل والعجلة، وقد تقدم كلام المرتضى في ذلك.
وروى في (البدر الساري) عن الهادي والناصر وغيرهما من الآل أنها تقع منهم على جهة التأويل والسهو، وقال النظام وجعفر بن مبشر: إنما تقع منهم على جهة السهو والغفلة، فيكونون معذورين قطعاً، وهو مبني على أن السهو صغيرة.
قيل: وهو ضعيف؛ لأن الساهي لا تكليف عليه فضلاً عن أن يكون مذنباً.
وفي المواقف وشرحها عن الحافظ أنه تجوز عليهم غير صغائر الخسة سهواً بشرط أن ينتبهوا عليه فينتهوا عنه، وقد تبعه عليه كثير من المتأخرين من المعتزلة كالأصم، والنظام، وجعفر بن بشر، قال: وبه نقول نحن معاشر الأشاعرة.
وقال أبو علي، وأبو عبد الله، والقاضي وقواه القرشي: بل إنما يفعلونها لتأويل منهم واعتقاد عدم القبح لتقصير منهم في النظر وغلط في طرقه، فإن الأنظار يعرض فيها الغلط كثيراً فتعرض لهم بسبب ذلك شبهة يخرجون بها عن الجرأة الممتنعة عليهم؛ إذ ليس المقدم على الفعل مع الاخلال بالنظر فيه واعتقاد إباحته كالمقدم عليه مع العلم بقبحه، لا سيما إذا كان في حكم الذاهل عن النظر، ومعتقد الإباحة في تلك الحال، وعلى كل حال فالإقدام مع الخطأ أليق من الإقدام مع العمد وأبعد عن التنفير عنه، ولهذا قال أمير المؤمنين: ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه، وقريب من هذا ما اختاره الإمام القاسم بن محمد.
تنبيه قد علم من كلام صاحب (المواقف) أنهم لا يقرون على ما فعلوه سهواً، وفي (البدر الساري) قال بعض أئمتنا كالمهدي وغيره: بل يقدمون عليها عمداً وسهواً، ولكن لا يقرون عليها، بل ينبهون لئلا يقتدى بهم فيها.
المسألة الثانية [دلالة الخطاب في الآية]
قوله: {اهبطوا} قيل: خطاب لآدم وحوا وإبليس إما في وقت واحد على أن إبليس قد عاد إلى الجنة لأجل الوسوسة، أو لهما في وقت، وله في آخر قبل ذلك، وقيل: لهما وللحية، وقيل: لآدم وحوا وذريتهما، واختاره الزمخشري؛ لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الناس كلهم، ويدل عليه قوله تعالى: {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً}[طه:123] وقوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ...}الآية[البقرة:38] وهو حكم يعم جميع الناس، و{اهبطوا} قيل: أمر تكليف لا عقوبة، واختاره الرازي وأبو حيان؛ لأن فيه مشقة شديدة بسبب إخراجهما مما كانا فيه من الجنة إلى مكان لا تنال فيه المعيشة إلا بالمشقة؛ ولأن التشديد في التكليف يكون سبباً للثواب العظيم، فكيف يكون عقوبة، لا يقال الحدود وكثير من الكفارات عقوبات وإن كانت من باب التكاليف؛ لأنا نقول: لا نسلم أن الحدود تكليف على المحدود إذ هي فعل غيره، فلهذا جاز أن تكون عقوبة إذا كان المحدود مصراً.
وأما الكفارة فإنما يقال في بعضها أنها عقوبة؛ لأنها لا تكون إلا مع المآثم، وأما أنها تكون عقوبة مع كونها تعريضات للثواب فلا، وكذلك الإهباط لا يكون عقوبة مع كونه يترتب عليه الثواب العظيم.
قال النيسابوري: ويمكن أن يقال نفس الإهباط عقوبة لا ثواب عليه، وإنما الثواب على حسب العمل بعد ذلك.
وقال القرطبي: لم يكن الإهباط عقوبة؛ لأنه أهبط بعد التوبة وإنما أهبطه تأديباً وتغليظاً للمحنة، قال: والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمحنهم، ويترتب على ذلك ثوابهم وعقابهم، فكانت تلك الأكلة سبب الإهباط، وقد قال تعالى: {إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}[البقرة:30].
قلت: في كلام أئمة العدل ما يدل على أن الإهباط عقوبة، وإذا كان كذلك فيقال: لا يستحق عليه ثواباً، لكنه يستحق الثواب على الامتثال، وتسليم النفس، والصبر على إمضاء أحكام الله عليه. والله أعلم.
وقوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}[البقرة:36] قيل: في موضع الحال، والمراد ما عليه الناس فيما بينهم أو ما هم عليه هم وإبليس من التعادي والتباغي، وليست هذه العداوة المأمور بها في قوله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}[فاطر:6] فلا تدخل تحت الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم كذا.
وقيل: الجملة مستأنفة وليست حالاً، بل هي إخبار من الله بأن بعضهم لبعض عدو.
وقال الشرفي: ومعنى {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}[البقرة:36] إخبار عن حالهم لا أمر بالمعاداة؛ لأن معاداة إبليس لآدم عليه السلام كفر، والله تعالى لا يأمر بالكفر فكأنه قال: يعادي بعضكم بعضاً وذريتكما يعادي بعضهم بعضاً، وهذا فرار من الحمل على الحال؛ لأن الحال قيد في صاحبها فتكون العداوة مأمور بها، والأمر بها على الإطلاق لا يجوز، واعترضه أبو حيان بأن الحال إنما تكون قيداً إذا لم تكن لازمة، فأما إن كانت لازمة على معنى أن الفعل لا يقع في الوجود إلا بذلك القيد، فلا يكون القيد مأموراً به؛ لأنه ليس داخلاً في حيز التكليف، وهذه الحال من هذا النوع -أعني أنها لازمة- وحاصله أن الحال اللازمة غير داخلة تحت الاختيار.
المسألة الثالثة في قصة آدم
وما جرى له بسبب هذه الزلة الصغيرة معتبر عجيب، وموعظة بليغة بينة كافية في وجوب اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، ولله در القائل:
يا ناظراً يرنو بعيني راقد .... ومشاهد للأمر غير مشاهدِ
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي .... درك الجنان ودرك فوز العابد
أنسيت أن الله أخرج آدم .... منها إلى الدنيا بذنب واحدِ
وعن فتح الموصلي: كنا قوماً من أهل الجنة فساقنا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها. شعراً:
تطلب الراحة في دار العنا .... خاب من يطلب شيئاً لا يكون
وفي قوله تعالى: {وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}[البقرة:36] دلالة على المعاد، وفيه أيضاً إشارة لآدم عليه السلام بأنه غير باق في الأرض، وأنه سينقل إلى الدار التي وُعِد بالرجوع إليها وهي الجنة.
[البقرة: 37]
قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.
قال القفال:أصل التلقي هو التعرض للقاء، ثم استعمل في استقبال الشيء الجائي، وفي قبول الشيء وأخذه، ومعنى تلقى آدم الكلمات أنه استقبلها بالقبول.
والتوبة لغة: الرجوع، قال أبو حيان: فإذا عدي بعلى ضمن معنى العطف، وقال الراغب: التوبة ترك الذنب على أحمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه إما أن يقول: لم أفعل، أو يقول: فعلت لكذا، أو فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى [في ا لكلمات التي تلقاها آدم عليه السلام]
اختلف في الكلمات ما هي على أقوال:
أحدها: أنه لما كان قد أعلمه الله من أن ذريته يكون فيهم المطيع والعاصي، وأنه يقبل توبة العاصي منهم، فلما أكل الشجرة ذكر ما كان قد أعلمه الله من قبول التوبة فقالا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا...}الآية[الأعراف:23]، وهذا قول الهادي.
وقيل: هي نفس قولهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا...}الآية[الأعراف:23]، وهذا قول زيد بن علي، وهو مروي عن ابن عباس، ومحمد بن كعب القرضي، ومجاهد، وقتادة، والحسن، والضحاك.
الثاني: أنها النبي -صلى الله عليه وآله- ويدل عليه ما أخرجه الطبراني في الصغير، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن عساكر عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فأوحى الله إليه: ومن محمد؟ فقال: تبارك اسمك لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدراً ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله إليه: يا آدم إنه آخر النبيين من ذريتك، ولولا هو ما خلقتك)).
وأخرج ابن المنذر عن الباقر عليه السلام قال: لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه واشتد ندمه، فجاءه جبريل فقال: يا آدم، هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه؟ قال: بلى يا جبريل، قال: قم في مقامك الذي تناجي فيه ربك فمجده وامدح، فليس شيء أحب إلى الله من المدح، قال: فأقول ما ذا يا جبريل؟ قال: فقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، ثم تبوء بخطيئتك فتقول: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت رب إني ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم إني أسألك بجاه محمد عبدك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي، قال: ففعل آدم، قال: فقال الله: يا آدم من علمك هذا؟ فقال: يا رب إنك لما نفخت فيّ الروح فقمت بشراً سوياً أسمع وأبصر، وأعقل وأنظر، رأيت على ساق عرشك مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد رسول الله، فلما لم أر على أثر اسمك اسم ملك مقرب، ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك، قال: صدقت وقد تبت عليك وغفرت لك خطيئتك، قال: فحمد آدم ربه وشكره، وانصرف بأعظم سرور لم ينصرف به عبد من عند ربه، وكان لباس آدم النور، قال الله: {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا}[الأعراف:27] ثياب النور، قال: فجاءته الملائكة أفواجاً تهنيه يقولون: ليهنك توبة يا أبا محمد.
القول الثالث: أنها التوسل بحق أهل الكساء" وهو قول المنصور بالله لما أخرجه ابن النجار عن ابن عباس قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه قال: ((سأل بحق محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين إلا تبت عليّ فتاب عليه)) ويؤيده ما أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن علي عليه السلام قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ}[البقرة:37] فقال: ((إن الله أهبط آدم بالهند وحوا بجدة، وإبليس ببيسان، والحية بأصبهان، وكان للحية قوائم كقوائم البعير، ومكث آدم بالهند مائة سنة باكياً على خطيئته حتى بعث الله إليه جبريل، وقال: يا آدم ألم أخلقك بيدي؟ ألم أنفخ فيك من روحي؟ ألم أسجد لك ملائكتي؟ ألم أزوجك حواء أمتي؟ قال: بلى، قال: فما هذا البكاء؟ قال: وما يمنعني من البكاء وقد أخرجت من جوار الرحمن، قال: فعليك بهؤلاء الكلمات فإن الله قابل توبتك وغافر ذنبك قل: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم، فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم)).
القول الرابع: أَن الله علم آدم وحواء أمر الحج فحجا، وهذا مروي عن ابن عباس قال: وهي الكلمات التي تقال في الحج، قال: فلما فرغا من الحج أوحى الله تعالى إليهما بأني قبلت توبتكما.