قال الإمام أحمد بن سليمان: اعلم أن الأنبياء -صلوات الله عليهم- بشر من الناس يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما قال تعالى، وإنهم مركبون على الشهوة، والكراهة، والغفلة، والذكر، والنسيان إلا في تبليغ ما أمروا به فإنهم معصومون عن النسيان، والغفلة، والسهو، والكذب؛ لأن الله قد اختارهم لتبليغ رسالته، وأداء أمانته، ولا يجوز أن يرسل من ينسى شيئاً من تبليغ الرسالة أو يسهو عنها أو يكذب.
قال عليه السلام : فهذه الجملة لا تجوز على الأنبياء، بل هم معصومون عنها، وكذلك تعمد معصية الله قال تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}[البقرة:124] فأما في سائر أفعالهم غير تبليغ الرسالة فإنه يجوز عليهم النسيان، أو الغفلة، والخطأ في التأويل، والعجلة، وقد ذكر الله عنهم ذلك، وذكر توبتهم منه وندمهم، وإقلاعهم، واستغفارهم.
إذا عرفت هذا فنقول: الصور المحكية عن الأنبياء" لم تقع منهم إلا على وجه لو وقعت من غيرهم لم تكن فسقاً كما سنبين ذلك في موضعه إن شاء الله، ولا نتكلم هنا إلا على قصة آدم عليه السلام فنقول:
أما من جوز عليهم ارتكاب الكبائر قبل البعثة فقالوا إنما يتم استدلالكم بالقصة لو ثبت أنه ارتكب هذا الذنب حال النبوة وهو ممنوع؛ إذ لم يكن اجتباؤه للنبوة إلا بعد هذه القصة بدليل قوله تعالى: {فَغَوَى ، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّه}[طه:121،122].
قلت: وفيه نظر فإنه قد كان أوحي إليه قبل دخول الجنة كما قال تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}[البقرة:35] لا يقال الوحي لا يستلزم النبوة بدليل: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى}[القصص:7]؛ إذ لا تتصور نبوتها؛ لأنا نقول: المتبادر فيما ورد في حق آدم عليه السلام هو استماع الكلام في اليقظة وهو المسمى بالوحي الظاهر والمتلو، ولم يثبت ذلك لغير الأنبياء.
وأما إلقاء المعنى في الروع في اليقظة أو إسماع الكلام في المنام فهو يقال له وحي وإيحاء في اللغة، لكنه غير مختص بالأنبياء، والواجب حمل ما جاء في جانبهم على ما هو اللائق بجنابهم، لا يقال: كيف يكون نبياً ولا أمة له؛ لأنا نقول: هو مرسل إلى حوا وإلى من وجد بعدها؛ إذ لا يجب في المرسل إليهم أن يكونوا موجودين في ابتداء الإرسال، على أنه لا مانع من أن يكون مرسلاً إلى نفسه فقط، وإذا بطل حمل القصة على وقوع الذنب منه قبل البعثة تعين بيان التأويل الذي يخرج به هذا الذنب عن كونه كبيرة، وذلك يعلم بالجواب عن كل واحد من هذه الوجوه، وهو الجواب التفصيلي فنقول:
الجواب عن الأول: تسميته عاصياً لا يقتضي كون معصيته كبيرة، والمعاصي منقسمة إلى صغائر وكبائر، والآية واردة في أهل الكبائر لما ثبت من غفران الصغائر، ويجوز شمولها لأهل الصغائر بشرط عدم اجتناب الكبائر لقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}[النساء:31].
وعن الثاني بأن الوصف بالغواية لا يقتضي كبر المعصية إذ يوصف بها مرتكب الصغيرة، وذلك واضح.
وعن الثالث بأنه لا قبح في التوبة عن الصغائر، وليس في توبته منها ما يدل على كبرها.
وعن الرابع أن النهي إما للتنزيه كما قيل فلا إشكال، وفيه نظر، وإما للتحريم فلأصحابنا في تأويل إقدامه وجوه:
الوجه الأول: أن الإقدام كان عمداً، لكن كان معه من الوجل والخوف والإخلاص ما صيره في حكم الصغيرة، وفيه نظر، فإن المتعمد لترك الواجب أو فعل المنهي عنه تكون معصيته كبيرة وإن صحبها خوف ووجل، ولا يصح وصف الأنبياء" بذلك.
الوجه الثاني: ذكره الإمام الهادي عليه السلام وهو أن إقدامه على أكل الشجرة كان في حال النسيان لقوله تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}[طه:115] قال عليه السلام : يقول لم نجد له عزماً على اعتمادها وأكلها بعينها، وقد أوضح الإمام المهدي توجيه النسيان فقال: إن الشيطان قد كان أدخل في روع آدم عليه السلام أن الله سبحانه لم ينههما عن أكل الشجرة لكونها مفسدة، بل لأن أكلها يستحق من جهته الخلد وقاسمهما أنه لهما لمن الناصحين.
قال عليه السلام : وأما إخبار الله لهما أنهما يصيران بذلك من الظالمين، فلعلهما نسيا ذلك عند الإقدام وسهوا عن النظر في كلام إبليس، وما تقدم إليهما من العهد، وقد صرح الله بذلك بقوله: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ...}الآية[طه:115]، والكبيرة إذا وقعت نسياناً لم تكن معصية كمن نسي طلاق امرأته فوطئها، لا يقال: لو كانا ناسيين لم تكن معصية؛ إذ لا ذنب على الناسي وقد قال تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}[طه:121] لأنا نقول: لم ندع أنه نسي النهي، بل أقدم وهو يعلمه فهو عاص، وإنما نسي النظر في وجه النهي هل للقبح والمفسدة، أو لأمر آخر، فلا إشكال في معصيته لإقدامه على ما يعلم أنه ينهي عنه، وأن الإقدام على المنهي عنه قبيح، لكن إذا لم يكن النهي عنده للقبح لم يكن المعصية في الفحش، كما لو أقدم مع معرفة وجه القبح وعظم العقاب، وحاصل كلامه عليه السلام أن النسيان كان للنظر لا للنهي.
الوجه الثالث: أنه أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كبر المعصية، وهذا مروي عن أكثر المعتزلة، وبيان الخطأ أن لفظ هذا قد يشار به إلى الشخص نحو هذا الرجل، وهذه المرأة، وقد يشار به إلى النوع كما في قوله صلى الله عليه وآله وقد أخذ حريراً وذهباً: ((هذان حلال لإناث أمتى حرام على ذكورهم)) فإنه أراد النوع، وعلى هذا فآدم ظن أن الإشارة مراد بها الشخص أي الشجرة المعينة فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع فأخطأ في اجتهاده؛ لأن مراد الله النهي عن النوع لا الشخص، لكنه اجتهاد في الفروع، والخطأ فيه يكون صغيرة مغفورة.
واعترض من وجوه:
أحدها: أن كلمة هذا في اللغة موضوعة للإشارة بها إلى الحاضر، والحاضر لا يكون إلا معيناً، وورودها للإشارة بها إلى النوع على خلاف الأصل، وإذا ثبت هذا فما عدا المعين خارجاً عن النهي لا محالة، والمجتهد مكلف بحمل اللفظ على حقيقته، وآدم قد فعل ما يجب، فيلزم أن لا يوصف بالخطأ ولا بالعصيان، ويؤيد ذلك أن العقل يقتضي حل الانتفاع بجميع المنافع إلا ما خصه الدليل، والدليل لم يخص إلا المعين، وقد جاء الشرع مؤكداً لدليل العقل وهو قوله: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا}[البقرة:35] فإنه يتناول ما عدا المعين.
الثاني: سلمنا تردد كلمة هذا بين النوع والشخص، فلا يجوز من الله تعالى ترك البيان للمراد منهما، وحينئذٍ فآدم إما مقصر في معرفة البيان، أو لم يقصر، بل عرف أن المراد النوع، وعلى أيهما فإقدامه على تناول شجرة من ذلك النوع يكون عمداً لا خطأً.
الثالث: أن الأنبياء" لا يجوز لهم الاجتهاد؛ إذ لا يوصل إلا إلى الظن، ولا يجوز العمل به مع إمكان العلم وهو ممكن في حقهم فالإقدام على الاجتهاد معصية.
الرابع: أن المسألة إن كانت قطعية كان الخطأ فيها كبيراً، وإن كانت ظنية فكل مجتهد في الظنيات مصيب فلا خطأ أصلاً، وإن قلنا إن الحق فيها واحد فالمخطئ معذور اتفاقاً، فكيف وصف آدم بسببه بالعصيان، وأخرج من نعيم الجنان إلى دار الذل والهوان.
وأجيب عن الأول بأن لفظ هذا، وإن كان في الأصل للإشارة به إلى الشخص فقد يستعمل في النوع كما مر، ويجوز أن يكون الله تعالى قد قرن به ما يدل على أن المراد به الإشارة إلى النوع.
وعن الثاني بأنه يجوز كونه قصر في معرفة الدليل ظناً أنه لا يلزمه معرفته، أو عرفه عند النهي ثم غفل عنه.
وعن الثالث بأنه لا حاجة بنا إلى كونه متمسكاً بالاجتهاد لما بينا من تجويز ظنه عدم وجوب معرفة الدليل المعين للمراد، أو أنه غفل عنه.
وعن الرابع بأنه يجوز كونها قطعية إلا أنه لما نسيها صار النسيان عذراً في كونها صغيرة، أو يقال: هي ظنية إلا أنه ترتب عليها من التشديدات ما لا يترتب على خطأ سائر المجتهدين؛ لأن ذلك مما يجوز اختلافه باختلاف الأشخاص، وكما أن الرسول عليه السلام مخصوص بأمور كثيرة في التشديد والتخفيف، فكذلك هنا، ذكر معنى هذه الأجوبة الرازي ثم قال: يمكن أنه ظن أن النهي إنما كان عن أكلهما مجتمعين؛ إذ لا يلزم من النهي عن الاجتماع النهي عن الانفراد، فلعل الخطأ كان من هذا الوجه.
والجواب عن الوجه الخامس مما قرر به القائلون بجواز الكبائر على الأنبياء" احتجاجهم بالآية وهو أن الله سماهم ظالمين بأن الظلم مراتب، وقد تقدم تحقيقها.
وعن السادس بأن طلب المغفرة لا ينافي صغر المعصية، وأما اعترافهما بالخسران لولا المغفرة فالمراد به نقصان الثواب؛ لأن الصغائر إن لم تغفر توجب نقصاً في الثواب، والخسران هو النقص، ويجوز أن يعترفا بذلك لما شاهداه من التشديد في حقهما، والتهويل لأمرهما.
وعن السابع بأن العقوبة إنما كانت في استعماله في أكل الشجرة، لأنه نهي عن البر فأكل من شجرة الشعير وهي ورق لم تثمر، فلما ظهر فيها الحب أشكل عليه أمرها، فخدعه إبليس بالقسم فاستعجل فأكل، ولم ينتظر الوحي، فعوقب في ذلك، وهذا ذكره الهادي.
وقال الزمخشري: ما كانت معصيته إلا صغيرة مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأفكار الصالحة التي هي أجلّ الأعمال، وأعظم الطاعات، وإنما جرى عليه ما جرى تعظيماً للخطيئة وتفظيعاً لشأنها وتهويلاً؛ ليكون ذلك لطفاً له ولذريته في اجتناب الخطايا، واتقاء المآثم، والتنبيه على أنه أخرج من الجنة بخطيئة واحدة، فكيف يدخلها ذو خطايا جمة.
الفصل الحادي عشر في الخلاف في جواز الصغائر على الأنبياء عليهم السلام
ذهب الأكثر إلى أنها تجوز عليهم الصغائر بعد البعثة إذا لم يكن لها حظ إلا في تقليل الثواب دون المنفر، وما فيه خسة وسخافة، كمهازلة النساء، والتطفيف بحبة عند الكيل، وكذلك إذا كانت الصغيرة متعلقة بالتبليغ نحو الكذب إذا قدرناه صغيرة؛ لأن ذلك كله منفر، وقد مر أنه يجب سلامة النبي من المنفرات، فأما غيرها من الصغائر فإنها إذا وقعت منهم ولم يصروا عليها بل ظهر منهم الإقلاع عنها، فإنه لا يكون منفراً.
قال القرشي: وعلى هذا يحمل ما حكاه الله تعالى من ذنوب الأنبياء، وأكل الشجرة، وعبوس النبي -صلى الله عليه وآله- حين جاءه الأعمى ونحو ذلك.
نعم أما إذا عرفنا منه الإصرار على ذلك فلا يبعد كونه منفراً.
فإن قيل: وكذلك إذا عرفنا منه الإقلاع والتوبة في الطرف الأول فلا ننفر عنه، فلا فرق بين الطرفين.
قيل: لا سواء فإنا وإن عرفنا توبته عن الطرف الأول فلا نأمن معاودته فلا نثق به ولا ترتفع النفرة عنه؛ لأنه لما كان منفراً جرى مجرى الكبائر التي لا ترتفع كونها منفرة بظهور التوبة عنها، بخلاف الطرف الثاني فليس بمؤثر في التنفير بمجرده وإنما يؤثر الإصرار عليه، بل بعد العزم على الإقلاع فإن معاودته تكون كابتداء فعله سواء سواء.
وقالت الإمامية: لا تجوز عليهم الصغائر كالكبائر، واختاره الرازي، ورواه في (البدر الساري) عن طائفة من الفقهاء المتكلمين على أحوال الأنبياء" وجماعة من الأشعرية قالوا: وما ظاهره يقتضي وقوع المعصية منهم فهو محمول على ترك الأولى.
احتج الأولون بأن المعصية إذا لم تؤثر في الشك بما يؤدونه ولا في التنفير عن قبول ما جاءوا به، فلا مانع من جوازها عليهم؛ إذ لم يقم دليل على امتناع شيء من المعاصي غير هذين النوعين فما عداهما داخل في حيز الجواز.
قال الإمام أحمد بن سليمان: اعلم أنه لا يقال إن النبي -صلى الله عليه وآله- معصوم عن جميع المذمومات والمعاصي؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن له ثواب في لزمه لنفسه عن المحرمات، ولما كان محموداً في ترك اتباع الشهوات، ولما كان يوسف عليه السلام في لزمه لنفسه عن امرأة العزيز محموداً ومثاباً، وقد قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}[يوسف:24] فصح أنه لزم نفسه لا عن عصمة ولا نقول: إن الله عصمه، بل نقول: إن الأنبياء" مخيرون ممكنون كغيرهم من الآدميين، بل إنهم أقوى على أنفسهم، وعلى لزمها من المحرمات لما شاهدوا من الدلائل والمعجزات، والرسالة من الله لهم والآيات، قال عليه السلام : وقد يمكن أن يصرف الله عنهم بالتوفيق والتسديد كثيراً من المحظورات كما حكى الله تعالى عن يوسف عليه السلام {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ...}الآية[يوسف:33].
قلت: كلام الإمام عليه السلام هنا مبني على أن المراد بالعصمة المنع من المعصية على جهة الإلجاء والقسر، وليس كذلك، فإن العصمة من قبيل الإلطاف، وهي لا تمنع الاختيار كما مر في غير هذا الموضع.
ومن الأدلة على وقوع الصغائر من الأنبياء" ما حكاه الله من خطايا الأنبياء" ومعاتبته إياهم على ارتكابها، ومنها قصة آدم عليه السلام وقد مر تقرير الاحتجاج بها ممن يجوز عليهم الصغائر، وهي نص في أنه عليه السلام قد ارتكب المعصية، وإنما وجب حملها على الصغر لقيام الدليل على منع الكبائر عليهم، وما أحسن ما قال المرتضى في كتاب (الشرح والبيان) حيث يقول: إن الأنبياء" غير معصومين، وإنهم يغفلون ويسهون، وإن بنيتهم مركبة على بنية الآدميين، وقال في قوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}الآية[طه:121]: أفتكون التوبة إلا من بعد خطيئته، وقال فيه: من قال إن آدم لم يعص ولم يظلم موسى نفسه وكذلك يونس، فقد أكذب كتاب الله، ولأئمة العترة نحو كلامه عليه السلام في إثبات معاصي الأنبياء" ولأبيه الهادي كتاب في خطايا الأنبياء.
فإن قيل: النبي لطف، ومن حق اللطف أن يكون على أبلغ الوجوه وكونه بحيث لا تجوز عليه معصية قط أبلغ، فيجب كونه كذلك.
قيل: قد تكون المصلحة في بعثة رجل معين فلا نتصور وجوب كونه على أبلغ الوجوه، بل ربما علم الله عصمته من كل معصية كيحيى بن زكريا، وربما علم أنه سيتلوث ببعض الصغائر.
فإن قيل: فلو علم الله المصلحة في بعثة معين قد ارتكب كبيرة ولا يقوم غيره مقامه أكان يبعثه؟
قال النجري: هذا السؤال محال عند أصحابنا؛ إذ لا تثبت المصلحة في فاعل الكبيرة أصلاً؛ لإيجابها التنفير على ما مر.
احتج المانعون بما مر في الفصل العاشر من أدلة منع ارتكابهم الكبائر وقالوا: هي أدلة عامة تمنع من القول بارتكابهم الكبائر والصغائر.
والجواب: أن عمومها مسلم، لكنا قصرناها على الكبائر وما في حكمها من المنفرات لقيام الدليل على جواز الصغائر عليهم عقلاً ونقلاً.
قالوا: العصمة حفظ يستحيل شرعاً وقوع خلافه من سائر الذنوب صغيرها وكبيرها عمدها وسهوها قبل النبوة وبعدها.
قلنا: لا نسلم أن معنى العصمة ما ذكرتم، وكيف يقال ذلك وقد نص الله على وقوع الذنب منهم في كتابه وعاتبهم عليها، وقال لأفضلهم وأكرمهم عليه: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}[الفتح:2] وذلك تصريح بجواز وقوع الذنب منه عليه السلام ، والجواز ينافي الاستحالة.
فرع [في الإقدام على الصغائر من الأنبياء]
واختلف القائلون بجواز الصغائر في كيفية إقدامهم عليها، فقال الهادي، والناصر، والمرتضى، والإمام أحمد بن سليمان: لا يصح إقدامهم عليها مع العمد والعلم بكونها معصية، وهذا قول أبي علي، وأبي عبد الله، وقاضي القضاة، والنظام وجعفر بن مبشر، ورواه في (الأساس) عن بعض البغدادية، وفي شرحه عن جمهور أئمة أهل البيت، واحتجوا بأن الإقدام مع العمد والعلم بالقبح في التنفير كوقوع الكبيرة؛ إذ يدل على الجراءة على معصية الله تعالى.
وقال الإمام المهدي: بل يجوز الإقدام مع العمد والعلم بالقبح، وهو قول أبي هاشم، ورواه في (الأساس) عنه وفي (المواقف) عن الجمهور، واحتجوا بما علم من إقدام آدم على المعصية بعد تحذيره منها ونهيه عنها، وإعلامه بكونها ظلماً، وأيضاً إقدامهم على الفعل لا يخلو عن تعمد ارتكاب القبيح؛ لأنهم إن أقدموا عليه مع العلم بكونه معصية فهذا صريح التعمد، وإن أقدموا عليه مع الإخلال بالنظر في أنه هل هو معصية أم لا فقد تعمدوا الإقدام على ما لا يؤمن قبحه، والإقدام على ذلك قبيح، فلا بد في الإقدام من تعمد ما يكون قبيحاً.