الفصل الخامس في أنه لا يشترط في الأنبياء العصمة فيما يتعلق بأمور الدنيا وأنه لا يضر الجهل بها
اعلم أن خطايا الأنبياء" فيما يتعلق بالأمور الدنيوية، لا يضر، ولا يقدح في نبوتهم، ولا في عصمتهم، ولا يكون حجة على غيرهم، ولذا قال صلى الله عليه وآله في قصة التلقيح: ((أنتم أعلم بأمور دنياكم)) وكذلك لا يقدح في علمهم جهلهم ببعض أمورها واعتقادها على خلاف ما هي عليه، ويحكى عن الشيعة خلاف هذه.
قلنا: هممهم منصرفة إلى الآخرة والبعثة إنما كانت لأجلها، وأمور الدنيا تضادها، ولهذا شبه صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا والآخرة بالضرتين.
هذا وأما جهلهم بأمور الدنيا أجمع فلا يجوز في حقهم، ولا يصح إطلاق القول بأنهم لا يعلمون شيئاً من أمورها؛ لأن ذلك شأن أهل الغفلة والبله، وهم منزهون عن ذلك، كيف وقد قلدوا سياسة الخلق ودعائهم إلى ما فيه الهدى والرشد، وليس هذا من شأن البله وأهل الغفلة فافهم.
الفصل السادس في أنه لا يجوز جهلهم بشيء من أمور الدين
أما ما يتعلق بمسائل الاعتقاد فقد تقدم الكلام عليها، وأما غيرها فلأنهم مبعوثون لإرشاد الخلق، وإنقاذهم من مهاوي الضلال، وتعليمهم معالم دين ذي الجلال، ومن كان كذلك فلا يجوز أن يجهل شيئاً يحتاج إليه في هذا المقصد؛ إذ لو جاز عليه الجهل بشيء من ذلك لم يتم الغرض المقصود من البعثة، وحينئذٍ يكون الإرسال عبثاً؛ إذ ما لا يتم به الغرض يكون وجوده كعدمه، وهذا واضح.
الفصل السابع في عصمتهم من الشيطان الرجيم
أما نبينا -صلى الله عليه وآله- فأجمعت الأمة على عصمته من الشيطان -لعنه الله- ويدل على ذلك ما روي أن النبي -صلى الله عليه وآله- لما بعث انطلق إبليس إلى تهامة فوجد ملائكة قد حفت بها، فأراد أن يدخل فطردوه وزجروه، فأتى من قبل حراء فقال: يا جبريل هل إليه سبيل؟ فقال: لا هذا النبي المعصوم. الخبر رواه أبو طالب من حديث علي عليه السلام .
وروى القاضي عياض في (الشفاء) بسنده إلى الدارقطني قال: حدثنا إسماعيل الصفار، ثنا عباس الترقفي، ثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي ولكن الله أعانني عليه فأسلم)) زاد في رواية: ((فلا يأمرني إلا بخير)). والحديث أخرجه مسلم عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن ابن مسعود.
والترقفي بمثناة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم قاف مضمومة ثم فاء مكسورة ثم ياء النسبة، قال علي القارئ: ثقة متعبد، أخرج له ابن ماجة.
وابن يوسف هو الفريابي، وسفيان هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر.
وروى القاري في شرحه عن ابن عباس مثله من دون الزيادة وقال: بسند أحمد، وقال القاضي عياض: وروي عن عائشة بمعناه، قال: وروي: ((فأسلم)) بضم الميم أي فأسلم أنا منه، وصحح بعضهم هذه الرواية ورجحها.
قال الراوي: وممن رجحها سفيان بن عيينة فإنه زعم أن الشيطان لا يسلم.
القاضي عياض: فإذا كان هذا حكم شيطانه وقرينه فكيف بمن بعد عنه -يعني فإن عصمته منهم بالأولى- وقد جاءت الآثار بتصدي الشيطان له في الصلاة وغيرها فانقلب خاسئاً مدحوراً.
وأما غيره من الأنبياء" فقد استدل على عصمتهم منه بقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}[الحجر:42] فإذا لم يكن له سلطان على خلص عباده علم أنه ليس له سلطان على أنبيائه بالأولى، والمراد بعصمتهم" من الشيطان أن الله تعالى يكفيهم شره في أجسامهم، فلا يؤذيهم بشيء فيها من إغماء وجنون وألم ونحوه، وفي خواطرهم فلا يوسوس لهم بشيء على وجه الإلقاء، ذكره في (الشفاء) وشرحه، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله حين لد في مرضه وقيل له: خشينا أن تكون لك ذات الجنب، فقال: ((إنها من الشيطان ولم يكن الله ليسلطه عليَّ)). رواه الشيخان عن عائشة.
قوله: لُدّ بضم اللام وتشديد الدال أي سقي دواء من أحد سقى فمه بغير أذنه لغشائه.
وقال صلى الله عليه وآله في حديث رواه الشيخان عن أبي هريرة: ((إن عيسى عليه السلام كفي من لمسه -يعني الشيطان- فجاء ليطعن بيده في خاصرته حين ولد فطعن في الحجاب)) أي في المشيمة، وقيل: ما لف عليه، وقيل: أمر حجبه الله به عنه، وقيل: حجبته به أمه.
قلت: وظاهر هذا الحديثين الخصوص، ولا دليل على التعميم.
قال في (شرح مسلم): عموم عدم طعن إبليس ونخسه لم يقم عليه دليل غير عصمة الأنبياء" ولا يلزم منها عدم المس إنما يلزمها عدم الإغواء والأذية لهم، ولا يلزم من اختصاصه عليه السلام بهذه المنقبة تفضيله على نبينا -صلى الله عليه وآله- وذكر أمه معه كما يدل عليه دلالة ظاهرة فقد يخص الله بعض عباده بأمر لم يكن لأفضل منه.
قلت: وكذلك لا أعلم دليلاً على عموم العصمة من وسوسته لقوله تعالى في آدم: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ}[طه:120] وسيأتي الكلام على ذلك فيما يتعلق بالآية إن شاء الله.
الفصل الثامن في عصمتهم في الأقوال المتعلقة بالتبليغ
أجمعت الأمة على عصمتهم من الكذب والتحريف والإخفاء فيما يتعلق بتبليغ الشرائع لا قصداً ولا عمداً، ولا سهواً ولا غلطاً، خلافاً للباقلاني في الكذب سهواً قال: لأن الاحتراز منه غير ممكن، لنا لو جاز عليه شيء من ذلك لارتفع الوثوق بما جاءوا به، هكذا استدل أصحابنا والرازي، واحتج القاضي عياض، ورواه الإمام المهدي عن الأشعرية بأن المعجز يفيد العلم الضروري بصدقه لما مر من أنه في معنى قول الله تعالى: صدق رسولي.
قال الإمام المهدي: وهو غلط أو مغالطة؛ لأن المعجز إنما يدل على التصديق لا على الصدق في نفس الأمر إلا مع القول بالعدل والحكمة.
قلت: أراد عليه السلام أن هذه الحجة لا تستقيم على أصولهم لعدم تنزيههم الباري تعالى عن فعل القبيح تعالى الله عن ذلك.
ومن أدلة المسألة قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى}[النجم:3] {قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ}[النساء:170] {ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}[الحشر:7] ونحوها وهي أدلة عامة مانعة من أن يقع منه في هذا الباب خبر بخلاف مخبره على أي وجه كان، فلو جوزنا عليه سهواً أو غلطاً لم يكن بين خبره وخبر غيره فرق، ولاختلط الحق بالباطل، وفي حديث عبد الله بن عمرو: قلت: يا رسول الله، أأكتب كلما أسمع منك؟ قال: ((نعم، قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقاً)). أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه.
واعلم أنه قد يتمسك بعض الطاعنين في الدين بآيات وهي مأوّلة، وستأتي في مواضعها إن شاء الله مع أنه لا عبرة بطعنهم مع إجماع الأمة على خلافه، وقضاء المعجز وأدلة العصمة، ومحكم الكتاب، والسنة بخلافه.
تنبيه وأما عصمتهم" من الكذب فيما لا يتعلق بالتبليغ كأخبار النبي عن حال نفسه أو حال غيره فقد اختلف في ذلك، فقال أصحابنا: لا يجوز عليهم الكذب في شيء من ذلك، وبه قال القاضي عياض وقال: إنه يجب اعتقاد عصمته من ذلك، والخلاف في ذلك للحشوية.
قلنا: لو جوزنا عليه الكذب في شيء من أخباره لجوزناه عليه فيما يؤديه عن الله فلا نثق به فيبطل الغرض ببعثته، واحتج القاضي عياض على منع ذلك بإجماع السلف وقال: إنا نعلم من دين الصحابة مبادرتهم إلى تصديقه صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أحواله على أي باب كانت أخباره بلا تردد، ولا توقف، ولا سؤال هل وقع فيها سهواً أو لا، ولما احتج ابن أبي الحقيق اليهودي على عمر حين أخلاهم من خيبر بإقرار رسول الله -صلى الله عليه وآله- واحتج عليه عمر بقوله صلى الله عليه وآله: ((كيف بك إذا أخرجت من بلادك))؟ فقال اليهودي: كانت هزيلة من أبي القاسم، قال له عمر: كذبت يا عدو الله. أخرجه البخاري، وإنما كذبه لنسبته صلى الله عليه وآله إلى ما لا يليق به من الهزل، وللإشارة إلى أنه لو كان مزحاً فهو لا يمزح إلا بحق.
وللخصم شبه يتعلق بها من القرآن الكريم وهي مؤولة، ومنها ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام حيث اعتذر إلى قومه من الخروج معهم إلى عيدهم فقال: {إِنِّي سَقِيمٌ}[الصافات:89] فقالوا: لم يكن سقيماً وإنما أراد مكيدتهم في الأصنام.
والجواب: أن جميع الشبه التي يتمسكون بها لا سبيل إلى القطع بكذب ما تضمنته من الأخبار، وليس كل خبر يعلم قصد المخبر به ضرورة، وإنما يعلم ذلك بقرائن الأحوال عند المشاهدة، أو تواتر المنتهي إلى المشاهدة، والمعرفة بالقصد ضرورة؛ لأن كل خبر يحتمل التقييد بالنية، والتقييد يخرج الكلام عن ظاهره فلا يقطع به.
إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {إِنّي سَقِيمٌ}[الصافات:89] يحتمل أنه كان معه سقم باطن، ويحتمل أنه أراد سقيم الاعتقاد فيهم، ومع الاحتمال يبطل الاحتجاج. والله أعلم.
الفصل التاسع في عصمتهم في الأفعال التي تجري مجرى الأقوال في التبليغ
وذلك نحو أن تكون بياناً لمجمل واجب كأفعال الصلاة والوضوء ونحوهما مما يؤخذ بيانها من أفعالهم، وكذلك سائر ما يفعلون من القرب وتفاصيل الشرائع، فهذا يجب القطع بعصمتهم فيها، والحجة على ذلك كالحجة على الأقوال المتعلقة بالتبليغ، ويدل على ذلك أن الله تعالى قد أمرنا بالاقتداء بهداهم، والتأسي بأفعالهم أمراً مطلقاً، ولو كان يجوز عليهم الخطأ في شيء من ذلك لما حسن إطلاق الأمر.
الفصل العاشر في عصمتهم عن الكبائر التي لا تتعلق بالتبليغ
أما الكفر فقد مر أنهم معصومون عنه قبل البعثة وبعدها بالإجماع، وأما غيره من الكبائر فقد مر الخلاف في عصمتهم عنها قبل النبوة، وأما بعدها فمن عدا الحشوية والكرامية مجمعون على عصمتهم عنها، وادعى القاضي إجماع المسلمين على ذلك، ولعله أراد إجماع السلف ومن يعتد بقوله، واختلف القائلون بعصمتهم في دليل ذلك، فقالت العدلية: دليل المنع العقل والسمع.
وقالت الأشاعرة: بل دليله السمع فقط، قال في (شرح المواقف) وغيره: المحققون من الأشاعرة إن العصمة فيما وراء التبليغ غير واجبة عقلاً؛ إذ لا دلالة للمعجزة عليه فامتناع الكبائر عمداً مستفاد من السمع وإجماع الأمة قبل ظهور المخالف.
قلت: ومن الأدلة السمعية قوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ}[ص:47] ونحوها مما أثنى الله فيه على الأنبياء" ونص على اصطفائهم واجتبائهم واستخلاصهم، وغير ذلك من الأوصاف الحميدة، والممادح الجميلة.
وأما الدليل العقلي فهو من وجوه:
أحدها ما مر في الفصل الثالث من أن ذلك يوجب النفرة.
الثاني: أن صدور المعصية منهم يستلزم أن يكونوا أقل درجة من عصاة الأمة؛ لأن من كانت درجته أشرف يكون وقوع الذنب منه أفحش، ولا يجوز أن يكونوا أقل درجة من غيرهم بالإجماع فيجب أن لا تصدر منهم المعصية.
الثالث: أنا مأمورون باتباعهم أمراً مطلقاً، فلو صدر منهم ذنب وجب اتباعهم فيه، والمعلوم أن الاقتداء بالعاصي في معصيته محرم، فيلزم اجتماع الحرمة والوجوب وهو محال.
الرابع: أنه لو صدر عنهم ذنب لكانوا معذبين أشد العذاب؛ لأن عليهم وزرهم، ووزر من اقتدى بهم، وأجمعت الأمة على أن أحداً منهم لم يستحق عذاباً فثبت أنه لم يصدر عنه معصية.
احتج المخالف بقصص الأنبياء" فإنها توهم صدور الكبائر عنهم في زمن النبوة وقبلها، وقد ذكرها الله في القرآن.
قلت: وسنذكر كيفية احتجاجهم بتلك القصص، ونجيب عنها في مواضعها إن شاء الله، ولنتكلم هنا على احتجاجهم بقصة آدم عليه السلام فنقول:
احتج القائلون بجواز ارتكاب الكبائر على الأنبياء" بقصة آدم، وتقرير احتجاجهم بها من وجوه:
أحدها: أن الله سماه عاصياً لقوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه:121] والعصيان من الكبائر لقوله تعالى: {وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ}[الجن:23].
الثاني: أنه سماه غاوياً لقوله: {فغوى} والغواية ضد الرشد، بل هي اتباع الشيطان لقوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}[الحجر:42].
الثالث: أنه تائب لقوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ} والتوبة لا تكون إلا عن ذنب؛ لأنها الندم على المعصية والعزم على ترك العود.
الرابع: أنه ارتكب المنهي عنه بقوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}[البقرة:35] ولذا قال تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ}[الأعراف:22] وارتكاب المنهي عنه عين الذنب.
الخامس: أن الله تعالى سماه هو وحوا ظالمين على تقدير أكلهما من الشجرة، والظلم ذنب وقد اعترفا به في قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا}[الأعراف:23].
السادس: أنه اعترف أنه إن لم يغفر الله له كان خاسراً، والخسران دليل كون ذنبه كبير.
السابع: أنه أخرج من الجنة كما قال تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}[البقرة:36] والإخراج بسبب إزلال الشيطان دليل كون الصادر عنهما كبيرة.
والجواب من وجهين جملي، وتفصيلي، أما الجملي فهو أنا إنما منعنا الكبائر من الأنبياء" حيث تقع منهم تمرداً وتعمداً على الحد الذي لو وقعت من غيرهم كانت فسقاً، فأما إذا كانت بصورة الكبيرة، لكنها على جهة الخطأ والتأويل بحيث لو وقعت من أحدنا لم تكن فسقاً فلا يمنع وقوع صورتها منهم؛ إذ وقوعها على هذا الوجه لا يقتضي التنفير.