وفي المواقف وشرحها: هي عندنا على ما يقتضيه أصلنا من استناد الأشياء كلها إلى الفاعل المختار ابتداء أن لا يخلق الله فيهم ذنباً، ومثله في شرح شفاء القاضي عياض ونسبه إلى المتكلمين، ويعني متكلمي أصحابه فهي عندهم أمر عدمي، وقد صرح به بعضهم، وعلى ما حكاه الأصحاب عنهم هي أمر وجودي، وقال الحسن: كلام بعضهم أنها قد تكون أمراً وجودياً، وقد تكون عدمياً، قال في (التحرير) لابن الهمام: العصمة عدم القدرة على المعصية، أو خلق مانع منها غير ملجئ.
قال الخفاجي: وهو مناسب لقول الماتريدي: العصمة لا تزيل المحنة أي الابتلاء المقتضي لبقاء الاختيار، ومعناه أنها لا تجبره على الطاعة ولا تعجزه عن المعصية، بل هي لطف من الله تعالى تحمله على فعل الخير، وتزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقاً للابتلاء.
قال ابن التلمساني: هي عند الأشعرية تهيئة العبد للموافقة مطلقاً، وقالت الحكماء: هي مَلَكَة تمنع من الفجور حاصلة من العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، فإنه الزاجر عن المعاصي، والداعي إلى الطاعات، وتتأكد في الأنبياء" بالوحي والاعتراض على ما يصدر عنهم من الصغائر، وترك الأولى فإن الصفات النفسانية تكون أولاً أحوالاً غير راسخة ثم تصير ملكات، أي راسخة في النفس.
قيل: وهذا الحد بناء على ما يذهبون إليه من القول بالإيجاب اعتبار استعداد القوابل.

وقال القرافي: جملة الشرع يطلقون العصمة على عدم المعصية في الجملة، ومنه قولهم في الدعاء: نسألك من العصمة تمامها، وعلى عصمة الأنبياء والملائكة" من الكفر دون سائر البشر، مع أن الله تعالى قد أثنى على الخلق بدوام الإيمان، فلا بد من تفسير عصمة الأنبياء بغير عدم الكفر، ومنع الله منه ليصح قولنا ليس أحد منا معصوماً، ولو كنا غير كافرين بل مساوين للأنبياء في ذلك فتميزهم إنما هو بإعلام الله لنا أنه صانهم في قضائه وقدره عن الكفر، وقدر لهم السعادة الأبدية حتماً مقضياً، فهذا الإعلام الرباني هو عصمة الملائكة والأنبياء" ومجموع الأمة دون كل واحد منهم.
وقيل: العصمة بنية مخصوصة ركبهم الله عليها فهم لمكانها ينفرون عن المعاصي، ويرتاحون إلى الطاعات وهذا قول الإمامية.
قيل: المهدي واختاره من أصحابنا الإمام يحيى، والذي في معياره خلافه وهو أنها من قبيل الألطاف، وقريب من هذا الحد ما ذكره في (المواقف) ونسبه إلى قوم ولم يعينهم وهو أنها خاصية في نفس الشخص أو في بدنه يمتنع بسببها صدور الذنب عنه، قال في الحاشية: والفرق بين الخاصية وبين الملكة أن الملكة مكسوبة للعبد، ولا تمنع قدرة العبد بخلاف الخاصية، وقد أبطل في (المواقف) وشرحه هذا القول فقال يكذبه: أَنه لو كان صدور الذنب ممتنعاً لما استحق المدح بترك الذنب؛ إذ لا مدح ولا ثواب بترك ما هو ممتنع؛ لأنه ليس داخلاً تحت الاختيار، وأيضاً فالإجماع منعقد على أن الأنبياء مكلفون بترك الذنوب مثابون به، ولو كان الذنب ممتنعاً عنهم لما كان الأمر كذلك؛ إذ لا تكليف بترك الممتنع ولا ثواب عليه، وأيضاً فقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}[ الكهف:110] يدل على مماثلتهم لسائر الناس فيما يرجع إلى البشرية والامتياز بالوحي لا غير، فلا يمتنع صدور الذنب عنهم كما في سائر البشر.

قلت: وهذ الجواب في التحقيق إنما أجابوا به على أنفسهم؛ لأنهم فسروا العصمة بأن لا يخلق الله فيهم ذنباً كما مر، وقد اعترفوا بأن هذا مبني على الجبر، فثبت أنه جواب عليهم، وإبطال لعين مقالتهم، وإنما نسبت الجواب إلى (المواقف) وشرحها ليتحقق بطلان مذهبهم في العصمة وغيرها بما جرى على ألسنتهم، وقرروه في مشاهير كتبهم، وليتبين أن مذهبهم في الجبر لم يستقر على أصل، وأنهم يثبتونه لفظاً ويخالفونه اعتقاداً، ولهذا إذا أردوا قولاً لمخالفهم لم يمكنهم رده إلا بالرجوع إلى مذهب أهل العدل -رضي الله عنهم- وهذا الجواب هو نفس جواب العدلية عليهم في هذا الموضع وغيره، وقد مر في صدر المسألة وبه نجيب عن كل حد للعصمة مما حكيناه في هذا الفصل يكون مبنياً على قواعد الجبر المنهارة.
تنبيه
واختلف العلماء في من ثبتت منه العصمة وفي كيفية ثبوتها، أما من ثبتت منه العصمة فالذي عليه أئمة الزيدية وجماهير المعتزلة: أن الله تعالى هو الفاعل لها والمتولي لعصمة رسله، وهو قول المجبرة والإمامية كما مر في الحد، ثم اختلف هؤلاء في كيفية ثبوتها.
فقال أئمتنا والمعتزلة: هي من قبيل الألطاف ونوع منها مخصوص كما مر في الحد فإنه تعالى لما علم أن الأنبياء" يلتطفون فيما عصموا منه فلا يفعلونه أمدهم بهذا اللطف، لكن عدم فعلهم إياه واقع باختيارهم اختياراً منهم للخير، وتنكباً لسبيل الهلكة، وقد مر في قوله تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}[الفاتحة:7] أن اللطف لا يمنع الاختيار، وتقدم قريباً أنه لو منعه لما استحقوا مدحاً ولا ثواباً، وقريب من قولنا ما مر عن ابن الهمام والماتريدي، ويمكن أن ترد إليه رواية ابن التلمساني عن الأشعرية، لكن الظاهر أن المجبرة كافة لا يثبتون الألطاف كما مر في الفاتحة وكذلك يمكن حمل قول الحكماء على مذهبنا لما مر في مسألة النظر من أن العلم باستحقاق الثواب والعقاب هو اللطف الحقيقي.

وقالت المجبرة والروافض: ليست من قبيل الألطاف، وبه قال غيرهم كما يعلم من الحدود السابقة، ثم اختلفوا في كيفية ثبوتها على ما مر في الحدود من كونها بنية مخصوصة، أو تهيئة العبد أو غير ذلك، والحاصل أن منهم من يقول: يمنعهم الله عن مواقعة القبيح والإخلال بالواجب بأن يبنيهم على بنية التقوى والطهارة بحيث لا يكون لهم داع إلى غير ذلك، ومنهم من قال: يصرفهم عن المعاصي بطريق الإلجاء، ويصرف قواهم عن ملامستها.
هذا وأما من قال: إن ثبوت العصمة ليس من الله وإنما يفعلها الأنبياء لأنفسهم، فاختلفوا في كيفية ثبوتها، فمنهم من قال: تثبت له العصمة باختيار نفسه بأن يمتنع من فعل القبيح من جهة نفسه.
قيل: وحيث يقال باختيار نفسه فاللطف الواجب لا بد منه وإن لم يذكر لأنه معلوم.
قلت: هو خارج عما نحن فيه لشموله للأنبياء وغيرهم، والكلام في اللطف المخصوص.
ومنهم من قال: بل تثبت له باختيار نفسه، لكنه غير مستغن عن معونة الله تعالى، فلا بد وأن يكون اختياره مع اللطف من الله تعالى.
قيل: ثبوتها من الله والنبي وكيفيته بخلق الداعي إلى فعل الطاعة واللطف الذي لأجله تترك المعصية من الله تعالى، وبفعل الواجبات واجتناب المقبحات من النبي، قال في (الفصول): ومعناه معنى ما قبله وليس بمستقل في الأظهر؛ لأن كيفية الثبوت إذا كانت للنبي باختياره ومن الله باللطف، فهو عين ما تقدم في القول الثاني.

الفصل الثالث في الخلاف في عصمتهم قبل النبوة
اعلم أنه لا يجوز من الله تعالى أن يبعث نبياً إلا معصوماً من المنفرات، فإذا لم يكن معصوماً من ذلك لم يجز بعثه، وهذا قول المعتزلة وغيرهم من أصحابنا، وممن نص عليه السيد مانكديم والقرشي، والمنفرات أنواع:
أحدها: ما يعود إلى الخلقة نحو أن يكون مجذوماً، أو مقعداً، أو مسلوب اليدين أو الرجلين أو أحدهما، أو ذاهب البصر، أو السمع، أو شوه الصورة على وجه ينفر منه من رآه ويستزريه كالتفاحش في القصر، ويلحق بذلك نتن الرائحة، وسلس البول، فأما بعد صحة نبوة النبي، وتبليغ رسالته، واستقرار صدقه في قلوب أمته فلا يجب امتناع العلل المنفرة عنه؛ لأنهم إذا عرفهم بفضل الابتلاء وما يترتب عليه من العوض امتنعت منهم النفرة، ودليل جواز ذلك وقوعه كما في قصة أيوب وعمه يعقوب، وليس ذلك بأبلغ من تمكين الظالمين منه يتحكمون فيه كيف شاءوا كما كان في زكريا ويحيى عليهما السَّلام .
النوع الثاني: ما يرجع إلى النسب فلا يجوز من الله أن يبعث نبياً من أراذل المبعوث إليهم؛ لأن ذلك ينفر ذوي الشرف من القبول، ولهذا قيل: إن الله ما بعث نبياً إلا من أشرف بيت في قومه، فأما لقمان عليه السلام فقد قيل: إنه لم يكن نبياً وإنما كان عبداً صالحاً.
النوع الثالث: ما يعود إلى الفعل وهو أقسام:
أحدها: الفضاضة والغلظة فلا يجوز بعثة الموصوف بهما، وقد نبه الله على ذلك بقوله: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}[آل عمران:159].
ثانيها: الأخلاق المسترذلة نحو كثرة الضحك والمزاح، وكثرة النهم في الأكل والشرب وما أشبه ذلك.

ثالثها: الأفعال المستقبحة عقلاً وشرعاً فلا بد من عصمتهم منها، والوجه في ذلك كالوجه في سائر المنفرات، وهو أن الغرض بالرسالة هو القبول وحصول الامتثال، وذلك لا يتم إلا بانتفاء هذه المنفرات، فلو بعث نبي غير معصوم منها لانتقض الغرض المقصود من بعثته، وهذا القسم الثالث قد اختلف فيه.
واعلم أن المعاصي كبائر وصغائر، والكبائر كفر وغيره، فأما الكفر فلا خلاف بين الأمة أنهم معصومون منه قبل النبوة وبعدها، غير أن الأزارقة من الخوارج جوزوا عليهم الذنب وكل ذنب عندهم كفر، فلزمهم تجويز الكفر عليهم، ونسب الرازي هذا القول إلى الفضلية وهم من الخوارج، وفي (شرح المواقف) عن الأزارقة أنهم يقولون بجواز بعثة نبي علم الله تعالى أنه يكفر بعد نبوته.
وقالت الإمامية: يجوز عليهم إظهار الكفر تقية.
والجواب: أن ذلك يؤدي إلى إخفاء الدعوة بالكلية، وترك تبليغ الرسالة؛ إذ أعظم حاجة إلى التقية عند ابتداء البعثة لقلة المعين والمجيب وكثرة المخالف، ثم إن ما ذكروه منقوض بفعل الأنبياء" فإن المعلوم من حالهم الجد في التبليغ والصدع بالحق مع كثرة الأعداء وقوة شوكتهم، وضعف الأنبياء" حتى أججت النيران، ورموا بالأحجار، وتحزبت عليهم القبائل فلم يلجأ أحد منهم إلى التقية؛ إذ لو كان لنقل كما نقل دعاؤهم وما نالهم، بل صبروا على الإلقاء في النار، ومفارقة الأوطان.

وأما سائر الكبائر فقال جمهور الأشعرية: لا يمتنع صدورها منهم قبل البعثة؛ إذ لا دلالة للمعجز على امتناعها منهم حينئذٍ، ولا حكم للعقل على امتناعها ودليل سمعي، ونسب الإمام المهدي هذا القول إلى الحشوية، والكرامية، وأبي الهذيل، والأشعرية، والكلابية، ورواه الرازي عن أبي علي، وقال الإمام المهدي: بل هم معصومون منها، واختاره في (الفصول) وقال به السيد محمد بن عز الدين المفتي، وهو قول جمهور المعتزلة، واحتجوا بأن ارتكابها يوجب النفرة عمن ارتكبها وإن تاب؛ لأنها تسقط المرتبة ويسترذل فاعلها، وقد مر أنه لا يحسن من الله بعثة من يسترذله الناس ويتهاونون بأمره، قال الإمام المهدي: ولا شك في تهاون الناس بمن يرتكب المعاصي ولو قبل بعثته، وقد تهاون فرعون بأمر موسى للثغة كانت بلسانه وفقره، وأيضاً المقصود من النبوة أن يقبل الناس منه ما جاء به من عند الله ومن كان معروفاً عندهم بارتكاب الكبائر، أو جوزوا عليه ذلك فإنهم يكونون عن القبول منه أبعد، ولهذا فإن الخطيب لو بات يزني ويشرب الخمر ثم أصبح يعظ الناس ويدعوهم إلى الطاعة لم يكن لوعظه تأثير، ولا لدعائه إجابة.
قال القرشي: ولا فرق بين أن يقع ذلك قبل البعثة أو بعدها فإن الناس إلى القبول ممن لم يتدنس بالمعاصي أقرب منهم إلى القبول ممن يتعاطاها وإن كان قد تاب لا شك في ذلك.
هذا وأما قول الخصم إنه لا دلالة للمعجز على امتناعها قبل البعثة فمسلم ولم نستند إلى ذلك.
وأما قولهم: لاحكم للعقل، فمبني على أصلهم الباطل من نفي الحكم العقلي، وقد مر بطلانه في المقدمة وغيرها، ومن أنصف عرف صحة الدليل العقلي الذي أوردناه.
فإن قيل: أليس من الجائز أن يعلم الله تعالى أن في بعثة من قد عصى ثم تاب لطفاً لا يكون في بعثة غيره ممن لم يرتكب الكبائر، ويعلم أن تقدم المعصية لا يصرفه عن القبول، وإذا كان ذلك جائز فما المانع من تجويز بعثته ولا وجه يقتضي القبح.

قيل: هذا التجويز بعيد عن الصحة؛ لأن ارتكاب الكبائر قبل البعثة كالجذام ونحوه من الأمور الخلقية في التنفير، فلو جوزنا في بعثة مرتكب الكبيرة لطفاً لجوزنا في بعثة المجذوم لطفاً، والمعلوم ضرورة خلافه لملازمة النفرة عنه، وعدم القبول منه.
فإن قيل: بين الصورتين فرق فإن الجذام باق والمعصية غير باقية؛ لأن الفرض أنه قد تاب منها فهي في حكم العلة التي قد زالت.
قيل: ونحن نجد من أنفسنا النفرة عمن قد تفاحش فيه الجذام والجنون وإن زال عنهما بالكلية، فكذلك يقال في مرتكب الكبائر إذا تاب، وقال الإمام القاسم بن محمد فيما رواه عنه في(البدرالساري) إن في الأنبياء من هو مرسل إلى نفسه كأولاد يعقوب" وإنها تجوز عليهم الكبائر قبل البعثة، ثم قال: وكذا من أرسل ولم يكن الذنب مكفراً.
وقال الإمام أحمد بن سليمان: اعلم أنا لا نقطع على من كان عصى الله ومعصيته عمداً ثم تاب وأخلص، واشتهر إخلاصه وتوبته عند الخاص والعام، وظهر صدقه ووفاه، وطهارته وتقاه، أنه لا يجوز أن يرسله الله إلى قوم، بل نقول: إنه قد يمكن ويجوز ذلك، واحتج عليه السلام بأنه قد خرج عن كونه ظالماً أو متهماً كالفاسق فإنه إذا تاب عند أداء الشهادة لا تقبل شهادته، وإذا تقدمت توبته بزمان طويل قبلت شهادته، واحتج أيضاً بما كان من أولاد يعقوب عليه السلام وروي عن ابن عباس أنهم المرادون بقوله تعالى: {والأسباط} وأنهم أنبياء، وادعى إجماع الأمة، بل لم يخالف في ذلك اليهود، واحتج أيضاً بقوله تعالى لموسى: {إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ، إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ...}الآية[النمل:10،11]، وبقوله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124] والتائب ليس بظالم.

هذا وأما ارتكابهم الصغائر قبل البعثة فمن أجاز عليهم الكبائر قبلها أجاز الصغائر بالأولى، وأما من منع الكبائر فإن الظاهر منهم تجويز الصغائر عليهم، وهو الذي رواه الإمام المهدي عن المعتزلة، ونص عليه القرشي ما لم تنفر عن القبول كسرقة لقمة، ومهازلة النساء، والتطفيف في الكيل، وكثرة المزاح؛ إذ ارتكاب مثل هذه الكبائر وإن كانت في نفسها صغائر فإنها مما يسترذل مرتكبها، ويتهاون بأمره وينفر عنه، لا شك في ذلك، فأما غير المنفر منها فلا منع منه؛ إذ لا يؤثر في الشك، ولا في التنفير عن القبول.
قال القرشي: فأما الصغائر التي ليس لها حظ إلا في تقليل الثواب دون التنفير والقدح في التبليغ، فجائز قبل البعثة وبعدها إلا عند من لا يعبأ به.
قلت: ولعله أراد بمن لا يعبأ به الإمامية، فإن ظاهر الحكاية عنهم أنهم لا يجوزون على الأنبياء وقوع المعاصي من الأنبياء قط لا كبيرة ولا صغيرة لا قبل البعثة ولا بعدها. والله أعلم.

الفصل الرابع في عصمتهم بعد النبوة من الجهل بالله وبما أوحي إليهم
قد مر في الفصل الثالث رواية الإجماع على عصمتهم من الكفر قبل النبوة وبعدها، ولا شك أن الجهل بالله وبصفاته، وبما أرسل به رسله من أعظم أنواع الكفر، فوجب القطع بعصمتهم من ذلك، وقد نص القاضي عياض في (الشفاء) على معنى هذا، وذكر أنهم على غاية المعرفة، ووضوح اليقين، وانتفاء الجهل بشيء من ذلك، أو الشك فيه، وأنهم معصومون عن كل ما يضاد المعرفة واليقين من جهل وشك، ثم قال: هذا ما وقع عليه إجماع المسلمين، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه.
قلت: وقد جاء في بعض الآيات ما يقتضي ظاهره وقوع الشك ونحوه منهم، وهو مأول كما سيأتي في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وأما ما مر في الأولى من مسائل قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}الآية[البقرة:23]، فإنه صلى الله عليه وآله داخله الرعب عند أن خاطبه جبريل بالوحي، وما أخرجه البخاري وغيره من أنه صلى الله عليه وآله قال لخديجة لما أخبرها برؤية جبريل: ((لقد خشيت على نفسي)) فليس معناه الشك فيما أوحي إليه بعد رؤية الملك، ولعله خشي أن لا تحتمل قوته مقاومة الملك، وأعباء الوحي، فينخلع قلبه وتزهق روحه من الفزع، هذا إن كان قال هذا القول بعد لقاء الملك وإعلامه له بأنه رسول الله على ما تفيده بعض الروايات، أو يكون قال ذلك قبل لقاء الملك وإعلام الله له بالنبوة، وذلك عند ابتداء ظهور العجائب في حقه صلى الله عليه وآله من دعاء جبريل إياه بيا محمد، وتسليم الحجر والشجر، ونحو ذلك كما جاءت بذلك بعض الأخبار، وعلى أي الاحتمالين يبطل التعليق بالحديث على إثبات الشك فيما جاءه من الوحي. ولله الحمد.

246 / 329
ع
En
A+
A-