والأولى من هذه الأقوال قول من ذهب إلى أنهما ظلما أنفسهما بفعل الصغيرة، وقد مر أن الظلم يستعمل في الذنب الصغير والذنب الكبير، ويدل على صحة ذلك ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من تقسيم الظلم إلى ثلاثة أقسام ولفظه: (ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله قال الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}[النساء:48]، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً). رواه في (النهج).
قال ابن أبي الحديد ما معناه: أراد عليه السلام بالقسم الأول الكبائر عند أصحابنا وإن لم يذكرها؛ لأن حكمها حكم الشرك عندهم، وبالثاني الصغائر عندهم، وبالثالث حقوق البشر بعضهم على بعض فإنه لا بد من عقاب فاعله، وإنما أفرده بالذكر مع دخوله في القسم الأول ليميزه بكونه متعلقاً بحقوق بني آدم بعضهم على بعض، وليس الأول كذلك.
وفي مفردات الراغب: قال بعض الحكماء: الظلم ثلاثة:
الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه الكفر والشرك، والنفاق ولذلك قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}[لقمان:13] وإياه قصد بقوله: {أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}[هود:18] {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}[الإنسان:31] في آي كثيرة، وقال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ}[الزمر:32] {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً}[الأنعام:21].
والثاني: ظلم بينه وبين الناس وإياه قصد بقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ...} إلى قوله: {لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}[الشورى:40] وقوله: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ}[الشورى:42] وبقوله: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً}[الإسراء:33].

والثالث: ظلم بينه وبين نفسه وإياه قصد بقوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} [فاطر:32] وقوله: {ظَلَمْتُ نَفْسِي}[النمل:44] {إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ}[النساء:64]، وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس، فإن الإنسان في أول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه، فإذا الظالم مبتدئ بنفسه في الظلم، ولهذا قال تعالى في غير موضع: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[النحل:33] {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[البقرة:57].
قلت: وهذا كالشرح لكلام أمير المؤمنين عليه السلام ومجموع ما ذكرنا يدل على صحة حمل ظلم آدم وحوا عليهما السَّلام على الذنب الصغير.
فإن قيل: ظلمهما أنفسهما يحتمل أن يكون بارتكاب الكبيرة، وأن يكون بارتكاب الصغيرة، ولا دليل على تعيين أحدهما فحمله على الصغيرة تحكم.
قيل: بل الدليل على تعيين الصغيرة موجود، وهو ما ثبت من عصمة الأنبياء" عن الكبائر كما سيأتي إن شاء الله.

تنبيه
قول الرازي: اتفقوا على أن المراد إن أكلتما فقد ظلمتما أنفسكما غير مسلم، فإنهم لم يتفقوا على ذلك وإنما هو مذهب بعض الكوفيين، وذهب بعض البصريين إلى أن يكونا منصوب بأن مضمرة بعد الفاء، والتقدير: لا يكن منكما قرب هذه الشجرة فأن تكونا من الظالمين، وضعف ابن جرير هذا المذهب، واختار أحد وجهين إما مذهب الكوفيين، وإما أن يكون فيكونا معطوفاً على قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا} والمعنى: ولا تقربا، جوّزه الزمخشري، ولا تكونا من الظالمين كما تقول: لا تكلم عمراً ولا تؤذه.
قلت: وعلى الوجه الأخير لا يصح الاستدلال بالآية على وقوع الظلم منهما بالأكل من الشجرة؛ لأن الكلام تضمن جملتين كل واحدة منهما مستقلة بنفسها منهي عنها لحالها، فيحتمل أن يكون ظلمهما أنفسهما الذي اعترفا به بقولهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا}[الأعراف:23] هو الأكل من الشجرة، ويحتمل أن يكون غيره. والله أعلم.

[البقرة: 36]
قوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}
قرئ {أزلهما} بتشديد اللام.
قال ابن جرير: أي استزلهما من قولك: زل الرجل عن دينه إذا أخطأ فيه، وقال القفال: هو من الزلل لكون الإنسان ثابت القدم على الشيء فيزول عنه ويتحول عن ذلك الموضع، وقرئ فأزلهما من الزوال، وأصله التنحية، قال أبو حيان: والهمزة في كلا المحلين للتعدية، وعن ابن عباس: معنى أزلهما أغواهما، والضمير في عنها للشجرة.
قال في (الكشاف) وغيره: أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها وتحقيقه فأصدر زلتهما عنه، وقيل: أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما وأبعدهما عنها، يقال: زل عني كذا إذا ذهب عنك.
والهبوط: الانحدار على سبيل القهر، وبالفتح المنهبط، قال الراغب: وإذا استعمل في الإنسان فعلى سبيل الاستخفاف، بخلاف الإنزال فإن الله ذكره في الأشياء التي نبه على شرفها كإنزال الملائكة والقرآن وغيرهما، وذكر الهبوط حيث نبه على الغض نحو: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا}[البقرة:36].
وقال أبو حيان: الهبوط النزول، وقيل: هو الخروج من البلدة والدخول فيها من الأضداد، ويقال في انحطاط المنزلة مجازاً.
واختلف في المراد به هنا، فمن قال جنة آدم في السماء فسّره بالنزول من العلو إلى السفل، ومن قال هي في الأرض فسّره بالتحول من موضع إلى آخر وهو معنى الخروج.
والضمير في {اهبطوا} قيل: آدم وحوا وإبليس، قيل: والحية.
وقال الزمخشري: بل آدم وحوا، والمراد هما وذريتهما؛ لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم، ودليله: {اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً}[البقرة:38] وقوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ...}الآية[البقرة:38]، وهو حكم يعم الناس.
والعداوة: مجاوزة الحد، وقيل: التباعد بالقلوب.

والمستقر: مستفعل من القرار وهو اللبث والإقامة، ويكون مصدراً، وزماناً، ومكاناً، ولهذا قيل في المعنى موضع استقرار أو استقرار.
والمتاع: البلغة فينطلق على ما يتحصل للإنسان من عرض الدنيا، وعلى الزاد والانتفاع بالنساء، والكسوة والتعمير، ومنه: أمتع الله بك أي أطال الإيناس بك، وكله راجع لمعنى البلغة والحين والوقت والزمان، ولا يتخصص بمدة، بل وضع للمطلق منه، والمراد هنا إلى يوم القيامة، وقيل: إلى الموت، وفي الآية مسائل:

المسألة الأول‍ى [عصمة الأنبياء]
ظاهر الآية يقتضي كون الأنبياء" غير معصومين من ارتكاب المعاصي نصاً في آدم عليه السلام وقياساً على غيره؛ إذ لا فارق، ولأن أحداً لم يفرق بين الأنبياء" في هذا الحكم، بل منهم من ادعى العصمة للكل، ومنهم من نفاها عن الكل كما سيأتي مفصلاً، وقد بسط علماء الكلام القول في المسألة حتى تشعبت غصونها، وتنوعت فنونها، وهي جديرة بذلك، ولهذا جعلنا الكلام عليها في إحدى عشر فصلاً: الأول في الفوائد المترتبة على العلم بالمسألة، الثاني في حقيقة العصمة، الثالث في الخلاف في عصمتهم قبل النبوة، الرابع في عصمتهم بعد النبوة من الجهل بالله وبما أوحى إليهم" الخامس في أنه لا يشترط فيهم" العصمة فيما يتعلق بأمور الدنيا وأنه لا يضر الجهل بها، السادس أنه لا يجوز جهلهم بشيء من أمور الدين، السابع في عصمتهم من الشيطان الرجيم لعنه الله، الثامن في عصمتهم في أقوالهم المتعلقة بالتبليغ، التاسع في عصمتهم في الأفعال، العاشر في عصمتهم من الكبائر، الحادي عشر في الخلاف في جواز الصغائر على الأنبياء".

الفصل الأول في الفوائد المترتبة على العلم بالمسألة
وإنما قدمنا هذا الفصل لدفع ما لعله يتوهمه جاهل وهو مدع العلم لجهله بأنه جاهل من أن الكلام في هذه الفصول تطويل عار عن الفائدة، وأن هذه الأبحاث من فصول العلم وزوائده التي لا يعود منها على طالب الرشاد عائدة، وهيهات ذلك فإن العلم بذلك أمر متعين وواجب متحتم، لا ينازع فيه عاقل، ولا ينكره إلا جاهل؛ لما نذكره من الفوائد المترتبة على معرفة هذه الفصول، وبها يستبين أن العلم بهذه المسألة أصل عظيم تتفرع عليه مسائل الفروع والأصول، وجملة الفوائد المذكورة في هذا الفصل ثلاث:
[الفائدة] الأولى
إن الاحتجاج بأقوال الأنبياء" وأفعالهم، وتقريراتهم، وتروكهم متوقف على معرفة عصمتهم، ووجوب ما يجب، وجواز ما يجوز، واستحالة ما يستحيل في حقهم"، بل الاحتجاج بالكتب المنزلة عليهم متوقف على ذلك؛ لأنا لو جوزنا عليهم الكذب وفعل القبيح أو التقرير عليه وترك الإنكار على فاعله لم يجب علينا اتباع ما جاءوا به، بل لا يجوز؛ إذ لا يؤمن أن نكون مقدمين على قبيح ومخلين بواجب؛ لكون النبي قد أقدم على القبيح أو أخل بالواجب، وهذه فائدة عظيمة، ولو لم يكن في هذا الفصل غيرها لكانت كافية في وجوب معرفة هذه الفصول؛ إذ مبنى الشرع عليها.
الفائدة الثانية

أن من يجهل ما يجب للأنبياء" أو يجوز لهم، أو يستحيل عليهم عقلاً أو نقلاً ولا يعرف الحكم في حقهم من وجوب أو غيره لا يأمن أن يعتقد بعض الأحكام المتعلقة بهم على خلاف ما هي عليه، ولا ينزههم عما لا يجوز أن يضاف إليهم؛ فيهلك من حيث لا يدري، ويهوي في النار مع من يهوي؛ لظنه الباطل بأنبياء الله، واعتقاده ما لا يجوز عليهم في حكم الله، ولهذا احتاط صلى الله عليه وآله على الرجلين الذين رأياه ليلاً مع زوجته صفية فقال: ((إنها صفية)) فقالا: سبحان الله، تعجباً من قوله ذلك لهما؛إذ لا يظن مسلم به صلى الله عليه وآله ما لا يليق به، ثم قال لهما: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً فتهلكا)). أخرجه البخاري وغيره.
الفائدة الثالثة
يحتاج إليها المفتي والحاكم ونحوهما فيمن نسب إلى الأنبياء" شيئاً مما يجب أو يستحيل في حقهم، أو وصفهم بشيء من ذلك فمن لم يعرف ما يجوز عليهم ويمتنع من الأحكام والأوصاف وما وقع الإجماع عليه في حقهم، وما اختلف فيه كيف يكون منه الإقدام على الحكم والفتيا لعدم علمه بكون ما قاله المستفتي أو المحكوم عليه مدح أو ذم، فإما سفك دم القائل، أو استباحة ماله، وهتك حرمته وهو غير مستحق لذلك، أو يسقط حقاً، أو تضييع حرمة للأنبياء" لعدم علمه بالحكم الواجب فيمن ارتكب شيئاً مما يتعلق بهم"، فهذه هي الفوائد المترتبة على العلم بالمسألة، وكل واحدة منها كافية في وجوب معرفة هذه الفصول، ومبينة لعظيم قدرها وموقع نفعها عند الكملة الفحول، فكيف إذا اجتمعت كلها واتفق حكمها. والحمد لله رب العالمين.

الفصل الثاني في حقيقة العصمة
هي في اللغة: المنع، ويقال: عصمه الطعام أي منعه من الجوع. ذكره في (المختار)، ومثله ذكره السيد مانكديم، والإمام المهدي، قال الإمام المهدي: هي المنع المحذور، يقال:عصمة من القتل، ولا يقال: عصمة من العطاء ولا من الخير.
وقال في (المختار): والعصمة أيضاً الحفظ، واعتصم بالله أي امتنع بلطفه من المعصية.
وقال الراغب: العصم الإمساك، والاعتصام: الاستمساك، قال: وعصمة الأنبياء حفظه إياهم أولاً بما خصهم به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسيمة والنفسية، ثم بالنصرة وبتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم، وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}[المائدة:67].
وأما في اصطلاح المتكلمين فقد اختلف في ذلك فقال أبو علي، وأبو هاشم، وقاضي القضاة: هي اللطف الذي تترك لأجله المعصية لا محالة، واختاره السيد صلاح بن أحمد وزاد: ما لم يبلغ حد الإلجاء.
وقال السيد مانكديم: هي عبارة عن لطف يقع معه الملطوف فيه لا محالة حتى يكون المرء معه كالمدفوع إلى أن لا يرتكب الكبائر، ولهذا لا يطلق إلا على الأنبياء ومن يجري مجراهم، وهو في معنى الأول، قال أبو القاسم: وكما تطلق على اللطف المذكور فقد تطلق على الدلالة والبيان، وحكى عنه الحاكم أنه روى عن العدلية أنهم قالوا في العصمة مثل ما قالوه في الهداية، وأنها تنقسم فمنها الدلالة والبيان قال: فكل مكلف معصوم؛ لأنه قد بين لهم ودلهم إلا أنه لا يطلق على الكافر لغلبته على المهتدين، بل يقال: عصمه فلم يعتصم أي دله على الخير فلم ينتفع بالدلالة.
وأجاب الإمام المهدي بمنع إطلاقها على ذلك لا في اللغة ولا في الاصطلاح، وفي الرواية عن العدلية نظر، ولو كان كما ذكره للزم أن لا يسألها المكلف فيقول: اللهم اعصمني؛ لأنها قد فعلت له لما علم أن الله قد هدى كل مكلف، وسؤال الإنسان تحصيل ما قد حصل لا يحسن، والإجماع واقع على حسن هذا السؤال.

فإن قيل: بل يحسن سؤال ما قد وقع بدليل قول الملائكة: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا}[غافر:7].
قيل: إنما حسن لأن هناك ما حمل على القطع بأن السؤال تعبد للملائكة" لا طلب حقيقي وهو القطع بأن التائب مغفور له، وهنا لا قطع، بل لا دليل على أن العصمة بمعنى الهدى، فحسن الاستدلال بظاهر طلبها على أنها ليست بمعنى الدلالة إبقاء للطلب على حقيقته، ولا موجب لصرفه عن ظاهره.
فإن قيل: فيلزم أن لا يسأل الهداية، والمعلوم حسن قولهم: اللهم اهدني.
قيل: ليس المراد مجرد الدلالة بل زيادة الأَلطاف، قال النجري: وله أن يقول: والعصمة التي يسألها المكلف هي اللطف في الترك؛ إذ العصمة مستعملة في المعنيين معاً عنده لا في الأخير فقط، قال: والخلاف لفظي لا ثمرة له.
وقالت المجبرة والرافضة: بل هي المنع من المعصية بخلق القدرة الموجبة للطاعة.
قيل: إن كانت ما ذكرتم لزم أن لا يسألها المؤمن؛ إذ قد فعلت له فكيف يطلبها، وإن سلمنا حسن طلبها فهذا الحد منكم مبني على أصل فاسد وهو أن القدرة موجبة للمقدور وغير صالحة للضدين، وهو معلوم البطلان كما سيأتي في موضعه إن شاء الله.
قال الإمام المهدي: وتفسيرهم للعصمة بالمنع أقرب إلى المعنى اللغوي، لكن البرهان العقلي اقتضى أنها ليست معنى حقيقياً؛ إذ لو كانت كذلك لم يحسن مدح المعصوم على امتناعه من المعصية، والمعلوم ضرورة حسن مدحه، فثبتت أنه تركها مع القدرة عليها وأن تسميته معصوماً مجازاً؛ لأنه بلطف العصمة الذي امتنع عنده من المعصية باختياره أشبه الممنوع الحقيقي من الفعل فحسنت الاستعارة.
قلت: وكذلك ما ذكره أصحابنا في حد العصمة فيه شبه قوي بالوضع اللغوي؛ إذ اللطف الذي لا تقع عنده المعصية رأساً في حكم المانع منها، فلذلك سمي عصمة كما سمي عصام القربة عصاماً؛ لأنه يمنع محذوراً وهو ذهاب الماء منها، وما حكيناه عن المجبرة في معنى العصمة هو رواية أصحابنا عنهم.

245 / 329
ع
En
A+
A-