تنبيه
قد تقدم في الرابعة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] احتجاج من يقول بتكليف ما لا يطاق بهذا الخبر، وقد أجبنا عليه هنالك.
الوجه الثالث: ما مر في الثانية من مسائل قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا...}الآية[البقرة:23] من الأخبار الدالة على وجود الجنة والنار، فإنها موجبة لصرف الجنة المذكورة في قصة آدم إلى الجنة المعدة لثواب المؤمنين، وقد تقدم هنالك عن الوصي عليه السلام ما يدل على أن جنة آدم هي دار الخلود.
الرابع: ما ذكره القوشحي من انعقاد الإجماع على ذلك، قال بعد أن قرر أن جنة آدم هي دار الخلود ما لفظه: وانعقد عليه الإجماع قبل ظهور المخالفين، قال: وحملها على بساتين الدنيا يجري مجرى التلاعب بالدين، والمراغمة لإجماع المسلمين.
هذا وإذا ثبت الاستدلال بالآية على وجود الجنة فكذلك النار إذ لا قائل بالفصل.
أجاب القائلون بعدم خلقهما الآن بوجوه:
أحدها: ما مر في الثامنة من مسائل قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ}[البقرة:23] من الدلالة على منع وجود الجنة والنار الآن، وذلك يوجب صرف لفظ الجنة في الآية المذكورة إلى معنى لا يمنع منه الدليل.
الثاني: أنها لو كانت دار الخلود لما لحقه الغرور من إبليس فيها.
الثالث: أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها لقوله تعالى: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ}[الحجر:48].
الرابع: أن إبليس ملعون فلا يصل إلى جنة الخلد.
الخامس: أنه لا يجوز في الحكمة أن يبتدئ الخلق في الجنة عند أكثر العدلية، رواه عنهم الحاكم؛ إذ لو خلقهم كذلك لم يعرفوا موقع النعم التي صاروا إليها؛ إذ لا يعرف قدر النعمة إلا من لحقته مشقة.
السادس: أنه لا نزاع في أن الله خلق آدم من الأرض ولم يذكر من القصة أنه نقله إلى السماء ولو كان نقله إليها لكان أولى بالذكر؛ لأنه من أعظم النعم.

السابع: أن الله تعالى قال في جنة الخلد: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً...}الآية [الواقعة:25]، وقد لغا فيها إبليس، وكذب، ونسب آدم إلى الإثم.
الثامن: أن الجنة دار نعيم وراحة ولا تكليف فيها، وقد كلف آدم بترك الأكل من الشجرة.
التاسع: أنها محل تطهير فكيف يقع فيها وحواء العصيان ويدخلها غير المطهرين.
وإذا ثبت بما قررنا أن جنة آدم عليه السلام ليست بجنة المأوى فقد اختلف في حقيقتها ومحلها، فقال أبو القاسم البلخي، وأبو مسلم الأصبهاني: كانت في الأرض، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، قال الشرفي في (المصابيح): وهذا صريح قول الهادي عليه السلام وغيره من سائر أئمتنا" وقال أبو علي: كانت في السماء السابعة لقوله: {اهبطوا} ثم الهبوط الأول كان من تلك السماء إلى السماء الأولى، والهبوط الثاني كان من السماء إلى الأرض.
أجاب الأولون: بأن دليلكم على منع خلق الجنة والنار الآن ضعيف، والدليل القاطع يقضي بوجودهما.
قلت: وقد مر الدليلان في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ...} الآية[البقرة:23].
قالوا: وأما سائر الوجوه المذكورة فهي ضعيفة لا تدفع ما هو الظاهر من أن المراد بهذه الجنة دار الخلود، وأما الأدلة القاضية بعدم الخروج منها واللغو ووقوع المعصية فيها ونحو ذلك، فذلك كله إنما هو بعد دخولها للاستقرار والخلود لا على سبيل المرور والجواز، فقد صح دخول النبي -صلى الله عليه وآله- الجنة في ليلة المعراج وفي غيرها.
وأما دخول إبليس فليس دخول تكريم، بل دخول ابتلاء وتكليف، وقد قيل: إنه لم يدخل وإنما وقف على بابها وكلمهما.
وأما منع ابتداء الخلق في الجنة فلا يمنع منه عقل ولا سمع إذا كان على جهة التفضل كما في خلق الحور العين، وقد أجازه الإمام المهدي، ورواه عن البهشمية والحاكم، وأجاب عن قولهم: إن لم يعرفوا قدر النعمة بأن إمكان معرفتهم قدرها معلوم ضرورة.

سلمنا فلا فائدة في تعريفهم قدرها إلا إذا كان لهم في معرفته لطف، واللطف تابع للتكليف ولا تكليف.
فإن قيل: ذلك يستلزم التكليف ولا تكليف في الجنة.
قيل: لا يلزم مع القول بأن معرفة الله حينئذٍ ضرورية.
قال الإمام المهدي: ولو قيل: إنه لا يخلق لهم العلم العاشر من علوم العقل وهو العلم بقبح القبائح وحسن المحسنات؛ إذ لا فائدة فيه حينئذٍ لم يبعد، فهذه أقوال الناس في جنة آدم عليه السلام .
قال الإمام المهدي: ومن الجائز أن يخلق الله مثل دار الجزاء ـ يعني جنة وناراً ـ في الدنيا لينتفع بعض من أراد التفضل عليه من الحيوانات كآدم وحواء وغيرهما وخزنة النار، وليلتطف برؤيتهما بعض الأنبياء كإدريس عليه السلام وليأوي إلى الجنة أرواح الشهداء والأولياء حتى يخلق الله لهم دار الخلد.

المسألة الثالثة[دلالة الأمر في الآية]
الأمر في قوله تعالى: {كُلاَ مِنْهَا رَغَداً}[البقرة:35] للإباحة، وفيه دلالة على جواز تناول ما أباحه مالكه على حسب ما يقتضيه اللفظ من إطلاق أو تقييد، ومعنى الإباحة لغة: حل الشيء وعدم المنع منه، قال في (النهاية) ما معناه: المباح ما لا تبعة فيه، وفي (المختار): أباحه الشيء أحله له، والمباح ضد المحظور، واصطلاحاً: إسقاط حق المنع من استهلاك الشيء المباح في المستقبل. ذكره النجري.

فرع
وتصح الإباحة في المجهول كطعام يدعى إليه قوم يباح لهم أكله ولا يدري كم يأكل كل واحد للآية؛ إذ أباح لآدم وحوا الأكل كيف شاء مع عدم علمهما بقدر ما يأكلانه، قال بعض المحققين: وهذا منصوص من عهد رسول الله -صلى الله عليه وآله- كأمره بإجابة الدعوة والأكل فيها، وقوله: إذ نحر الهدي ((من شاء فليقتطع)) وأمره المرسل بالهدي إذا عطب أن ينحره ويخلي بينه وبين الناس ونحو ذلك، وتصح للمجهول، قال النجري: ولكونها إسقاطاً صحت في المجهول، وللمجهول ولم يفتقر إلى علم المباح ولم يصح من المحجور وولي الصبي.

فرع
ولا يحتاج إلى قبول لجري عرف المسلمين بذلك، قال علامة العصر: ولا خلاف أن الإباحة تستغني عن القبول والقبض، وإنما هي إذن بتناول الشيء لفظاً كأبحت لك هذا الطعام أو ثمرة هذه الشجرة، أو حكماً كتقديم الطعام والشراب للضيف ليأكل أو يشرب.

المسألة الرابعة [النهي المذكور في الآية]
اختلف في النهي في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}[البقرة:35] فقيل: للتنزيه، ويرجحه أنه يرجع حال معصية آدم عليه السلام إلى ترك الأولى فيكون أقرب إلى عصمة الأنبياء عليه السلام .
وقيل: للتحريم نظراً لموضوع الصيغة وحملاً على نظائرها نحو: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}[البقرة:222] {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ}[الأنعام:152] ولقوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}[البقرة:35] إذ معناه إن أكلتما كنتما من الظالمين، ولذا قالا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا}[الأعراف:23] ولاستحقاق آدم الخروج من الجنة ولوجوب التوبة.

المسألة الخامسة [استطراد في ذكر النهي]
قال الرازي: النهي عن قرب الشجرة لا يفيد النهي عن الأكل؛ إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليها لجاز أكلها، قال: بل هو الظاهر، والنهي عن الأكل إنما استفيد من دليل آخر وهو قوله: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ}[الأعراف:22] وتصدير الإباحة بالأكل وهو قوله: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً}[البقرة:35] فصار كالدلالة على أنه نهاهما عن الأكل، وقال غيره: بل يفيد النهي عن الأكل بطريق الأولى.
قال أبو السعود: وإنما علق النهي بالقربان منها مبالغة في تحريم الأكل، ووجوب الاجتناب، وذكر أبو حيان نحوه، وهذه قاعدة يتخرج عليها كل ما نهي عن قربه فإنه يتناول الوجه المقصود من الانتفاع به بالأولى، وقد أشار إلى هذا الراغب فقال في قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ}[الأنعام:152]: هو أبلغ من النهي عن تناوله؛ لأن النهي عن قربه أبلغ من النهي عن أخذه، قال: وعلى هذا قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}[البقرة:35] {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ}[البقرة:222] كناية عن الجماع {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى}[الإسراء:32].
قلت: وفي النهي عن القرب مزيد فائدة أشار إليها بعضهم، وهو أنه يعم سائر وجوه الانتفاعات، ولو نص على الأكل أو الجماع أو نحوهما لما تناول غيره.

المسألة السادسة [في الظلم]
قد مر معنى الظلم لغة، واختلف في معناه اصطلاحاً فقال المنصور بالله وغيره من أصحابنا: هو الضرر الذي ليس فيه نفع للمضرور أعظم منه، ولا دفع ضرر أعظم منه ولا استحقاق، ولا الظن للنفع أو الدفع إذا كان الضرر من المخلوقين.
قال السيد مانكديم: ولا يكون في الحكم كأنه من جهة المضرور ولا كأنه من جهة غير فاعل الضرر، فقولنا: هو الضرر...إلخ ليخرج تكليف الأجير العمل فإنه لا يكون ظلماً؛ لأن في مقابلته من النفع وهو الإجارة ما يوازيه، وكذلك قطع اليد المتآكلة؛ لأنه يدفع به ضرر أعظم منه، وكالقصاص وذم المسيء فإنه لا يكون ظلماً لاستحقاقه.
وقولنا: ولا الظن...إلخ لأنه لا فرق بين أن يكون النفع والدفع مظنونين، أو معلومين، ولهذا يحسن من أحدنا تحميل ولده مشقة الاختلاف إلى المكتب لما كان في مقابلة نفع مظنون.
وقلنا: إذا كان الضرر من المخلوقين؛ لأن الظن لا يجوز على الباري تعالى كما مر.
وقلنا: ولا يكون في الحكم...إلخ لأنه لو كان كذلك لم يكن ظلماً، ألا ترى أن من حاول أخذ مال فقتله دفعاً لم يكن ظلماً؛ لأن ذلك الضرر كأنه حل به من جهة نفسه.
وقلنا: ولا كأنه من جهة غير فاعل الضر؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة لم يكن ظلماً، وذلك نحو أن يميت الله صبياً قد ألقاه إنسان في النار فإنه لا يكون ظلماً؛ لأن هذه الإماتة كأنها من جهة غير الله تعالى.
قلت: وهذين القيدين لا حاجة إليهما لدخولهما في قيد الاستحقاق.
وقيل: حقيقة الظلم هو ما ليس لفاعله أن يفعله وهو دور؛ لأنا لا نعرف كونه ظلماً إلا إذا عرفنا أنه ليس لفاعله فعله، ولا نعرف أنه ليس له فعله إلا إذا علمنا أنه ظلم، ثم إنه ليس بمانع لدخول سائر القبائح كالكذب ونحوه؛ إذ ليس لفاعلها فعلها مع أنه ليس كل قبيح ظلماً.
قال السيد مانكديم: وقد قيل في حده: هو وضع الشيء في غير موضعه.
قلت: هذا معناه اللغوي كما مر.

قال السيد: وهو أبعد من الأول؛ إذ لو كان كذلك لكان يجب فيمن وضع منديله على ركبتيه، أو عظم أجنبياً كوالديه أن يكون ظالماً، وقد عرف خلافه، قال: فيجب أن يكون حقيقة الظلم ما ذكرناه إما لأنه موضوع له أصلاً، أو لأنه بكثرة الاستعمال فيه صار حقيقة كالغائط في قضاء الحاجة.
وقد استدل السيد مانكديم وغيره على صحة هذا الحد بأن من عرف الضرر بهذه الصفات عرفه ظلماً ومن لا فلا، ولهذا فإنهم لما اعتقدوا الضرر على هذا الوجه من الحية بدخولها جحر الفأرة وإخراجها منه قالوا: أظلم من حية.
قال السيد: وإذا استعمل في غير ذلك فمجاز، كما يقال للسحاب إذا مطرت في غير حينها: ظالمة، تشبيهاً بالظلم الحقيقي، لكن لا يجب في اللفظ إذا استعمل مجازاً في موضع أن يستعمل في غيره، بل يقر حيث ورد فلا يقال: ظلمت الريح أو النار.
وإذا عرفت حقيقة الظلم فقد اختلف في معنى ظلم آدم وحوا عليهما السَّلام .
قال الرازي: اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}[البقرة:35] هو أنكما إن أكلتما فقد ظلمتما أنفسكما؛ لأن الأكل من الشجرة لا يقتضي ظلم الغير، وقد يكون ظالماً بأن يظلم نفسه وبأن يظلم غيره، فظلم النفس أعم وأعظم، ثم اختلف الناس على أقوال: فقيل {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} لأنفسكما بإخراجكما من دار النعيم إلى دار الشقاء، أو بالأكل الذي نهيتما عنه، أو بالفضيحة بين الملأ الأعلى، أو بمتابعة إبليس أو بفعل الكبيرة كما ذهبت إليه الحشوية، أو الصغيرة كما يقوله أئمتنا والمعتزلة.
واختلف أبو علي، وأبو هاشم في وجه تسميته ظالماً لنفسه مع كون معصيته صغيرة، فقال أبو علي: لأنه ألزم نفسه ما يشق عليه من التوبة والتلافي، وقال أبو هاشم: بل بإحباط بعض الثواب الحاصل.
وقيل: إنما ظلما أنفسهما بترك الأولى وهو مبني على أن النهي للتنزيه، قالوا: ومثاله إنسان طلب الوزارة ثم إنه تركها فإنه يقال له: يا ظالم نفسه.

244 / 329
ع
En
A+
A-