وأما أن له الرجوع فيها متى شاء، وأنه إذا ضرب لها أجلاً كان له استرجاعها قبله؛ فلأنه قد ثبت أن حكمها حكم العارية، وحكم العارية أنه يجوز الرجوع فيها متى شاء مالها وإن ضرب لها أجلاً؛ لأنها إباحة والإباحة هذا حكمها، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((على اليد ما أخذت حتى ترد)) ولما في العلوم قال: نا محمد، نا الحكم بن سليمان، عن إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله: ((العارية مؤداة والمنيحة مردودة، والزعيم غارم)). قال أبو جعفر: العارية مؤداة يقول: إذا استعرت شيئاً يقول: فهي مضمونة عليك في ضمانك حتى تردها، والمنيحة مردودة الرجل يمنح الرجل الأرض يقول له: ازرعها، والشاة والبقرة يقول له: احلبها، يقول: فهي مردودة متى شاء، والزعيم غارم هو الضمين أو الكفيل، والحديث في (الجامع الكافي) وأخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة عن أبي أمامة يرفعه بلفظ: ((العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم)). وأورده ابن حزم من أوجه لكنه ضعفها؛ لأن خصمه احتج بها على ضمان العارية فأتى من حجة خصمه بالطرق التي يمكنه تضعيفها وردها، ولم يلتفت إلى كون الحديث في الصحيحين وهم يلتزمون صحة ما فيهما، وما كان ينبغي لمثله ممن يدعي الإنصاف والوقوف عند صحيح الأدلة إلا أن يذكر دليل خصمه من أي وجه جاء، ثم يرده إن كان ضعيفاً، أو يتأوله إن كان صحيحاً، وقد ثبت له خلاف ما يقتضيه ظاهره، أو يسلم أو يذعن للحق، لكن قل من نجده يسلم من هذا الداء، نسأل الله اللطف، ولنأتي بتلك الطرق التي ذكرها فإن فيها تقوية للطريق المذكورة في العلوم فنقول:

قال: واحتجوا -يعني على ضمان العارية- بما رويناه من طريق ابن أبي شيبة نا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم سمعت أبا أمامة الباهلي قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وآله- في حجة الوداع يقول: ((العارية مؤداة، والدين مقضي، والزعيم غارم)). إسماعيل بن عياش ضعيف.
وروينا أيضاً ((العارية مؤداة)) من طريق أحمد بن شعيب عن عبد الله بن الصباح، نا المعتمر بن سليمان سمعت الحجاج بن الفرافصة، حدثني محمد بن الوليد عن أبي عامر الهوزني، عن أبي أمامة، عن النبي -صلى الله عليه وآله-. الحجاج بن الفرافصة مجهول.
ومن طريق أحمد بن شعيب انا عمرو بن منصور، نا الهيثم بن خارجة، نا الحراج بن مليح، حدثني حاتم بن حريث الطائي سمعت أبا أمامة عن النبي -صلى الله عليه وآله-. حاتم بن حريث مجهول.
ومن طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن حيان الليثي، عن رجل منهم قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله- يقول: ((العارية مؤداة، والمنحة مردودة)). ابن لهيعة لا شيء.
ومن طريق البزار نا عبد الله بن شبيب، نا إسحاق بن محمد الفروي، نا عبد الله بن عمر، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله: ((العارية مؤداة)).
الفروي ضعيف، وعبد الله بن عمر هو العمري الصغير ضعيف.
فهذا ما ذكره ابن حزم من الروايات، وهي تؤيد ما تقدم، ولوقال: إن قوله مؤداة لا تدل على التضمين، لكان أولى من ترك الصحيح على أصله، وذكر الضعيف ليمكنه رده على أنه قد تأول اللفظة المذكورة بأنها إنما تدل على وجوب الرد لا على التضمين، لكنه علق التأويل على فرض الصحة، ولعله والله أعلم يخالف طوائف الفقهاء وأهل الحديث في الحكم على صحة ما في الصحيحين أجمع، ويقول إنها كغيرها فيها الصحيح، والسقيم، وما بينهما، وهو الحق.
هذا وأما تضعيفه إسماعيل بن عياش فغير مسلم كما مر.

وأما الحجاج فليس بمجهول، وقد ذكره في (التقريب) فقال: الحجاج بن فرافصة بضم الفاء الأولى وكسر الثانية بعدها صاد مهملة، الباهلي البصري، صدوق عابد يهم، من السادسة، وذكره في (الجداول) وقال العابد، وقال ابن معين: لا بأس به، توفي بعد المائة، احتج به أبو دود، والنسائي، وروى له محمد بن منصور في العلوم.
وأما حاتم فلعله اعتمد في الحكم عليه بالجهالة إلى قول ابن معين: لا أعرفه، وهو مستند ضعيف؛ لأن ابن معين لم يحط بكل شيء علماً، وعدم معرفته إياه لا يقتضي جهالته إذا كان قد عرفه غيره، وحاتم هذا قد وثقه عثمان الداري، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال في (التقريب): حاتم بن حريث الطائي المحزي بفتح الميم وسكون المهملة، حمصي مقبول من الرابعة، احتج به الأربعة إلا الترمذي، وروى له محمد بن منصور.
وأما ابن لهيعة فاسمع ما أقول فيه لتعرف مجازفة ابن حزم في قوله: إنه لا شيء، فنقول: هو عبد الله بن لهيعة -بفتح اللام وكسر الهاء- ابن عقبة الحضرمي الغافقي، أبو عبد الرحمن المصري، وقد تكلم عليه بعضهم ولا ذنب له إلا التشيع فإنه كان مجبولاً عليه، وقد أثنى عليه أهل الإنصاف، قال الثوري فيه: عنده الأصول وعندنا الفروع، وقال ابن مهدي: وددت أني سمعت من ابن لهيعة خمسمائة حديث وغرمت مالي، ونفى الغلط عنه أهل مصر وقالوا: لم يزل أول أمره واحد وهم أعرف به؛ لأنه كان قاضيهم وعالمهم، وقال ابن وهب: حدثني والله الصادق البار عبد الله بن لهيعة، وقال أحمد: كان صحيح الكتاب، وقال علامة العصر: عداده في ثقات محدثي الشيعة.
وأما قول المؤيد بالله في الرد لحجة بعض الخصوم قيل: في ابن لهيعة كلام فليس بجرح؛ لأنه إنما حكى أن بعضهم قد تكلم فيه، وهو صحيح كما أشرنا إليه، ولعله أراد بذلك إبطال حجة الخصم بما يلتزمه، توفي سنة أربع وتسعين ومائة، احتج به الجماعة لكن البخاري والنسائي لم يصرحا باسمه، وروى [له] أئمتنا الأربعة والسمان، وفي (المناقب).

وأما إسحاق الفروي فهو: إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن فروة الفروي المدني، مولاهم، قال في (التقريب): صدوق كف فساء حفظه، وفي هامشه عن أبي حاتم أنه قال: كتبه صحيحة وربما لقن بعد الكف، وقال أبو داود: إنه واه جداً.
قلت: قد عرفت أن سبب جرحه أنه كف بصره لا غير، والرجل من رجال البخاري في الصحيح وهو عندهم الغاية في الصحة، ولذا يسمون رجاله رجال الصحيح.
وأما عبد الله بن عمر، فقال في (الجداول): عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وذكر له رواية عن زيد بن أسلم وغيره ثم قال: قال ابن عدي: لا بأس به وأحمد أيضاً، وقال الدارمي: قلت ليحيى: كيف حاله في نافع؟ قال: صالح ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، خرج مع النفس الزكية، ولما أسره أبو الدوانيق قال له: أنت الخارج عليّ؟ قال: لم أجد إلا ذلك أو الكفر بما أنزل على محمد. توفي سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة، احتج به مسلم والأربعة، وروى له المؤيد بالله والمرادي.
فثبت بما ذكرنا أنه يجب رد العارية متى طلبها؛ إذ حكم النبي -صلى الله عليه وآله- بأنها مؤداة من دون تقييد شرط، وإنما قلنا: إنه لا يجب الرد إلا عند الطلب؛ لأنه لا خلاف أنه لا يجب قبل الطلب استصحاباً للإباحة، اللهم إلا أن يموت المعير فالواجب الرد أو تجدد العارية لانتقال الملك، وكذلك إن ضرب لها المالك أجلاً فإنه يجب الرد أو الاستئذان عند انقضاء مدة الأجل، وهذا واضح.
نعم وقوله صلى الله عليه وآله: ((والمنحة مردودة)) نص في وجوب رد المنحة ويقاس عليها ما أشبهها من السكنى وغيرها مما لا يحصل فيه وجه يقتضي التمليك، ولا يبعد دخول السكنى وما في حكمها في عموم المنحة والمنيحة. والله أعلم.
وأما حجة أبي حنيفة وأصحابه فقد عرفتها، ومثلها حجة الشعبي؛ لأن قوله: حتى يموت، بعد قوله: هي لك سكنى، يكون لغواً، وقوله: هي لك بمنزلة قوله: وهبتها لك.
والجواب: أن الظاهر إرادة السكنى تقدم لفظها أم تأخر.

وأما مالك فلم أقف له على حجة، ولعله يحتج بأن المالك قد أباح الانتفاع إلى انتهاء الأجل المضروب، وذلك يوجب ملك المنافع الحاصلة في المدة المضروبة.
والجواب: أن المنافع المباحة لا تملك إلا بالقبض والمستقبل منها غير حاصل فصح الرجوع فيه قبل قبضه، قال بعض المحققين: وأما الارتجاع متى شاء فإنه لم يهب الأصل ولا الرقبة، فلا يجوز من ماله إلا ما طابت به نفسه، فما دام طيب النفس فهو جائز، وإنما طيب النفس حال وجود الشيء لا قبله، وأيضاً شرط بقاء العارية مدة معلومة ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله -صلى الله عليه وآله- فهو باطل.
فإن قيل: له أن يحتج بترك ابن عمر الدار التي أسكنتها حفصة ابنت زيد الخطاب كما مر.
قيل: ليس في الأثر أنه تركها لتحريم أخذها، فلعله تركها صلة وبراً لحفصة وابنة زيد.
سلمنا فليس بحجة على أنه يحتمل أن حفصة أوصت لها بالسكنى، وهي تتأبد مدة حياة الموصى له كما سيأتي.
وأما الشافعي فلعله يحتج لما حكي عنه من منع الرجوع حيث أعار جداراً للبناء بأن الظاهر في مثله التمليك؛ لأن المطلوب بالبناء الدوام، ويجاب بما مر، وبأن لفظ العارية قرينة صارفة عن الظاهر.
وأما حجة ما ذكره الهادي في (المنتخب) فقال القاضي زيد حكاية عن بعض السادة: إن قوله: لم يجز له أن يخرجهم محمول على الكراهة؛ لأنه إخلاف للوعد وتغرير للمعار وعدول عن الوفاء، وأما من طريق الحكم فله ذلك؛ لأن المرء أولى بملكه من المعار لا خلاف فيه، وقد نص في (الأحكام) على أنه إذا أعار عرصة إلى وقت كان له أن يسترجعها، ووجه الكراهة قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[المائدة:1] وقوله صلى الله عليه وآله: ((المؤمنون عند شروطهم)). والمراد بالحدث الذي ترتفع معه الكراهة إضرار المسلمين والمطابقة مع البغاة والفاسقين.
قلت: ويؤيد التأويل ما مر عن الوصي فيمن بنى بأرض قوم بإذنهم.

تنبيه وما تقدم من الخلاف في السكنى، فإنما هو إذا أسكنه في حال حياته، فأما إذا أضاف ذلك لبعد الموت فمن أجاز الوصية بالمنافع صححها وهم الأكثر ومن لا فلا، ولم أجد من نفى صحة الوصية غير ابن أبي ليلى قال: لأنها معدومة لنا عموم قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}[النساء:11] وقوله: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ}[البقرة:181] وعدمها لا يمنع صحة الإيصاء بها كما لا يمنع المعاوضة عليها.

فرع
وطريق إخراجها من الثلث أن تقوم الدار الموصى بها مسلوبة المنافع، فما زاد على قيمتها مسلوبة فهو الوصية فينسب من التركة، ذكره في (البحر) قال: وإن شئت قوّمت المنفعة وحدها على الدوام.
قال الإمام المهدي: وهو كالأول.
هذا إذا أطلق الوصية، وأما إذا أوصى بها مدة معلومة فيكون تقويم الدار كاملة المنافع ومسلوبتها المدة المضروبة فما نقص من قيمتها كاملة فهو الوصية، وإن شئت قوّمت المنفعة هذه المدة وهي الوصية فتنسب من التركة.

فرع
وإذا أوصى بالسكنى مؤبدة أو أطلق صحت الوصية، واستحقها الموصى له مدة حياته ولا تورث عنه، بل ترجع لوارث الموصي عن أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وهو المصحح للمذهب؛ إذ لا تورث المنافع، ولما مر من أن السكنى لا تكون ملكاً عند أهل اللغة.
وقال الإمام يحيى: بل يستحقها ورثته؛ إذ تورث المنافع كالأعيان، ولعموم ما مر، وفي كلام بعضهم أنها إن خرجت مخرج الإباحة لم تورث عنه، ولا يصح منه الإيصاء بها ولا تأجيرها، وذلك نحو أن يوصي أن يسكنوا فلاناً داره ما بقيت، وإن خرجت مخرج التمليك نحو أن يقول: منفعة كذا لفلان فتورث عنه، وله إيصاؤها وتأجيرها كمن نذر عليه بالمنفعة، قال الإمام المهدي: وعلى الأول يحمل قول من منع الموصى له بالمنفعة من التأجير والإيصاء والميراث.
قلت: الظاهر من كلام الهدوية المنع على كل حال؛ لأن الوصية والهبة بالمعدوم لا تكون تمليكاً وإنما هي إباحة فقط، قالوا: ولذا خالفت النذر بالمنافع من أنه يملك ويورث كالوقف؛ لأن التمليك في الوصية حقيقي، فلا يصح بالمعدوم بخلاف الوقف.

فرع
وإذا أوصى بسكنى دار أو خدمة عبد وهو لا يملك غير الموصى به كان للموصى له سكنى ثلثها إلى موت الموصى له عند أبي طالب، والقاضي زيد، والحنفية وهو المذهب إما بالمهايأة، أو يقسم أثلاثا؛ إذ المستحق ثلث المنفعة، وقال الأستاذ وأبو جعفر: بل يعتبر الثلث بالتقويم فيسكن ثلثها إلى أن يموت، أو يبلغ أجرة سكنى ذلك الثلث قدر قيمة ثلث الدار.
ووجه قولهما: أن الوصية نافذة من ثلث التركة ورقبة الدار من جملتها.

المسألة الثانية [في الجنة والنار وخلقهما]
احتج القائلون بوجود الجنة والنار الآن بإسكان آدم وحواء الجنة، وإخراجهما عنها بالزلة كما في هذه الآية وغيرها.
ووجه الاستدلال بها من وجوه:
أحدها: أن اللام في الجنة المذكورة في القصة للعهد ولا معهود غير دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها.
الثاني: ورود النقل المشهور بذلك، ومنه ما ورد في محاجة آدم وموسى عليهما السَّلام وهو مروي من طرق، أخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن أبي حاتم، والآجري في الشريعة، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وآله- قال: ((تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاه الله كل شيء واصطفاه برسالته؟ قال: نعم، قال: فتلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق)).
وأخرج عبد بن حميد في مسنده، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((احتج آدم وموسى فقال موسى: أنت خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، فأخرجت ذريتك من الجنة وأشقيتهم، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه وبرسالاته تلومني في شيء وجدته قد قدر عليّ قبل أن أخلق، فحج آدم موسى)).
وأخرجه أبو داود، والآجري في الشريعة، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمر بن الخطاب، والنسائي، وأبو يعلى، والطبراني، والآجري عن جندب البجلي، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات عن أبي موسى، وابن النجار من تأريخه عن ابن عمر.
ووجه الاستدلال بالخبر كالآية أن المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ الجنة إنما هو دار الثواب، وأيضاً المعاتبة على التسبب لخروج ذريته من الجنة وإشقائهم يدل على ذلك؛ إذ لو كانت من جنان الدنيا لم تخل من شقاء، والقول بأنها جنة في السماء مما لا دليل عليه.

243 / 329
ع
En
A+
A-