والجواب والله الموفق للصواب: أن هذه الأسئلة من أعظم شبه المجبرة في نفي الحكمة عن أفعال الباري جل وعلا، ومنع الحسن والقبح العقلي، ولذا هوّل الرازي بدعوى تعذر الجواب عليها إن رجع في ذلك إلى حكم العقل وذلك مجازفة، وتقوّل بالباطل، فإنه لا يمكن الجواب عنها وتنزيه الله عن العبث وفعل القبيح إلا بالرجوع إلى تحسين العقل وتقبيحه، وقد أجاب عنها أصحابنا في مختصرات كتبهم فضلاً عن المطولات، وقد ذكرنا فيما مر من كتابنا هذا ما فيه مقنع في إبطال هذه الأسئلة، وسنشير إلى ما تقدم في هذا الموضع، ونزيد عليه ما لا غنية عنه فنقول: أما كونه تعالى عدلاً حكيماً فقد مر الكلام عليه في السابعة من مسائل الحمد لله.
وأما إثبات الحسن والقبح العقلي فقد مر في تلك المسألة وفي السادسة من مسائل المقدمة، وهذا جواب إجمالي.
وأما الجواب التفصيلي عن كل واحد من الأسئلة فنقول:
الجواب عن السؤال الأول: أنه قد ثبت أن الله تعالى لا يفعل إلا لغرض كما مر في السابعة من مسائل الحمد لله، فوجب القطع بأن الله تعالى لم يخلق الخلق إلا لغرض وحكمة، وذلك الغرض لا بد أن يعود إلى الخلق لاستحالة النفع والضر عليه تعالى، وهو إما أن يعود عليهم بالضرر المحض، وهو باطل؛ لأنه يكون ظلماً، أو بالنفع المحض كالثواب، وكثير من النعم، والملاذ، وما يجري مجرى النفع، وهو التكليف والمصائب والآلام فإنها منافع دينية، ومصالح في التكليف، ومذكرة بعقاب الآخرة، وداعية إلى التوبة وغيرها من الطاعات، أو تعود عليهم بالضرر المستحق كعقاب الدنيا والآخرة، ويلحق بكل واحد من هذه الأقسام ما لا تتم إلا به كالإرادة، وعلى الجملة لا تعدو أفعاله تعالى ستة أقسام: المنعم عليه، والنعمة، وما لا يتم كونها نعمة إلا به من القصد، والمنتقم منه، والنقمة، وما لا يتم كونها نقمة إلا به من القصد، والثلاثة الأول متلازمة والأخيرة كذلك، ولا يصح في ابتداء الخلق إلا الثلاثة الأول؛ لأنه لا مستحق للضرر حينئذٍ، والمعلوم أنا نعلم بالعقل حسن الابتداء بالنفع وما يؤدي إليه، فيتحصل من ذلك القطع بأن الله تعالى متفضل بإيجاد الخلق أعني المكلفين من الجن والإنس؛ إذ الكلام فيهم والسؤال إنما هو عنهم، ومعنى التفضل عليهم هو تمكينهم من منافع غير مستحقة، وحسن ذلك معلوم ضرورة كما مر قريباً، وفي الفاتحة، وفي قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] وهذا قول العدلية جميعاً، وقد نبه الله على ذلك بقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56] وإلزامه تعالى إياهم عباداته عرض على الخير الذي هو الفوز بالثواب الدائم والسلامة من العقاب اللازم؛ إذ لا يكون الثواب والسلامة من العقاب إلا لمن عبده من المكلفين لما مر من أنه لا يحسن الابتداء بالثواب.
وقال قاضي القضاة: بل خلقهم لإظهار قدرته، ونحوه للهادي روى عنه في (البدر الساري) أنه قال: خلق الله الخلق لإظهار حكمته وإظهار قدرته؛ لأنه ليس من صفة الحكيم أن يستر حكمته ويفنيها، فلإظهار حكمته خلق الخلق ولم يكن بد مما يعيشون فيه فخلق ما فيها، فلما خلقهم كذلك لم يكن بد مما يأمرهم وينهاهم ويوفقهم على رشدهم وغيهم، ويبين لهم رضاه وسخطه، فلما فعل ذلك كانوا مأمورين ومنهيين فلم يكن بد من ترغيب وترهيب، فخلق النار ترهيباً وعقوبة للعصاة، وخلق الجنة ترغيباً وثواباً لأهل طاعته، وفيه عن فاطمة الزهراء+: وفطرها يعني الأشياء لغير فائدة زادته إلا إظهاراً لقدرته، ودلالة على ربوبيته، وإمداداً لأهل دعوته، ثم جعل الثواب على طاعته حياشة لعباده إلى جنته، ووضع العقاب على معصيته ذيادة لعباده عن معصيته.
وقد رد الإمام المهدي قول القاضي وقال: إنه بعيد؛ لأنه لا غرض له في إظهار قدرته؛ إذ لا تجوز عليه الرغبة في مثل ذلك؛ إذ يستلزم الحاجة ولا نفع للمخلوق فيه، فلا وجه لجعله غرضاً في خلق العالم.
وقال الرازي وبرغوث: بل خلقهم لا لغرض لنا ما مر.
وقالت المجبرة: بل خلقهم ليدخل بعضهم الجنة وبعضهم النار كقوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ}[الأعراف:179] فظاهرها يقضي بمقالتهم.
والجواب: أن الظاهر إذا خالف دليل العقل ومحكم الكتاب وجب العدول عنه، وظاهر هذه الآية كذلك، فيجب تأويلها والعدول بها عن ظاهرها، أما مخالفته لدليل العقل فلأنه تعالى لو ابتدأ خلقهم للنار وكان ذلك مراده تعالى لكان ظلماً والظلم قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح، أما أنه يكون ظلماً فلأنه ابتدأ بالضرر الخالص عن نفع يجبره، أو دفع ضرر، أو فى منه، ولا هو من باب المستحق على فعل متقدم يستوجبه به، وذلك هو معنى الظلم؛ لأن من عرفه بهذه الصفات عرفه ظلماً ومن لا فلا وإن عرف ما عرف، وأما أنه تعالى لا يفعل القبيح فذلك معلوم، وقد مر في الفاتحة.
وأما مخالفته لمحكم الكتاب فلأنه مخالف لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56] وهي عامة؛ لأنه تعالى نفى أن يكون خلق أحداً من الجن والإنس إلا لعبادته على وجه العموم، إلا أنا خصصنا من لم تكمل فيه شرائط التكليف بدليل وبقى ما عداه داخلاً في العموم، وإذا تقرر لك امتناع العمل بظاهر الآية التي احتجوا بها، وأنه يجب تأويلها، فلنأخذ فيما ذكره أئمة العدل من التأويل المقبول، الموافق لمحكم التنزيل ودلالة العقول، وقد ذكروا فيها أقوالاً:
أحدها: أن اللام على أصلها، والمراد بالذرء الذرء الثاني، وهذا رواه الشرفي عن القاسم والهادي.
الثاني: أنها للتعليل المجازي كما قال الزمخشري قال في قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ...}الآية[القصص:8]، فإنه قال: هذه اللام للتعليل كقولك: جئتك لتكرمني سواءً سواء، ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة؛ لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدواً وحزناً، ولكن المحبة والتبني غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله، قال: وتحريره أن هذه اللام حكمها حكم الأسد حيث استعيرت لما يشبه التعليل كما يستعار الأسد لمن يشبه الأسد، فكذلك يقال في هذه الآية لما كان نتيجة خلقهم استحقاقهم النار شبه بالداعي.
الثالث: ذكره المنصور بالله، والإمام المهدي، والإمام القاسم بن محمد وغيرهم من أصحابنا وهو أنها لام العاقبة وليست بلام العلة والغرض، وورود لام العاقبة في كلام العرب كثير كقوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}[القصص:8] ومعلوم أنهم التقطوه ليكون لهم قرة عين، لكن لما كانت عاقبته وما يؤول إليه أمره ذلك قال: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} ومثله: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً}[آل عمران:178] أي عاقبتهم ذلك، قال الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب
وقال آخر:
أموالنا لذوي الميراث نجمعها .... ودورنا لخراب الدهر نبنيها
قال المنصور بالله: ولا يصح أن تكون اللام في الآية للغرض والإرادة؛ لأن هذه اللام إنما تدخل في المصادر والأفعال المضارعة، وجهنم اسم جامد فلا يجوز دخول لام الغرض فيه؛ لأنه يقال: دخلت بغداد لطلب العلم أو لأطلب العلم، ولا يقال: دخلت بغداد للسماء والأرض لما كان اسماً جامداً، فإن عدلوا عن الظاهر وتأولوا معناها فليسوا بالتأويل بأولى منا، ثم ذكر أنها للعاقبة كما مر، ورجح على تأويلهم بموافقته لدليل العقل، ومحكم النقل.
وأما قوله في السؤال: لا سيما إذا كان عالماً أنه لا يستحق إلا الآلام.
فإن أراد بذلك آلام الدنيا فقد تقدم طرف من الكلام على حسنها في قوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}[الفاتحة:3]، وإن أراد ألم العقاب في الآخرة فليس كل الخلق يستحقونه، فكيف نقول: إنه لا يستحق بخلقه إلا الآلام، فإن أراد الجنس الصادق بالبعض فقد مر بيان حسن العقاب في الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ...}الآية[البقرة:7].
واعلم أن النيسابوري في حكايته لهذه الأسئلة قصر السؤال الأول على طلب الحكمة في خلق إبليس -لعنه الله تعالى- فقال: الأول أنه قد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني فَلِمَ خلقني؟ وما الحكمة في خلقه إياي؟
وجوابه: أن الحكمة في خلقك أيها اللعين هي الحكمة في خلق غيرك، وقد عرفتها، فهو متفضل عليك بذلك، ومحسن إليك بخلقه إياك؛ إذ خلقك حياً تنتفع كالإنسان، وإنما أتيت من جهة نفسك.
وأما علمه بما يصدر منك فلا يمنع كون خلقه إياك إحساناً؛ إذ العلم لا يحسن حسناً ولا يقبح قبيحاً كما مر عن القاسم بن إبراهيم في السابعة من مسائل الحمد لله.
وتحقيق الجواب أن نقول: قد تقرر في تلك المسألة، وفي الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] أن الإحسان المجرد عن الغرض سوى كونه إحساناً كاف في البعث على الفعل، ولو علم أن ذلك المحسن إليه لا يقبل إذا كان قد مكنه وهداه ودله على طريق الوصول إلى المنفعة، وإبليس بهذه المثابة فإن الله تعالى قد أنعم عليه بالخلق وعرضه على منافع عظيمة، ودله عليها، ومكنه منها، فاستحب العمى على الهدى، واختار الضلالة والردى، وهذا واضح.
قال الديلمي: وليست الخلقة موجبة لما صار إليه عدو الله من الضرر والشر لقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56]، بل الموجب له ما كان من سوء الاختيار بالاستكبار والتعزز بخلقه من النار، قال: وأيضاً إنما يقبح خلقه إذا علم صدور القبيح منه لو كان علمه موجباً للقبيح بحيث لا يمكن أن يقع منه خلافه، والأمر بخلافه، ولا غرض للقديم تعالى في معاقبة الخلق بغير حق {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ}[النساء:147].
قلت: وقد مر في الرابعة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] ما ذكره أصحابنا في تحقيق كون العلم لا يؤثر في المعلوم، ولا يمنع من وقوع خلافه، فارجع إليه.
والجواب عن السؤال الثاني: قد مر في السابعة من مسائل الحمد لله فإن فيها إقامة البرهان القاطع على حسن التكليف.
قوله: وكل ما يعود على المكلفين...إلخ.
قلنا: مسلم أنه يقدر على ذلك، لكنه لا يحسن لما مر من أنه لا يحسن الابتداء بالثواب.
فإن قيل: إذا كان التكليف تفضلاً لأنه تعريض على الخير، فهلا تفضل علينا بما يحسن الابتداء به من النعم، وقد قلتم إن من النعم ما يحسن الابتداء به وهو التفضل، ولو فعل ذلك لكان أرفق بالمنعم عليه لخطر التكليف، ولكون التفضل متيقن حصوله دون الثواب لتوقفه على القيام بما كلف به.
قيل: التكليف تفضل، والابتداء بالنعم التي يصح الابتداء بها تفضل، وليس لنا أن نقترح على الله اختيار تفضل على تفضل، بل أيهما فعل فهو محسن على أن التفضل بالتكليف أبلغ لتأديته إلى منافع عظيمة لا تنال إلا به.
وقولهم: إن التفضل متيقن. غير مسلم؛ لأنه غير واجب فمن أين يتيقن.
وقولهم: بخطر التكليف، باطل مع التمكين والدلالة وإزاحة العلل، وأيضاً لو ابتدأهم بالإحسان لم يكن لإحسانه قدر كما قيل: الإحسان بالمجان لا يعرف له قدر وامتنان، ولو لم تكن النار وأهلها لما عرف أهل الجنة قدرها؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، وهذا وجه مرجح لحسن توقف حصول النفع على التكليف والمشقة على الابتداء به.
والجواب عن الثالث: أنه زيادة في التكليف مضمومة إلى أصله.
والجواب عن الرابع: بأن عقاب العاصي حسن، كما مر في الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7].
والجواب عن الخامس والسادس: يؤخذ من الركن الرابع من الاستعاذة، وكذلك الجواب عن السابع -أعني أن ذلك كله زيادة في التكليف.
قال الديلمي: اعلم أن موضع التكليف هو الابتلاء والاختبار بالمشاق العظيمة، والأخطار الجسيمة، ولا شك أن التكاليف مع تبقية إبليس وإمهاله أشق، والابتلاء بها أعظم وهو في الثواب داخل.
قوله: لو كان العالم خالياً من الشر لكان خيراً.
قلنا: قد أنبأناك أن موضع التكليف الابتلاء والمشقة، فإذا كان امتزاجه بالشر زيادة في التكليف وبزيادته يعظم الثواب كان اختلاطه بالشر حسناً، وحينئذ يكون ذلك الامتزاج وعدم الخلو مما به يزيد التكليف المستلزم لزيادة الثواب خيراً لا شراً بهذا الاعتبار، ويكون وضع العالم على ما وضع عليه خيراً كله، ولو سلم أن في ذلك الامتزاج شراً فقد ثبت أن الله تعالى حكيم فلا يفعل ذلك إلا لحكمة، وهي ما ذكرنا من زيادة المشقة والابتلاء كما قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}[الأنبياء:35] ولأن بذلك يعرف قدر الخير؛ إذ يعرف الشيء بضده كما مر، ولذلك قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ}[الذاريات:49] قيل: أي الفقر والغنى، والحياة والموت، والصحة والمرض، فلولا الشر لما عرف الخير، ولسنا نريد بقولنا ولو سلم أن في الامتزاج شراً أن الله تعالى خلق إبليس لفعل الشر، فحاشا حكمة الباري وعدله عن ذلك فإنه لم يخلقه لذلك، ولم يرد منه إلا فعل الخير والعبادة، لكنه لما اختار الضلالة على الهدى سمي شراً بمعنى أنه فاعل للشر كما يقال للرجل الكثير فعل الشر: ما أنت إلا شر في شر.
فهذا جواب هذه الأسئلة وهي كما ترى أجوبة جلية واضحة، وبها يتبين بطلان قول الرازي ومجازفته في قوله: إنه لو اجتمع الأولون والآخرون ورجعوا إلى العقل لم يجدوا جواباً، بل يقال: لو اجتمع الأولون والآخرون ولم يرجعوا إلى حكم العقل بالتحسين والتقبيح لم يجدوا عنها جواباً، ولهذا فإن الرازي وأصحابه لما نفوا حكم العقل ولم يرجعوا إليه لم يجدوا لها جواباً، ولم يعرفوا منها خطأ ولا صواباً، بل سلموها مذعنين، وانقادوا لها طائعين، وإن لزم منها ما لزم من نسبة أفعال الله تعالى إلى العبث والظلم وسائر القبائح.
وأما حكايتهم عن الله تعالى أنه أوحى إلى إبليس: أنك ما عرفتني...إلخ، فلا نسلم صحتها لما مر في الثامنة من مسائل هذه الآية من أن إبليس كان عالماً بالله تعالى وعارفاً به، وقد مر عن الناصر عليه السلام في التاسعة من مسائل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً}الآية[البقرة:26]، أن إبليس كان عالماً بالله، وأن كفره إنما كان بمخالفة الأمر والاستكبار، وأيضاً ما مر من أنه كان من الملائكة، وأنه كان من أعلمهم وأكرمهم يدفع صحة هذه الحكاية.
واعلم أن بعض أصحابنا قد ذكر هذه الأسئلة وأشار إلى أن المجبرة هم الذين حرروها، لكنهم جعلوها على لسان إبليس؛ لأنه أقرب إلى التلبيس، قال: ولا شك أنه أستاذهم الذي أخذوا علمهم عنه.
قلت: هذه الأسئلة وإن لم تكن من كلام إبليس فهي من وسوسته، ومن جملة مكائده التي بها يصد عن طاعة الرحمن، ولعلها من عمل بعض البطالين النافين لحكمة أحكم الحاكمين كابن الراوندي ومن حذا حذوه، ولما رآها المجبرة مطابقة لهواهم في نفي حكم العقل تلقوها بالقبول، وقالوا مثل هذا مما لا تهتدي إلى حله العقول، وقد عرفت إمكان حلها وكيفية التخلص من ظلماتها. والحمد لله رب العالمين.