الوجه الثاني: أن قوله تعالى: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ}[الكهف:50] يدل على أنه لم يكن من الملائكة لاختلاف الجنسين.
وأجيب بما مر عن ابن عباس وغيره من أن الجن الذين كان منهم قبيلة من الملائكة، أو أنه سمي بذلك لكونه خازن الجنان، وجواب آخر وهو: أنه سمي بذلك لاستتاره، والإجتنان: الستر، قال ابن إسحاق: أما العرب فيقولون: ما الجن إلا كل من اجتن فلم يُرَ، ويمكن أن يقال: معنى {كان} صار أي صار من الجن، والمراد به أنه انتقل إلى أحكامهم، وصار كأحدهم بعد تلبسه بالمعصية.

ورد الجواب الأول بأن ظاهر سياق الآية يُشْعِرُ بتعليل ترك السجود بكونه جنياً، ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه من نوع لا من الملائكة، أو بكونه كان خازناً للجنة مع ما في ذلك من مخالفة الظاهر، فإن المتبادر من لفظ الجن ما لا يدخل تحت الملك، وعن الثاني بأنه خلاف الظاهر، وبأن القرآن قد فرق بين الملائكة والجن في قوله تعالى: {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون...}إلى قوله: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ}[سبأ:40،41] فوجب أن لا يكون إبليس من الملائكة بحال بعد إخبار الله تعالى بأنه من الجن، لا يقال الآية معارضة بقوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً}[الصافات:158] وذلك أن قريشاً قالت: الملائكة بنات الله، فدلت الآية على أن الملائكة تسمى جناً؛ لأنا نقول يحتمل أن بعض الكفار أثبت ذلك النسب في الجن كما أثبته في الملائكة، ويمكن أن تكون تسميتهم جناً بحسب أصل اللغة، لكن العرف قد خصص هذا الاسم بغيرهم كما قيل في الدابة ونحوها، وعن الثالث بأنه خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا لضرورة، ولقائل أن يقول: لا نسلم أن ترك السجود معلل بكونه من الجن؛ إذ لا يصح ذلك إلا لو كان الامتناع من الخضوع لله تعالى والامتثال لأوامره عام للجن أجمعين، وخاصية فيهم بحيث لا يقع من أحد منهم إيمان ولا امتثال البتة، والمعلوم أن فيهم المطيع والعاصي كغيرهم، وحينئذ يصح حمل الآية على الإخبار بأن إبليس كان من الجن، ولو قيل بوجوب حمله على ذلك لم يبعد لما مر عن ابن عباس وغيره، وظاهر الآية يدل على ذلك بدليل قوله: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}[الكهف:50] فيكون المراد من الآية الإخبار بأنه كان من الملائكة الذين يقال لهم الجن، فخالفهم في الطاعة بالخروج عن أمر ربه، وهذا معنى {فَفَسَقَ} ولو سلم احتمال التعليل فهو لا يمنع احتمال الإخبار، ولا بد في تعيين أحد الاحتمالين من دليل

وقد دل على إرادة احتمال الإخبار كلام المدعو له بالفقه وعلم التأويل، مع ما عضده من كلام الحجة بعد الرسول عند أهل التحصيل، وغيره من علماء الصحابة فمن بعدهم ممن يرجع إلى مثله في معرفة أسرار التنزيل.
الوجه الثالث: أن إبليس له ذرية لقوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ}[الكهف:50] والملائكة لا ذرية لهم؛ إذ لا أنوثة فيهم، وحصول الولد من غير اجتماع الذكر والأنثى خلاف الظاهر.
وأجيب بأنه لا يمتنع أن يركب الله فيه شهوة وإن لم يركبها في سائر الملائكة زيادة في تكليفه.
الرابع: أن إبليس مخلوق من النار، والملائكة ليسوا كذلك، بل خلقوا من نور، قال الرازي: لما روى الزهري، عن عروة، عن عائشة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله- أنه قال: ((خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار)).
وأجاب الطبري بأنه غير مستنكر أن يكون الله تعالى خلق الملائكة من أصناف شتى فخلق بعضاً من نور، وبعضاً من نار السموم، وبعضاً من غير ذلك، وليس في القرآن الإخبار عما خلق منه ملائكته، وإخباره عن إبليس بأنه مخلوق من نار لا يوجب خروجه منهم؛ لجواز خلق صنف من الملائكة من نار.
قلت: ويشهد له ما مر عن ابن عباس، وخبر عائشة إن صح فمحمول أنه أراد أن صنفاً من الملائكة خلقوا من نور جمعاً بينه وبين كلام ابن عباس؛ لأن له حكم الرفع؛ إذ ليس للاجتهاد فيه مسرح.
الخامس: أن الملائكة رسل الله لقوله تعالى: {جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً}[فاطر:1] ورسل الله يجب أن يكونوا معصومين لقوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}[الأنعام:124] فلما لم يكن إبليس رسولاً وجب أن لا يكون ملكاً.

وأجيب بأن الرسل بعضهم لا كلهم بدليل كلام علي عليه السلام السابق، فالتعريف في {جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً}[فاطر:1] للجنس الصادق ببعض الأفراد، وأيضاً عصمتهم ليست لذواتهم وإنما هي بجعل الله لهم، ولم يقم لنا دليل إلا على جعلها لبعضهم.

المسألة الثامنة [في كفر إبليس]
في الآية دليل على أنه لا يمتنع الكفر مع العلم؛ لأن كفر إبليس كان عناداً مع علمه بدليل ذمه وتوبيخه، واستناده في الامتناع إلى دعوى الفضل على آدم كما قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ}[ص:76]، وقيل: إن كفره كان مع الجهل بأن سلبه الله ما كان وهبه من العلم، فخالف الأمر ونزع يده من الطاعة، قال ابن عطية: الكفر عناداً مع بقاء العلم مستبعد، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء.
والجواب: أن دعوى السلب خلاف الظاهر، ولا وجه للاستبعاد مع أنه لا يتأتى على مذهب العدلية؛ لأنهم إن أرادوا بالجهل الذي كفر معه الجهل المطلق بأن لا يعلم الله، ولا وجوب طاعته بوجه من الوجوه، ولا ينبه على النظر لا بخاطر، ولا بدعاء رسول ولا غيره، فهو باطل؛ لأنه يكون من تكليف من لا يعلم، وحينئذ يكون ذمه وعقابه قبيح، والمعلوم أن الله تعالى قد ذمه وتوعده بالعقاب، وقد ثبت أن الله تعالى لا يفعل القبيح، فوجب القطع بعلمه، وإن أرادوا به الجهل من بعض الوجوه، فلا دليل عليه؛ إذ الظاهر من حال إبليس العلم بالله وبوجوب طاعته، على أنه لو كان كذلك فهو غير مسلوب العلم؛ لأنه يعلم الله من وجه آخر، ولتمكنه معه من النظر الذي يحصل به اليقين، وهذا على جهة التنزيل معهم، وإلا فعلم إبليس بالله تعالى وبوجوب طاعته مما لا سبيل إلى إنكاره، والمعصية مع العلم واقعة بالفعل كما تقع من علماء السوء، وفي الحديث: ((كم من عالم يهلك وعلمه معه)) أو كما قال، وقد رد هذا القول أبو حيان فقال: هذا فرعون كان عالماً بوحدانية الله تعالى وربوبيته دون غيره، ومع ذلك حمله حبه الرئاسة والإعجاب بما أوتي من الملك فادعى الألوهية مع علمه، وأبو جهل كان يتحقق رسالة النبي -صلى الله عليه وآله- ويعلم أن ما جاء به حق، ومع ذلك أنكر نبوته وأقام على الكفر، وكذلك الأخنس وأمية بن أبي الصلت وغيرهما ممن كفر عناداً.
قلت: كعلماء أهل الكتابين.

قال: وقد قسم العلماء الكفار إلى كافر بقلبه ولسانه كالدهرية والمنكرين رسالة النبي -صلى الله عليه وآله- وكافر بقلبه مؤمن بلسانه وهم المنافقون، ومؤمن بقلبه كافر بلسانه كفرعون ومن ذكر معه، فلا ينكر الكفر مع وجود العلم.
قلت: وفي الآية رد لما ذهب إليه الإمام المهدي من أن العاصي لا يختار المعصية إلا لعدم العلم، أو تجويز العفو، أو التسويف بالتوبة؛ لأن إبليس لعنه الله اختار المعصية مع علمه وإياسه من العفو وعزمه على ترك التوبة، كما يفيده ما حكاه الله تعالى في القرآن من أحواله، وقد ذكرنا حجة الإمام وجوابها في الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7].

المسألة التاسعة [دلالة عناد إبليس]
دل قوله تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى} على أن ترك إبليس للسجود كان مع القدرة، وزوال العذر؛ لأن الإبا هو الامتناع مع الاختيار، قال الشاعر:
فأما أن تقولوا قد أبينا .... فشر مواطن الحسب الإباء
وفي هذا رد لمذهب المجبرة؛ لأنهم يزعمون أنه أمر بالسجود مع عدم القدرة لانتفائها عندهم، فأبطل الله مقالتهم بقوله في إبليس: {أبى}؛ إذ لو كان غير قادر لامتنع أن يقال فيه: أبى، ويؤيده قوله بعد: {وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}[البقرة:34]؛ إذ لا يقال لمن لا يقدر على الفعل إنه استكبر عنه، ولا يوصف بأنه كافر، هذا مع ذم الله تعالى إياه على الامتناع والاستكبار، وتوعده بعذاب النار، والذم والوعيد لا يجوزان لمن عُدِمَ القدرة والاختيار.
وقد أجاب الرازي بدليل الداعي فقال: هل صدور ذلك الفعل عن قصد وداع أم لا؟
قلنا: بل عن قصد وداعٍ، وفاعلهما العبد، ولا يلزم التسلسل؛ لأن الإرادة لا تحتاج إلى إرادة.
وقد استوفينا الكلام على هذه الشبهة في المقدمة في سياق قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7].

المسألة العاشرة [قبح رد أوامر الله تعالى]
دلت الآية على قبح رد أوامر الله تعالى، والاستكبار عنها، وعظم موقعها عند الله.
قال ابن جرير: وهذا وإن كان من الله جل ثناؤه خبراً عن إبليس فإنه تقريع لضربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقياد لطاعته فيما أمر ونهى، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق، ويدخل في ذلك اليهود الذين كذبوا برسول الله -صلى الله عليه وآله- مع معرفتهم لصفته، وعلمهم بنبوته بغياً وحسداً، قال: فقرعهم الله بخبره عن إبليس، فإن فعله نظير فعلهم من التكبر والامتناع والحسد، هذا معنى ما ذكره ابن جرير، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وآله: ((ثمانية هم أبغض خلق الله إليه يوم القيامة: السفارون وهم الكذابون، والمختالون وهم المستكبرون، والذين يكنزون البغض لإخوانهم في صدورهم فإذا أتوهم تخلقوا لهم، والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله كانوا ابطاء، وإذا دعوا إلى الشيطان وأمره كانوا سراعاً، والذين لا يشرف لهم طمع من الدنيا إلا استحلوه بأيمانهم وإن لم يكن لهم ذلك نحو والمشاؤون بالنميمة، والمفرقون بين الأحبة الباغون للبراء الدحضة، أولئك يقذرهم الرحمن عز وجل)). رواه ابن حجر الهيتمي في الزواجر، ونسبه إلى أبي الشيخ، وابن عساكر، والدحضة: الزلقة استعارها لطلب العيب؛ لأن صاحبه يزلق به عن رتبته، والمعنى: أنهم يطلبون للبراء ما يسقط به منزلته.

المسألة الحادية عشرة [قبح الكبر]
دلت الآية على قبح الكبر وهو إجماع، وفي أمالي المرشد بالله عليه السلام : أخبرنا أبو بكر بن ريذة قراءة عليه، قال: أخبر أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثني حرمي بن الحفص السلمي ح قال: وأخبرنا ابن ريذة قال: أخبرنا الطبراني، قال: وحدثنا محمد بن محمد النمار البصري، قال: حدثنا عيسى بن إبراهيم البركي، قالا: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، قال رجل: يا رسول الله، إنه ليعجبني أن يكون ثوبي غسيلاً، ورأسي دهيناً، وشراك نعلي جديداً، وذكر أشياء حتى ذكر علاقة السوط، أفمن الكبر ذلك؟ قال: لا، ذلك الجمال، إن الله جميل يحب الجمال، ولكن الكبر من سفه الحق، وازدرى الناس)).
وفي صحيح مسلم: حدثنا منجاب بن الحرث التميمي، وسويد بن سعيد كلاهما عن علي بن مسهر قال منجاب: أخبرنا ابن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء)).
أما الطبراني فهو: سليمان بن أحمد بن أيوب، أبو القاسم الطبراني، قال في (التذكرة): مسند الدنيا، ولد سنة ستين ومائتين، وحدث عن ألف شيخ أو يزيدون، وأثنى عليه غير واحد، ووثقه الشيرازي، توفي سنة ستين وثلاثمائة، قال الذهبي: استكمل مائة عام وعشرة أشهر، وحديثه قد ملأ البلاد، روى له الموفق بالله وولده المرشد بالله.
قال في (التذكرة): وأبو بكر بن ريذة خاتمة أصحابه.

وأما علي فهو: ابن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور، الحافظ الصدوق، أبو الحسن البغوي، شيخ الحرم ومصنف المسند، عاش بضعاً وتسعين عاماً، قال أبو حاتم: صدوق، ووثقه الدارقطني وقال: مأمون، قال الذهبي: ومقته النسائي لكونه كان يأخذ على الحديث، قال: ولا شك أنه كان فقيراً، وحكي عنه أنه كان يعتذر بما تقتضي الحاجة إلى ذلك، توفي سنة ست وثمانين ومائتين، روى له الأخوان، والمرشد بالله، والسيلقي.
وأما حرمي بلفظ النسب فهو: ابن حفص بن عمر العتكي -بفتح المهملة والمثناة- أبو علي البصري، كذا في (التقريب) وقال: ثقة من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث أو ست وعشرين ومائتين، احتج به البخاري، وأبود داود، والنسائي، وروى له المرشد بالله.
وأما النمار، فقال في (الجداول): محمد بن محمد النمار عن محمد بن كثير وعمرو بن مرزوق، وعنه الطبراني، ولم يزد على هذا.
وأما عيسى فهو: ابن إبراهيم الشعيري بفتح المعجمة، البركي بكسر الموحدة وفتح الراء، أبو إسحاق البصري، قال أبو حاتم وابن حجر: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في (الكاشف): وثق، قال في حواشي (التقريب): ونسبت الأوهام إليه كما وقع للحافظ عبد الغني في الكمال فرده المزي وتبعه الذهبي، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين، احتج به أبو داود وأخذ عنه، وروى له المؤيد بالله والمرشد بالله.

239 / 329
ع
En
A+
A-