المسألة السادسة [تكليف من علم الله بكفره]
دلت الآية على حسن تكليف من علم الله أنه يكفر؛ إذ كلف إبليس مع علمه أنه يكفر، وهذه المسألة قد بسطنا الكلام فيها في المسألة الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] لكن الاستدلال بالآية لا يصح إلا بعد ثبوت عدل الله وحكمته، وقد دللنا على ذلك في الفاتحة.
المسألة السابعة [في الدلالة على أن إبليس كان من الملائكة]
في الآية دليل على أن إبليس كان من الملائكة إذا الاستثناء حقيقة في المتصل فلا يعدل عنه إلا لدليل، وفي المسألة خلاف، فذهب كثير من الفقهاء إلى أنه كان منهم، واختاره ابن جرير، ورواه هو وغيره عن جماعة من السلف منهم ابن مسعود، وابن عباس، وابن المسيب، وقتادة، وابن جرير، قال أبو حيان: واختاره الشيخ أبو الحسن، ورواه النسفي عن علي عليه السلام ، وقال ابن أبي الحديد: قال شيخنا أبو عثمان وجماعة من أصحابنا: إنه من الملائكة، وقال الحسن وابن زيد: لم يكن من الملائكة قط. ورواه أبو حيان عن ابن عباس، وهو قول الهادي، والإمام المهدي، ورواه الرازي عن بعض المتكلمين قال: لا سيما المعتزلة.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: الآية الكريمة فإنها تدل على كونه منهم من وجهين:
أحدهما: استثناؤه منهم، والاستثناء إخراج ما لولاه لدخل أو لصح خروجه، وهو حقيقة في المتصل فلا يعدل عنه لغير موجب.
ثانيهما: أن الأمر قد تناوله وإلا لما استحق الذم، ولا يتناوله الأمر إلا إذا كان من الملائكة.
قالوا: الاستثناء المنقطع شائع في اللغة.
قلنا: مسلم لكنه على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لدليل ولا دليل هنا، وما استندتم إليه في إخراجه منهم لا ينتهض دليلاً على ذلك كما سنبينه.
قالوا: نحن نلتزم بقاء الاستثناء على حقيقته من الاتصال، لكن ذلك لا يوجب كونه من الملائكة لجواز أن يكونوا غلبوا عليه، قال الزمخشري: {إِلاَّ إِبْلِيسَ} استثناء متصل؛ لأنه كان جنياً واحداً بين أظهر ألوف من الملائكة مغموراً بهم فغلبوا عليه في قوله: {فَسَجَدُوا} ثم استثني منهم استثناء واحد منهم، أو يقال: إنه لما نشأ بينهم والتصق بهم جاز أن يتناوله الخطاب، قال الهادي عليه السلام : وإنما جاز أن يجعل إبليس معهم في الأمر وإن لم يكن من جنسهم؛ إذ كان حاضراً لأمر الله لهم فأمره بالسجود معهم وإن لم يكن جنسه من جنسهم، وحاصله أنه مستثنى من المأمورين بالسجود، ولا يمتنع اختلاف جنس المأمورين بفعل شيء واحد.
قلنا: أما الأول فلا يصار إليه إلا إذا كان المغلوب ساقطاً عن درجة الاعتبار، أما إذا كان معظم الحديث فيه فلا، وأما الثاني فالمخالطة لا توجب ما ذكرتموه، ولهذا قيل: إن خطاب الذكور لا يتناول الإناث مع شدة المخالطة بين الصنفين.
قالوا: يجوز ألاَّ يتناوله هذا الأمر، ولكن الله تعالى أمره بأمر آخر لم يحكه في القرآن بدليل قوله: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}[الأعراف:12] فلا يكون داخلاً في الخطاب.
قلنا: خلاف الظاهر ولأن قوله تعالى: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ}[البقرة:34] بعد قوله: {اسجدوا} مشعر بأن المخالفة بسبب هذا الأمر.
الوجه الثاني: أن ظاهر الآية مؤيد بأقوال مشاهير السلف، وأئمة الشرع واللغة.
قال علي عليه السلام : (كلا ما كان الله ليدخل الجنة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً). رواه في (النهج).
وقال ابن جرير في تفسيره: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، قال: فكان اسمه الحارث، قال: وكان خازناً من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت.
أما أبو كريب فهو: محمد بن العلاء، وقد مر في الفاتحة.
وأما بشر فهو: ابن عمارة الخثعمي الكوفي المكتب، ضعفه النسائي ومشاه غيره، وقال ابن عدي: حديثه إلى الاستقامة أقرب، روى له المرادي والمرشد بالله، وفي (المناقب).
وأما أبو روق بفتح الراء وسكون الواو بعدها قاف فهو: عطية بن الحارث الهمداني الكوفي صاحب التفسير، قال في (التقريب): صدوق، وقال ابن عبد البر: وثقه الكوفيون بلا حرج، وصدقه أحمد، وأبو حاتم.
وأما الضحاك فقد مر.
قال ابن جرير: وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهاداً وأكثرهم علماً فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جناً.
وحدثنا به ابن حميد مرة أخرى، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاووس أو مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس وغيره بنحوه إلا أنه قال: كان ملكاً من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض وعمارها، وكان سكان الأرض فيهم يسمون الجن من بين الملائكة. ونسبه في (الدر المنثور) باللفظ الأول إلى ابن إسحاق في المبتدي، وابن جرير، وابن الأنباري.
أما ابن حميد فهو: محمد بن حميد بن حبان القمي، أبو عبد الله الرازي، الحافظ، قال ابن معين: ثقة كيس، وأثنى عليه أحمد وغيره، وقال البخاري: فيه نظر، وقال في (التقريب): حافظ ضعيف، وقال في الهامش: من بحور العلم، وذكر ثناء أحمد عليه قال: لكن ابن خزيمة قال: لم يعرفه أحمد كما عرفناه، توفي سنة ثلاثين ومائتين كما في التقريب، قال في حواشيه: وفي الميزان سنة ثماني وأربعين ومائتين وهو الصحيح فإنه روى عنه ابن جرير الطبري وقد ولد سنة أربع وعشرين ومائتين.
قلت: ومثل ما في الميزان ذكره في (الجداول).
وأما سلمة فهو: ابن الفضل الشيعي الأنصاري مولاهم أبو عبد الله الرازي الأبرش الأورق، قال في (التقريب): صدوق كثير الخطأ، وفي (الخلاصة) وغيرها: وثقه ابن معين، وقال مرة: ليس به بأس يتشيع، وقال البخاري: عنده مناكير، وضعفه النسائي، قال أبو حاتم: محله الصدق، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقاً صاحب مغازي بن إسحاق، توفي سنة إحدى وتسعين ومائة، احتج به أبو داود، والترمذي، وروى له أئمتنا الخمسة في (المناقب).
وأما ابن إسحاق فهو: محمد بن إسحاق صاحب المغازي.
وأما طاووس فهو: ابن كيسان اليماني الحميري، مولاهم أبو عبد الرحمن، قيل: اسمه ذكوان، وطاووس لقبه، له رواية عن الوصي في رواية المنصور بالله، وثقه ابن معين وغيره، قال علامة العصر: أجمع على جلالته وعظمته وزهده، وعداده في ثقات محدثي الشيعة، ما زال كامل آل محمد ملازماً لنعشه حتى دفن، توفي سنة ست ومائة بمكة، وقيل: بعد ذلك، احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الأربعة.
وأما مجاهد فهو: ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة، أبو الحجاج المكي المفسر، قال في (الجداول): صاحب العدل والتوحيد، وقال البستي: مجاهد ثقة بلا مدافعة، أجمعت الأمة على إمامته والاحتجاج به، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة عن ثلاث وثمانين سنة، وروي أنه مات ساجداً، احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الخمسة والناصر.
قال ابن جرير: وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله: (جعل إبليس على ملك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن؛ لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازناً.
وأما عمرو فهو: ابن حماد بن طلحة الكوفي النقاد عن أسباط بن نصر وغيره، قال ابن معين، وأبو حاتم، والذهبي: صدوق، ووثقه مطين، قال في (التقريب): رمي بالرفض، وقال علامة العصر: احتج به مسلم، وأبو داود، والنسائي، عداده في ثقات محدثي الشيعة، وقد اغتاض منه بعض النواصب، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة، روى له أبو طالب والمرشد بالله.
وأما أسباط فهو: ابن نصر الهمداني، أبو يوسف، ويقال: أبو نصر الكوفي، وثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال في (التقريب): صدوق كثير الخطأ يغرب، توفي في عشر الثمانين بعد المائة، احتج به مسلم والأربعة، وروى له المرادي، وأبو طالب، والمرشد بالله.
وأما السدي فهو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي -بضم المهملة وتشديد الدال- أبو محمد الكوفي، قال في (التقريب): صدوق يهم، ورمي بالتشيع، وقال ابن عدي: مستقيم الحديث صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، ووثقه أحمد، قال علامة العصر: كان من أتباع زيد بن علي والراوين عنه، مات سنة سبع وعشرين ومائة، روى له أبو طالب والمرشد بالله.
وفي (المناقب): وأما أبو مالك فاسمه غزوان الغفاري الكوفي، اشتهر بكنيته، ووثقه ابن معين وابن حجر، واحتج به الأربعة إلا ابن ماجة، وروى له المرادي.
وأما أبو صالح، فالظاهر أن اسمه ميزان وليس بمولى أم هانئ؛ لأنه يقيد فيما أحسب بمولى أم هانئ، قال في (التقريب): أبو صالح عن ابن عباس، اسمه ميزان البصري، مقبول من الثالثة، وهو مشهور بكنيته، ويحتمل أن يكون مولى أم هانئ، واسمه باذام بالذال المعجمة، ويقال آخره نون، وقيل: اسمه ذكوان، وله رواية عن علي، وابن عباس، وأم هانئ، وأبي هريرة.
وعنه سماك بن حرب، وعاصم بن بهدلة، والثوري، والكلبي، قال في (التقريب): ضعيف مدلس، واعترضه في الحاشية فقال: لا بد من تمام النظر والاحتياط، ثم حكى تضعيف البخاري وعبد الحق إياه، وقول النسائي: ليس بثقة، وقال إن ابن القطان أنكر على عبد الحق، وقال ابن معين: ليس به بأس إلا إذ روى عنه الكلبي، ثم حكى عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: لم أر أحداً من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ، قال المحشي: فهذا كلام إمام مشدد في الرجال يتركهم بأدنى جرح، وفي (الجداول) عن يحيى أنه زاد بعد كلامه هذا: وما سمعنا أحداً يقول فيه شيئاً، قال علامة العصر: هو عبّادة من خلص الشيعة، توفي في إمارة الوليد بن عبد الملك، احتج به الأربعة، وروى له أبو طالب وفي المحيط.
وأما مرة فهو: ابن شراحيل الهمداني، أبو إسماعيل الكوفي، يروي عن عمر، وابن مسعود وغيرهما، وعنه السدي وغيره، وثقه ابن معين، وقال في (الجداول): عداده في مبغضي الوصي، وقال في (التقريب): هو الذي يقال له: مرة الطيب، ثقة عابد من الثانية، مات سنة ست وسبعين، وقيل: بعد ذلك، احتج به الجماعة، وروى له أبو طالب، والموفق بالله، والمرشد بالله.
قال ابن جرير: وحدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا حسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض، قال: قال ابن عباس: وقوله: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ}[الكهف:50] إنما يسمى بالجنان أنه كان خازناً عليها، كما يقال للرجل: مكي، ومدني، وكوفي، وبصري، وقال ابن جريج وقال آخرون: هم سبط من الملائكة قبيلة، فكان اسم قبيلتهم الجن.
قال ابن جرير: وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن صالح مولى التوءمة وشريك بن أبي نمر أحدهما أو كلاهما عن ابن عباس، قال: إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض.
قال ابن جرير: وحدثت عن الحسن بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: {فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ}[الكهف:50]، قال: كان ابن عباس يقول: إن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، ثم ذكر مثل حديث ابن جريج الأول سواء.
وقال ابن جرير: حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ}[الكهف:50] قال: كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن، وكان ابن عباس يقول: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود، وكان على خزانة سماء الدنيا، قال: وكان قتادة يقول: جن عن طاعة ربه.
أما حجاج فهو ابن محمد.
وأما ابن جرير فهو عبد الملك، وقد مر ذكرهما في الفاتحة.
وأما صالح مولى التوأمة فهو: ابن نبهان المدني مولى التوءمة بفتح المثناة وسكون الواو وبعدهما همزة مفتوحة، قال ابن معين: ثقة حجة لكنه خرف قبل أن يموت، وقال في (التقريب): صدوق اختلط بآخره، قال ابن عدي، وعبد الله بن أحمد: لا بأس برواية القدماء عنه، قال في (التقريب): كابن أبي ذوئيب وابن جريج، وفي هامشه: أنه وثقه غير واحد، مات سنة خمس وعشرين ومائة، احتج به الأربعة إلا النسائي، وروى له المرادي والمرشد بالله، قال في (التقريب): وقد أخطأ من زعم أن البخاري أخرج له.
وأما شريك فهو: ابن عبد الله بن أبي نمير، أبو عبد الله القرشي المدني، وثقه ابن سعد وغيره، وقال في (التقريب): صدوق يخطئ، وقال ابن عدي: إذا حدث عنه ثقة فهو ثقة، وقال النسائي: ليس بالقوي، مات في حدود الأربعين ومائة، احتج به الجماعة إلا الترمذي، وروى له الأخوان والمرشد بالله، وقد أخرج معنى ما رواه ابن جرير عن ابن عباس: وكيع، والمنذر، والبيهقي في الشعب، وابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد، وذلك مبسوط في (الدر المنثور).
احتج الآخرون بوجوه:
أحدها: أن الملائكة معصومون على ما مر بيانه، وإبليس ليس بمعصوم، فوجب أن لا يكون منهم.
وأجيب بأن أدلة العصمة لم تتناول إلا بعضهم وذلك ظاهر، وفي تقسيم علي عليه السلام للملائكة" إلى أنواع ما يدل على ذلك، قال عليه السلام بعد ذكر خلقهم، ووصف حالهم ما لفظه: وأنشأهم على صور مختلفات، وأقدار متفاوتات، أولي أجنحة تسبح جلال عزته، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه، ولا يدّعون أنهم يخلقون شيئاً معه مما انفرد به، بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، جعلهم الله فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته، وأمدهم بفوائد المعونة، وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة، وفتح لهم أبواباً ذللاً إلى تماجيده، ونصب لهم مناراً واضحة على أعلام توحيده...إلى أن قال: ومنهم من هو في خلق الغمام الدلح، وفي عظم الجبال الشمخ، وفي قترة الظلام الأيهم، ومنهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء، وتحتها ريح هفافة تحسبها على حيث انتهت من الحدود المتناهية) ثم أخذ في وصف عبادتهم وإقبالهم على طاعة ربهم فقال: (قد استفرغتهم أشغال العبادة...)إلى آخر كلامه عليه السلام . رواه في (النهج) ولم يذكر فيه إلا عصمة النوع الأول، وأما الأنواع الأخر فليس في شيء منه ما يدل على عصمتهم، وإنما أخبر عليه السلام بما هم عليه من الطاعة والانقياد واليقين، وكل ذلك لا يدل على عصمتهم؛ إذ يجوز في غيرهم من المجتهدين في الطاعة وأهل اليقين أن يكون على نحو تلك الأوصاف، ولا يلزم من ذلك عصمته، بل قريب من أوصافهم موجودة فيمن ليس بمعصوم من البشر كبعض أهل البيت" وغيرهم من أهل الانقطاع إلى العبادة كابن أدهم والكينعي وأمثالهما.
قوله: لا ينتحلون، أي لا يدعون، والغمام: السحاب، والدلح بالحاء المهملة: الثقال، والشمخ: العالية، وقترة الظلام: سواده وهو بقاف مضمومة ثم مثناة من أعلى ساكنة، والهفافة: الساكنة الطيبة.