السابع: أن الأمر يقتضي اعتقاد وجوب المأمور به على الفور، ولا لفظ لذلك في الأمر فكذلك يقتضي فعل المأمور به على الفور لتناول الأمر له.
والجواب: أن ذلك قياس في اللغة فلا يصح.
الثامن: أن النهي يقتضي الكف عقيب النهي فكذلك الأمر.
والجواب بالفرق وهو أن المكلف به في النهي الترك، ومهما لم يستمر الترك في جميع الأوقات لم يعد ممتثلاً بخلاف الأمر فإن المكلف به فيه فعل ما له صورة مخصوصة، ففي أي وقت فعله فقد امتثل ثم إنه قياس في اللغة.
واعلم أن بعض الأدلة المذكورة ليست لغوية، وإنما هي شرعية كالرابع والخامس والبحث لغوي؛ إذ النزاع إنما هو في كون وضع الأمر للفور، ولا يعدل عنه إلا لدليل أولا، وأما في الشرع فالخلاف فيه أمر وراء ذلك، وقد ذهب إليه الجويني كما مر، والإجماع والاحتياط إنما يصلحان دليلان له، وكذلك الآية، وقد مر بيان وجه الاحتجاج بها، ويمكن أن يقال: أما الآية فهي دليل على أنه موضوع للفور؛ لأن الظاهر أن الملائكة فهموا الفور من الصيغة؛ إذ ليس في الكلام ما يقال إنهم سارعوا إلى السجود لأجله غير الأمر إلا أنه يقال: إذا قد ثبت أنه لم يوضع للفور وجب القول بأن الملائكة " إنما فهموا الفورية من شيء آخر غير اللفظ. والله أعلم.
وقد قيل: إن أمر الملائكة بالسجود ليس من محل النزاع؛ إذ محله إنما هو الأمر المطلق، وهذا مقيد بوقت معين بدليل: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}[الحجر:29].
احتج القائلون بالتراخي بوجوه:
أحدها: أن الأمر يقتضي إيقاع الفعل على الإطلاق من دون تخصيص بوقت دون وقت؛ إذ لو أراد الحكيم تخصيصه لبينه، وإلا كان تكليفاً بما لا يعلم وهو لا يجوز، فاقتضى ذلك أنه لم يرد به أول الأوقات، بل في أي وقت فعل فقد امتثل، وهذا هو معنى التراخي.
والجواب: أن البيان إنما يجب على الحكيم إذا أراد التعجيل لو لم يكن ظاهر الأمر يفيده، وأما أنه كان يدل عليه بوضعه فلا يحتاج إلى ذلك، ثم إن دليلكم كما أبطل اقتضاءه الفور فهو يبطل اقتضاءه التراخي؛ إذ حاصل ما أبطلتم به الفورية كونه لا يقتضي سوى إيقاع الفعل، واقتضاؤه لذلك لا يدل على أنه يستفاد منه التراخي فهو بمراحل عن مطلوبكم.
الثاني: أنه لو كان يقتضي الفور لكان إما بلفظه، وهو باطل؛ إذ لا ذكر للوقت في اللفظة، وإما بمدلوله وهو الوجوب، وهو باطل؛ إذ ليس من ضرورة الواجب التعجيل لجواز كون المصلحة في تأخيره، والعقل يجوز ذلك.
وجوابه بالمعارضة بأنه لو كان للتراخي لكان إما بلفظه... إلى آخر ما ذكرتم، والعقل يجوز كون المصلحة في التعجيل كما يجوز كونها في التأخير، فما أجبتم به فهو جوابنا.
الثالث:أنه لو اقتضى الفور لما كان من أوقعه في الوقت الثالث ممتثلاً، والمعلوم خلافه.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يكون ممتثلاً سلمنا فلدليل منفصل.
الرابع: أن الأمر جار مجرى الخبر لاشتراكهما في إفادة إيقاع الفعل في المستقبل، والخبر لا يقتضي وقوع المخبر عنه في وقت دون وقت اتفاقاً، فيجب في الأمر مثله.
والجواب: أنه قياس في اللغة، وبالفرق، فإن الخبر ليس المطلوب فيه الامتثال ولا إيقاع فعل، وإنما هو دال على وقوع أمر، أو لا وقوعه في المستقبل، ففي أي وقت وقع فقد حصلت الدلالة وكشف عن صدق الخبر، بخلاف الأمر فإن المطلوب به الامتثال، ولا يُعد ممتثلاً إلا بإيقاع المأمور به، ولا يأمن من فوته إن لم يعجل فيكون عاصياً إن فات، والإقدام على ما لا يؤمن قبحه قبيح.
الخامس: أنه لو قيل: اعط رجلاً درهماً، لم يختص برجل معين ولا درهم معين، بل له أن يعطي أي رجل شاء أي درهم، فكذلك لا يجب أن يعطيه على الفور لعدم الاختصاص بوقت دون وقت.
والجواب: أنه قياس في اللغة وبأن عدم التعيين في الرجل والدرهم مستفاد من تنكيرهما لا من الأمر، وبأنه احتجاج بمحل النزاع، وبأنه يعود على مذهبكم بالنقض.
السادس: أن فريضة الحج نزلت سنة ثمان وحج رسول الله -صلى الله عليه وآله- سنة عشر، فلو كان الأمر يقتضي الفور لما أخر النبي -صلى الله عليه وآله.
والجواب: أنه قد روي أنه كان حج قبل الهجرة، سلمنا فلعله أخره لعذر فلا يكون دليلاً على التراخي.
احتج القائلون بأنه وضع لمجرد الطلب لحقيقة الفعل فقط بأن ما ذكره الفريقان الأولان لا ينتهض على المطلوب فلا يفيد الأمر إلا طلب مطلق الفعل، والفور والتراخي موقوفان على القرائن الخارجية؛ لأنهما صفتان للفعل متقابلتان بالقلة والكثرة، والموصوف بالصفات المتقابلة المنوعة لا دلالة له على شيء منها.
والجواب: أن قولكم: فلا يفيد إلا طلب مطلق الفعل مصادرة؛ إذ مبناه على القطع بأن مدلول الصيغة طلب حقيقة الفعل من غير تقييد بفور أو تراخ، وهذا نفس مذهبكم، والخصم يدعي أنها للحقيقة المقيدة، لا يقال: قد دللنا على ذلك بقولنا: والفور والتراخي...إلخ؛ لأنا نقول ذلك إنما يفيد دلالة المصدر المشتق منه صيغة الأمر على الحقيقة فقط ولا يفيد عدم الدلالة عليها بالصيغة، وجائز أن تفيد الصيغة ما لا يفيده مصدرها، ورد بمنع إفادة الصيغة ما لا يفيدها مصدرها؛ لأن قولك اطلب مثلاً مختصر من أطلب منك ضرباً مقصوداً به الإنشاء، ولا دلالة للمصدر على غير الماهية فكذلك ما هو مختصر من هذه الجملة المشتملة على ذلك المصدر، وحاصله: أنه وضع لطلب الفعل صيغتان اضرب وافعل ضرباً، ولا شك أن المختصر والمطول سواء في إفادة المعنى، فالفور والتراخي خارجان عن مدلولي اللفظ سواء أتي فيه بلفظ المصدر أم بالصيغة الدالة عليه.
احتج الجويني على أنه للفور شرعاً بأنه أحوط من التأخير لإجماع من يعتد به على حصول الامتثال بتعجيله، وليس كذلك إيقاعه فيما بعد؛ إذ لا يؤمن معه الضرر.
وجوابه قد مر، وله أن يحتج بنحو: {سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}[آل عمران:133] {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}[البقرة:148] ونحوهما.
واحتج على التوقف لغة بأنه لا يعلم منها فور ولا تراخ.
حجة الباقلاني ما ذكره أبو طالب، واحتج به لهذا القول بأن ترك الواجب لا إلى بدل غير جائز، ولا يخرج عن كونه واجباً؛ إذ معنى الواجب ما يستحق الذم والعقاب بتركه، فإذا لم يجب فعله ولا فعل بدله خرج عن صفة الوجوب، وأما أن البدل هو العزم فلما تقرر عقلاً وشرعاً من أن العزم بدل عن كل واجب بتراخي ولا يتعين له بدل، لا سيما فيما يتعلق بالحقوق كقضاء الدين، ورد الوديعة ونحوهما، وإذا ثبت قيام العزم هنا قيام الفعل عند تعذره حكمنا بأنه بدل عن كل واجب يحتاج إلى بدل، وهذا مبني على أنه يجب على المأمور في أول الوقت، إما الفعل أو بدله كما حققه أبو طالب، وهو قول الباقلاني كما في (شرح الغاية).
والجواب: بمنع وجوب العزم وإذا لم يجب فلا يصح أن يكون ما ليس بواجب بدلاً عن الواجب، ولو سلم وجوب العزم فلا نسلم أنه بدل؛ إذ لو كان بدلاً لتأدى الواجب به وليس كذلك، وأيضاً المصلحة إنما هي فيما عين الله سبحانه وجوبه، ومعلوم أنه سبحانه لم يعين إلا الفعل المتصف بالوجوب كالصلاة دون العزم.
نعم وحجة القائلين بوجوب العزم وإن لم يكن بدلاً بأنه لو جاز تأخير المأمور به من غير عزم لالتحق بالنفل.
وجوابه ما مر من أن النفل يجوز تركه دون الفرض.
واعلم أن مقتضى كلام أبي طالب هنا والباقلاني أن الأمر للفور، قال في (شرح الفصول): والمراد أن الباقلاني يقول: إن الأمر المطلق يقتضي الفور، لكنه لا يقضي بالتأخير مع العزم، قال: وحاصله أن الواجب عليه في ثاني الحال إما الفعل، أو العزم، قيل: والظاهر أن هذا هو القول بالتراخي، أعني جواز التأخير لكن بشرط العزم، وهو اختيار أبي طالب.
احتج القائل بالاشتراك بأنه ورد في الشرع على الوجهين، والأصل في الكلام الحقيقة فوجب الاشتراك.
وأجيب بأنه لم يتبادر من ذلك إلا القدر المشترك فيكون حقيقة فيه.
احتج القائل بالوقف بأنه لو ثبت لثبت بدليل وهو إما العقل ولا مدخل له، أو غيره فهو إما أحادي فلا يفيد، أو متواتر ولم يوجد.
والجواب بأنه قد ثبت بالاستقراء أنه للفور أو التراخي أو للقدر المشترك بينهما، ولا يخفى على الناظر الراجح منها؛ لأنا قد استوفينا الأدلة وما ورد عليها.
قوله: إما أحادي ولا يفيد.
قلنا: بل يفيد؛ إذ الظن كاف في مدلولات الألفاظ كما مر في اقتضائه الوجوب.
فرع
ذهب القائلون بأنه للفور إلى أن من أخر عن أول أوقات الإمكان يكون عاصياً بالتأخير؛ لأن الواجب هو ما لا يجوز تركه، فلو جاز تركه في الزمن الأول لما كان متصفاً بالوجوب، واختلفوا في فعله في الثاني هل يكون بالأمر الأول أو لا، فذهب أكثرهم إلى أنه يجب في الثاني بالأمر الأول؛ لأن التقدير افعل في الوقت الأول وإن لم ففي الثاني، ثم كذلك إلى انتهاء التكليف.
وقال الكرخي، وأبو عبد الله: بل لا يجب إلا بدليل غيره، وظاهر حكاية الحاكم عن أهل الفور اتفاقهم على هذا، فإن الإمام المهدي حكى عنه أنه قال: ومن قال إن المطلق للفور فهو لا يجب فعله بعد التراخي إلا لدليل، ولم ينسب الإمام المهدي القول الأول إلا إلى الرازي.
والحجة لهؤلاء من وجهين:
أحدهما: أن الفور كالتأقيت، والمؤقت إذا فات وقته لم يلزم فعله بعد إلا بدليل آخر، فكذلك المطلق إن لم يفعل فوراً.
ثانيهما: أن مقدورات القدر لا يصح عليها التقديم والتأخير، والمأمور به من المقدورات التي يصح إيجادها فوراً، فإذا لم يوجدها المأمور ففعلها في الوقت الثاني فما بعده مستحيل، ولو فعل فالمفعول غيرها وهو غير مأمور به.
وحاصل هذا أن المقدورات تختص الأوقات كما مر.
وأجيب عن الأول بأنا لا نسلم أن الفور كالتأقيت؛ إذ التوقيت الأمر بالشيء في وقت معين، سلمنا فلا نسلم أن الموقت لا يجب قضاؤه إلا بدليل آخر؛ إذ النزاع في المسألة مشهور، وعن الثاني بما مر.
هذا وأما أهل التراخي فليس لإيجاد المأمور به عندهم وقت معين يجب إيقاعه فيه فيقال: هل هو بعد ذلك يحتاج إلى دليل أو لا، بل الأوقات سواء في إيجاب إحداث ذلك الفعل، لكن اختلفوا في المبادر هل يعد ممتثلاً أو لا، فذهب أكثرهم أنه يكون ممتثلاً لفعله ما أمر به فيكون كالمبادر بالزكاة قبل وقتها، وقال الأقلون: لا؛ لوضعه للتراخي فالمبادر غير ممتثل، هكذا حكى الخلاف بينهم بعض النظار، وأشار إليه في (جمع الجوامع) وقد أنكر إمام الحرمين وغيره كون أحد من أهل التراخي يوجبه حتى تكون المبادرة ممنوعة، وقالوا: لم يصر أحد إلى ذلك، وإنما المراد بكونه على التراخي أنه يجوز تأخيره لا أنه يجب فإن أحداً لا يقول ذلك، وقال بعضهم بعد أن حكى عن الأقلين: أن المبادر لا يكون ممتثلاً، وقد قيل إنه مخالف للإجماع، وإنما يتحقق الخلاف بين القائلين بالوقف، فذهب الأكثر منهم إلى أن المبادر ممتثل قطعاً لحصول الفعل منه فيخرج عن العهدة كما يخرج عنها من فعل الموسع عند من يقول: إن الوجوب يتعلق بأوله، وعند من قال: يتعلق بآخره، وحكي عنهم أن المؤخر لا يقطع بخروجه عن العهدة، وقال الأقل منهم بالوقف في المبادر والمؤخر في أنه هل هو ممتثل أم لا لاحتمال إرادة الشارع التأخير فلا يجزي التقديم، أو التقديم فلا يجزي التأخير، وهؤلاء يسمون غلاة الواقفية، والأولون مقتصدوهم.
قيل: وهذا سرف عظيم في الوقف، وقد نسبوا إلى خرق إجماع السلف والخلف لإجماعهم قبل حدوث هذا المخالف على استحقاق الثناء بالمسارعة، كما ورد به الشرع في قوله: {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ}[المؤمنون:61] ونحوها.
واعلم أن ما حكيناه من نسبة الخلاف إلى الواقفية في طرفي التقديم والتأخير هو الذي ذكره في (الفصول)، وأما في غيرها فالظاهر أن الخلاف بينهم إنما هو في التعجيل، فإن الغلاة منهم توقفوا في القطع بكون المبادر ممتثلاً؛ لجواز أن يكون غرض الآمر في التأخير.
قال ابن الصباغ: وقائل هذا لا يجوز فعله على الفور، لكنه خالف الإجماع، وقال الغزالي في (المستصفى): أما المبادر فممتثل مطلقاً، ومنهم من غلا فقال: يتوقف في المبادر، وقد طابق حكاية (الفصول) ما ذكره الصفي الهندي في نهايته فإنه قال: أما الغلاة فهم الذين توقفوا في المبادر والمؤخر في أنه هل هو ممتثل أم لا، ونسبوا إلى خرق إجماع السلف، فإنهم كانوا قاطعين بأن المبادر مسارع في الامتثال، ومبالغ في الطاعة، قال: وأما المقتصدون فهم الذين قطعوا بامتثال المبادر، وتوقفوا في المؤخر هل هو ممتثل أم لا، ثم منهم من قال بتأثيمه، ومنهم من لم يقل به، ثم منهم من لم يؤثمه، ومنهم من توقف فيه، مع القطع بأنه امتثل أصل المطلوب، وفي كلامه تحقيق لموضع الخلاف غير ما سبق.
تنبيه
الخلاف في المسألة إنما هو حيث ورد الأمر مطلقاً غير مقيد بفور ولا تراخ، فأما إذا ورد مقيداً بأيهما فإنه يجب حمله على حسب ما يقتضيه القيد، ولا نزاع في ذلك.
المسألة الخامسة [تكليف الملائكة]
دلت الآية على أن الملائكة" مكلفون، وكذلك الجن على القول بأن إبليس من الجن، والخلاف في ذلك مع الحشوية فقالوا: هم مضطرون، لنا الآية فإنه قد كلفهم السجود، وذم إبليس على الامتناع، ولو كانوا غير مكلفين لما استحقوا مدحاً ولا ذماً، وكم في القرآن الكريم من مدح الملائكة، وفيه أيضاً مدح صالحي الجن وذم عصاتهم، ثم إن معنى التكليف إما إلزام الشاق على قول، أو الإعلام بوجوب الواجبات وقبح المقبحات على آخر، وعلى أيهما فقد حصل معناه في الفريقين.