وأما الغضب فلا دليل على نفيه عنهم، بل الظاهر وقوعه منهم على من عصى الله تعالى، والمنفي عنهم إنما هو الغضب الممقوت لعصمتهم، ولقائل أن يقول: إنا وإن سلمنا أن لهم غضباً وشهوة فهو لا يقدح في تفضيلهم على البشر؛ لأن البشر يشاركونهم في الشهوة والغضب الجائزين عليهم ويختصون بشهوات أخر كشهوة البطن والفرج والغضب على من لا يستحق، والمعلوم أن من كانت دواعي القبيح في حقه أقل كان من فعل القبيح أبعد، ومن الوجوه العقلية أنهم سباقون إلى فعل الخيرات بخلاف البشر، والسابق أفضل بإجماع العقلاء؛ ولقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُون، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}[الواقعة:10،11].
ومنها أن أعمالهم المستوجبة للثواب أكثر لطول زمانهم، وأدوم لعدم تخلل الشواغل {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}[الأنبياء:20] وأقوم لعدم مخالطتها للمعاصي المنقصة للثواب، وأشق؛ لأن مسكنهم السماوات وهي محل الراحة والتنزه واللذة وهم مع ذلك سالمون من الآفات، مستغنون عن طلب الحاجات، والمعلوم أن من كان كذلك فإنه يكون ميله إلى الراحة والدعة أشد، والمعلوم من حالهم أنهم مع هذه الأسباب والدواعي إلى الترفه والنعيم مشتغلون بالعبادة، خاضعون خاشعون للمعبود جل وعلا، مشفقون كأنهم مسجونون، والأجر على قدر المشقة.
وأما الأدلة النقلية فآيات كثيرة منها قوله تعالى: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ}[الأنبياء:27] وقد مر الكلام عليها في الرابعة من مسائل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}[البقرة:30] ومنها ما سيأتي الكلام عليه في مواضعه، ومنها أنهم رسل الله تعالى إلى الأنبياء، والرسول أفضل من الأمة المرسل إليها، دليله الرسل من البشر فإنهم أفضل من أممهم، ولا يعترض بأنه يلزم أن يكون الفرد من آحاد الناس إذا أرسله ملك إلى ملك أفضل من الملك المرسل إليه؛ لأنا لا ندعي اطراد ذلك، بل خصصناه برسل الله، وذلك أنا وجدنا رسل الله من البشر أفضل من المرسل إليهم ضرورة، ولا وجه لتفضيله عليهم إلا كونه رسول الله فوجب اطراد هذه العلة بأن نقول: كل من أرسله الله فهو أفضل من المرسل إليهم لكونه رسول الله تعالى.
ومنها اطراد تقديم ذكر الملائكة على ذكر الأنبياء والمفضول لا يقدم على سبيل الاطراد.
قالوا: إنما قدمهم لتقدم وجودهم.
قلنا: لو كان كذلك لما اطرد كما لم يطرد تقديم ذكر من تقدم وجوده من الأنبياء وغيرهم.
ومنها قوله -صلى الله عليه وآله- حكاية عن الله تعالى: ((إذا ذكرني عبدي في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير من ملائه)) وهو يدل على أن الملأ الأعلى أفضل، وفيه أنه أحادي، وإن صح فهو لا يدل إلا على تفضيلهم على العامة لا على خصوص الأنبياء لما قيل من أن المراد بملأ العبد العوام.
ومنها إجماع أهل البيت" كما مر، واعترض بما مر من توقف الإمام عز الدين، وبأن في كلام بعض قدمائهم" ما يفيد بعمومه تفضيل الأنبياء كافة على الملائكة، وما يفيد تفضيل نبينا خاصة، فمن الأول قول الحسن بن يحيى: فأعطى الأنبياء من خزائن رحمته، وتفضيله، ومنّه وتوفيقه، وخصّهم برسالته، ورفعهم على خلقه مناً منه ورحمة وفضلاً. ذكره في (الجامع الكافي)، ومن الثاني قول علي عليه السلام في وصف نبينا صلى الله عليه وآله: المجتبى من خلقه. رواه في (النهج). وقول زيد بن علي: إنه ليس أحد أولى بالله ولا أرفع درجة عنده ممن ابتعثه، وقول القاسم: ونسأل الله أن يصلي على محمد عبده ورسوله المصطفى، وأمينه المرتضى، وخيرته من خلقه. وقول الهادي في صلاة الجنازة: ويستحب أن يقال قبل الصمد: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وخيرتك من خلقك. ذكره في (الأحكام).
احتج القائلون بتفضيل الأنبياء على الملائكة" بالعقل والنقل، أما العقل فمن وجهين:
أحدهما: أن الإنسان ركب تركيباً بين الملك الذي له عقل بلا شهوة وبين البهائم التي لها شهوات بلا عقل، فبعقله له حظ من الملائكة، وبشهوته له حظ من البهائم، فإن غلبت شهوته فهو من البهائم بل أضل لقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}[الأعراف:179] ولذلك استوجب النار دونها، وإن غلب عقله كان من الملائكة، وإذا كان عند غلبة الشهوة دون البهائم وجب بطريق قياس أحد الجانبين على الآخر أن يكون عند غلبة العقل أفضل (من البهائم).
ثانيهما: أن للبشر عوائق عن العبادة من شهوة، وغضب، ووسوسة، وحاجاتهم الشاغلة، ومع ذلك إن تكاليفهم مستنبطة بالاجتهاد والبحث، وطاعة الملك ليس لها موانع وصوارف، وتكاليفهم منصوص عليها لا مستنبطة بالاجتهاد، وهذا يوجب أن طاعة البشر أشق فيكون أفضل لقوله -صلى الله عليه وآله: ((أفضل الأعمال أحمزها)) أي أشقها، ويكون صاحبها أكثر ثواباً، وهذان الوجهان يصلحان حجة لمن يقول بتفضيل غير الأنبياء من البشر.
والجواب عن الوجه الأول: أنا لا نسلم أن الملك لا شهوة له كما مر، سلمنا فالقياس ممنوع؛ إذ لا يلزم من كونه أدنى من البهائم عند غلبة الشهوة أن يكون أفضل من الملائكة عند غلبة العقل، والقياس لا يصح من دون علة جامعة.
وعن الثاني بأنا لا نسلم سلامة الملائكة عن عوائق بنحو الشهوة والغضب كما مر، سلمنا فلا نسلم أن زيادة المشقة تقتضي التفضيل بدليل أن بعض الصوفية يتحمل من مشقة العبادة ما لم يتحمله النبي -صلى الله عليه وآله- ولم يقل أحد إنهم أفضل منه صلى الله عليه وآله، فثبت أن المشقة في تحمل العمل لا تعتبر إلا مع ما يصحبها من مشقة الإخلاص والمراقبة، وأجاب بعضهم بأن الأشق لا يكون أفضل إلا بعد المساواة في وجوه المصالح، ولعل في عبادة الملائكة مصالح لا تحصى، فلا تثبت أفضلية عبادة البشر وإن كانت أشق، ويمكن أن يقال: هذا الجواب احتمال قادح في التيقن لا الظن، فإن كانت المسألة مما يعتبر فيها اليقين فقد أفاد في منع هذا الوجه، وإن كانت مما يكتفى فيها بالظن فلا؛ لأن الظاهر أن الأشق يكون أفضل من دون اعتبار المساواة في المصلحة، ولا يلزم تفضيل أعمال الصوفية على أعمال الأنبياء للقطع بأن مشقة أعمال الأنبياء" أعظم لما ينالهم من مشقة الجهاد، وأذية الأضداد، ومشقة الإخلاص والمراقبة وغير ذلك.
وأما الحجج النقلية فآيات متعددة، وستأتي في مواضعها إن شاء الله، منها ما اشتملت عليه قصة آدم عليه السلام في هذه السورة فإنها تدل على تفضيل آدم على الملائكة من وجوه:
أحدها: أن الله تعالى جعل آدم خليفة له، والمراد منه خلافة الولاية بدليل قوله تعالى في داود: {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}[ص:26] ومعلوم أن أعلى الناس منصباً عند الملك من يقيمه مقامه في الولاية.
الثاني: كونه أعلم من الملائكة؛ لأنه علم ما لا يعلمونه، والأعلم أفضل لقوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}[الزمر:9].
الثالث: أنه أمرهم بالسجود لآدم عليه السلام والسجود نهاية التواضع، فلو لم يكن أفضل منهم لكان أمرهم بالسجود له قبيح؛ لأن تكليف الأشرف بنهاية التواضع للأدنى قبيح عقلاً؛ لما تقرر من أن تعظيم من لا يستحق التعظيم قبيح.
الرابع: أنه ذم إبليس، وأخرجه من الجنة، وحكم بكفره بسبب تكبره عليه.
والجواب عن الوجه الأول: أنه إنما يدل على أن آدم أفضل ممن في الأرض؛ لأنه إنما جعله خليفة فيها، ولا يدل على أنه أفضل من ملائكة السماء بحال.
وعن الثاني: بأنها لا تدل على أن آدم عليه السلام كان أعلم منهم بالأسماء، ولا تدل على أنه كان أعلم منهم بسائر الأشياء، ومن الجائز أن يكونوا عالمين بما لم يعلمه آدم عليه السلام .
وعن الثالث: بأن الأمر بالسجود لا يقتضي تفضيله لما مر من أن المراد بيان فضله لا تفضيله، على أنه قد مر عن كثير أنه إنما كان قبلة، أو أن السجود جار مجرى التحية.
وعن الرابع بأن ذم إبليس وتكفيره لعدم امتثاله أمر الله تعالى، وذلك لا يدل على كون آدم أفضل من الملائكة، فإن الملك قد ينكل ببعض خواصه حيث أمره بأمر يتعلق ببعض ضعفاء رعيته فخالف، ولا يدل ذلك التنكيل والإبعاد على كون ذلك الضعيف الذي هو سبب في التنكيل أفضل من خواص الملك ووجوه أصحابه.
واحتجوا أيضاً من السنة بما روي أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد -صلى الله عليه وآله- حتى أركبه على البراق ليلة المعراج، وبقوله صلى الله عليه وآله: ((إن لي وزيرين في السماء، ووزيرين في الأرض، أما اللذان في السماء: فجبريل، وميكائيل، وأما اللذان في الأرض: فأبو بكر، وعمر)). والمخدوم أفضل من الخادم، والملك أفضل من الوزير.
وأجيب: أن الخبرين من أخبار الآحاد، على أن الثاني معارض بما تواتر من أن وزير النبي -صلى الله عليه وآله- علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه في الجنة- والأول لو صح فهو لا يقتضي تفضيل محمد صلى الله عليه وعلى آله على جبريل عليه السلام لجواز أن يكون ذلك تواضعاً وللضرورة؛ لأنه قد ورد في بعض الروايات أن البراق استصعب حين أراد النبي -صلى الله عليه وآله- الركوب.
احتج من قال بتفضيل نبينا صلى الله عليه وآله خاصة بأن مقام محمد -صلى الله عليه وآله- عظيم كما دل على ذلك الآيات والأخبار، ويدل على ذلك حديث الأشباح، وما سيأتي في تفسير الكلمات التي تلقاها آدم عليه السلام من ربه، ولقوله -صلى الله عليه وآله: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض وألبس حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الملائكة يقوم ذلك المقام غيري)).
وفي الحديث: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما...)) الحديث. وظاهره العموم، وقد تقدم عن بعض قدماء العترة " ما يفيد اختيارهم ذلك.
احتج من نفى فضل الملائكة" بأنهم مضطرون إلى أفعالهم، وهو باطل لما سيأتي.
المسألة الثالثة [دلالة صيغة الأمر المذكور في الآية]
في الآية دليل على أن صيغة الأمر حقيقة في الوجوب؛ لأن الله تعالى ذم إبليس وحكم بكفره لعدم الامتثال، ووبخه وأنكر عليه في آية أخرى فقال: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}[الأعراف:12] وكل ذلك لا يجوز إلا على ترك الواجب؛ إذ لا تحسن مقابلة شيء من أقسام الأفعال بالذم على الإخلال به، ووصف تاركه بالكفر والعصيان غير الواجب، ألا ترى أنه لا يحسن عند العقلاء ذم من ترك المباح كالأكل والشرب، أو المندوب لا على جهة الاستخفاف، كالوتر، وقد تقدم الخلاف في المسألة في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[الفاتحة:6].
المسألة الرابعة [دلالة الأمر الفور]
ظاهر الآية يدل على أن الأمر للفور؛ لأن الملائكة بادروا إلى السجود عقيب الأمر بدليل الفاء فإنها تقتضي التعقيب بلا مهلة، وفي المسألة خلاف، فذهب إلى دلالته على الفور الهادي، والناصر، والمؤيد بالله، والقاضي جعفر، ورواه في (الجوهرة) عن أبي طالب وأحد قولي قاضي القضاة، وقال في (المقنع): هو الذي نصره قاضي القضاة في (النهاية)، وذكره الشيخ الحسن الرصاص في (الفائق)، ونسبه في (المقنع) أيضاً إلى كثير من العلماء، وأبي الحسن الكرخي، وجماعة أصحاب أبي حنيفة، وقوم من الظاهرية.
وفي (شرح الغاية): إلى الحنفية، والحنابلة، وجمهور المالكية، والظاهرية، وبعض الشافعية، وفي (المقنع) إلى أحد أقوال الشافعي، وفي (الفصول) إلى أبي حنيفة، ومالك وبعض أصحابهما، وقال: وقال المنصور بالله، والإمام يحيى بن المحسن، وأبو علي، وأبو هاشم، وأبو الحسين، وابن الملاحمي، والغزالي: بل هو للتراخي، وهو قول ابن الحاجب وأكثر المجبرة، وأصحاب الشافعي، وهو مروي عن الشافعي، والشيخ الحسن، وأبي طالب، قال في (المقنع): وهو محكي عن القاسم بن إبراهيم.
وقال الإمام يحيى، والإمام المهدي، والقرشي، ورواية عن الشافعي: ليس فيه إشعار بفور ولا تراخ إنما هو لمجرد الطلب، ولا يدل على أيهما إلا لقرينة، قال في (شرح الغاية): وإليه ذهب الغزالي، والرازي، والآمدي، وابن الحاجب، والبيضاوي، قال: والظاهر أن القول بأنه للتراخي يرجع إلى هذا القول، وأنهما قول واحد، وقال الجويني: بل هو للفور شرعاً وتوقف لغة، وقال الباقلاني: يجب الفور أو العزم على الفعل فيما بعد ثاني أوقات الخطاب، وهو مروي عن أبي طالب، وقيل: إنه مشترك بين الفور والتراخي فيجب الوقف عن حمله على أحدهما إذا تجرد عن القرينة، وقيل: بالوقف بمعنى لا ندري أنه هل وضع للفور أو للتراخي.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أن السيد إذا أمر عبده بفعل فأخر الفعل ولم يمتثل في الحال فإنه يستحق اللوم من جميع العقلاء، وليس ذلك إلا لفهم الفور من الصيغة.
فإن قيل: إنما فهم الفور من القرينة وهي ما علم من أن قصد السيد التعجيل، وإنما تمس الحاجة إلى ذلك بخلاف أوامر الحكيم فإن الغرض بها التعريض للثواب لا لحاجة، وهذا الغرض حاصل في أي وقت [فُعِلَ] فيه المأمور به.
قيل: لا نسلم بل فهم من الصيغة أن أوامر الحكيم وإن كان الغرض بها ما ذكرتم فالثمرة المقصودة منها لا تحصل إلا بفعل المأمور به، والمكلف غير واثق بالبقاء إلا ما بعد ثاني وقت الخطاب، وتأخير ما به ينال النفع العظيم مع خوف فوته مذموم عند العقلاء ولهذا أمر الله بالمسارعة إلى المغفرة، والمسابقة إلى الخيرات، ويقول: فوت الفرصة غصة، والحاصل أنا وإن سلمنا أن الفور إنما فهم من القرينة فالقرينة في أوامر الشارع موجودة، وهي ما ذكرنا من أن الثمرة لا تحصل إلا بالفعل وأن المكلف غير واثق بالبقاء، فعلى هذا يقال: أوامر الشرع تقتضي الفور إما بوضعها أو للقرينة.
الوجه الثاني: أنه لو جاز تأخيره عن أول أوقات الإمكان لالتحق بالنوافل؛ لأن المفروض جواز تأخيره إلى غير غاية ومع غير بدل، وهذا يخرجه عن حقيقة الواجب فيلحق بالنافلة لاشتراكهما في جواز الترك عن أول أوقات الإمكان لا إلى بدل.
والجواب بالفرق فإن النافلة يجوز تركها رأساً بخلاف الواجب، وأيضاً النافلة ليس لها حالة تتضيق فيها أصلاً، والمأمور به قد يتضيق فعله إن غلب على الظن أنه إن لم يفعل فات فيما بعد، وبالنقض بما إذا صرح بجواز التأخير نحو أن يقول للمكلف في أي وقت أتيت بالمأمور به فقد امتثلت، فإن هذا الوجه متحقق فيه، فما هو جوابكم فهو جوابنا.
الثالث: القياس على الإيقاعات والعقود، فإنها تفيد أحكامها في أقرب وقت، فكذلك الأمر بجامع أن كل منهما إنشاء.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن اللغة كانت توجب أن تكون هذه العقود كالأمر في أنها لا تتخصص بوقت دون وقت لعدم دلالتها على الأوقات، لكن الشرع أوجب فيها ذلك ولم نجد فيه ما يوجب في الأمر مثلها.
ثانيهما: بالفرق وهو أنه إنما وجب ذلك في العقود ونحوها لكونها إخباراً عن الحال لا عن المستقبل؛ إذ قول البائع: بعت إخبار عن رضاه بانتقال الملك إلى المشتري في الحال، بخلاف الأمر فإنه موضوع للدلالة على طلب وقوع المأمور به في المستقبل وليس خبراً، ولو سلم أنه خبر فهو مثل قولك: سيقوم زيد في دلالته على إنشاء وقوع الفعل في أوقات الاستقبال، فلا يصح قياسه على ما دل على الوقوع في الحال، وأيضاً هو قياس في اللغة وهو ممنوع.
الوجه الرابع: أن المأمور إذا فعل المأمور به في الثاني كان ممتثلاً وسقط عنه الفرض بإجماع الأمة ولم يجمعوا على سقوطه مع التراخي، والأخذ بالمجمع عليه أولى.
والجواب: أنا لا نسلم الإجماع سلمنا فلا يلزم فيما لم يجمع عليه أن يكون باطلاً لجواز دليل على صحته غير الإجماع، وقد قام الدليل على سقوطه إن فعل في الثالث كما سيأتي.
الخامس: أن التعجيل أحوط إذ لا يأمن الضرر بالتأخير.
والجواب: أن الأحوط اتباع الدليل، فما دل عليه من فور أو تراخ اتبعناه، وإذا دل الدليل على التراخي أمنا من ضرر التأخير.
السادس: أن المكلف إذا فعل في الثاني سقط عنه الفرض وارتفع عنه الذم، وذلك يمنع من تأخيره إلى الثالث؛ لأن الأفعال تختص الأوقات فما صح أن يوجده القادر في وقت لا يصح أن يوجده في آخر، وليس لنا دليل على أن مثل الفعل الذي يسقط به الفرض يقوم مقامه.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا فرع على إثبات الأعراض وأنها تختص الأوقات، وفي كل منهما نزاع ذكره أبو الحسين إن الأمر لم يوجب فعلاً معيناً إنما أوجب إيقاع ما له صورة مخصوصة من غير تعيين، فإذا وجد المكلف ما له تلك الصورة في الثاني أو الثالث كان ممتثلاً.