وفي أمالي أبي طالب: أخبرنا محمد بن بندار، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا قتيبة، عن إسماعيل بن عمر، عن رجل من بني سلمة ثقة، عن جابر أن ناضحاً لبعض بني سلمة اغتلم وكان ينضح عليه فصال عليهم وامتنع حتى عطشت نخيله، فذهب إلى النبي -صلى الله عليه وآله- فاشتكى ذلك إليه فقال -صلى الله عليه وآله: ((انطلق))، فذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم معه، فلما بلغ باب النخيل قال: يا رسول الله، لا تدخل فإني أخاف عليك منه، فقال النبي -صلى الله عليه وآله: ((ادخلوا فلا بأس عليكم منه، فلما رءاه الجمل أقبل يمشي وأصغى رأسه حتى قام بين يديه فسجد، فقال النبي -صلى الله عليه وآله: ائتوا جملكم فاخطموه، فأتوه فخطم، فقالوا: سجد لك يا رسول الله حين رآك، فقال: لا تقولوا ذلك لا تبلغوا بي ما لم أبلغ، فلعمري ما سجد لي ولكن الله سخره لي)).
وفي مناقب محمد بن سليمان الكوفي: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا غارم بن الفضل أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وآله- كان في نفر من أصحابه فجاء بعير فسجد له فقالوا: يا رسول الله، سجدت لك البهائم والشجر ونحن أحق أن نسجد لك، فقال: ((اعبدوا ربكم، وأكرموا أخاكم، فإنه لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد من دون الله، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أمرها أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود ومن جبل أسود إلى جبل أحمر لكان بحق لها أن تفعل)).

وغارم بالغين المعجمة من رجال المرشد بالله ذكره في (الجداول)، وقد روي حديث الجمل من طرق متعددة، فرواه محمد بن سليمان الكوفي، وأبو نعيم من حديث ثعلبة بن أبي مالك، وأحمد، والبزار، والدارمي، والبيهقي من حديث جابر، وأحمد، والحاكم، والبيهقي من حديث يعلى بن مرة، قال في شرح شفاء القاضي عياض: عن السيوطي بسند صحيح، ومسلم، وأبو داود عن عبد الله بن جعفر، وأبو نعيم، والبيهقي من حديث عبد الله بن أبي أوفى، ومحمد بن سليمان الكوفي عن أنس، والبزار بسند حسن عن أنس، وفي كثير منها ذكر السجود له صلى الله عليه وآله، وهو محمول على التسخير والتكريم لا السجود بمعنى العبادة، لكن في الاستدلال به على أن السجود على معنى التحية والتكريم كان مشروعاً إلى وقت نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم نظر؛ لأن لقائل أن يقول: إن سجود غير العقلاء لغير الله تكريماً ليس ممنوعاً، بل قد قيل: إن الممنوع إنما هو السجود من البشر، وهذا إن صح يدفع الإشكال في سجود الملائكة لآدم عليه السلام ويؤيده أنه لم يصح شرعاً سجود أحد من البشر لبعضهم الآخر، ويمكن أن يقال: الاستدلال إنما هو من قول الصحابة لما رأوا سجود الشجر والحيوانات: نحن أحق بالسجود لك، فإنه يدل على أن السجود على هذا الوجه لم يكن ممنوعاً شرعاً، ومن الجائز أن يكونوا قد علموه من شرع من تقدمهم، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجة في سننه، والبستي في صحيحه عن أبي واقد قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما هذا؟ فقال: قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك، قال: فلا تفعل فإني لو أمرت شيئاً أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه)) قال البستي: ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي عند الولادة

فيحملون نساءهم على القتب عند الولادة، وفي بعض طرق الحديث: ونهى عن السجود للبشر، وأمر بالمصافحة.
وروى الرازي، عن الثوري، عن سماك بن هانئ، قال: دخل الجاثليق على علي بن أبي طالب عليه السلام فأراد أن يسجد له، فقال له عليه السلام : اسجد لله ولا تسجد لي، وهو يدل على أن ذلك كان مشروعاً في شرائع الأنبياء المتقدمين لأنه قد قيل: إن الأساقفة هم العلماء، والجاثليق كان من علماء النصارى على ما تفيده حكاية قصته مع أمير المؤمنين عليه السلام وهو في (أنوار اليقين).
قلت: ولقائل أن يقول: لا حجة فيما رواه علماء اليهود والنصارى، ولا فيما فعلوه للعلم بتحريفهم الدين، وزيغهم عن شرائع النبيين، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وآله- أنه كذبهم في نسبة هذا السجود إلى الشرع، وذلك فيما رواه الرازي عن صهيب أن معاذاً لما قدم اليمن سجد للنبي -صلى الله عليه وآله- فقال: ((يا معاذ، ما هذا؟ فقال: إن اليهود تسجد لعظمائها وعلمائها ورأيت النصارى تسجد لقسسها وبطارقتها قلت: ما هذا؟ قالوا: تحية الأنبياء، فقال عليه السلام : كذبوا على أنبيائهم)).

واعلم أن للإمام المهدي عليه السلام كلاماً في معنى سجود الملائكة لآدم عليه السلام حاصله: إبقاء السجود على ظاهره وأنه كان لآدم على جهة التذلل والخضوع، وأنه لا منع من ذلك على الوجه الذي قرره عليه السلام وهو أنه قال: لو قيل إن الله تعالى أكرم آدم بتلك السجدة خضوعاً وتذللاً لم يبعد ولا تسمى عبادة إلا لو استمرت؛ لأن المرة الواحدة قاصرة عن غاية التذلل والخضوع؛ إذ غايتها المداومة والعزم على المعاودة في كل حال أريد به تعظيم المسجود له فيكون جواز السجدة الواحدة لغير الله مشروطة بأن تكون بأمر الله تعالى، وبأن لا يعزم على مداومتها ومعاودتها؛ لأنه لو جاز ذلك لم يبق للباري تعالى علينا مرتبة في التذلل والخضوع. هذا حاصل كلامه عليه السلام قال: وفيه مطابقة لظاهر قوله تعالى: {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}[الحجر:29] ولما اقتضاه تكبر إبليس عن السجود، ولما اقتضاه قوله تعالى: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً}[يوسف:100] وكونه مطابقاً لرؤياه؛ لأنه إنما رأى الكواكب سجدت له خضوعاً وتذللاً لا لله تعالى.

المسألة الثانية [تفصيل الأنبياء]
احتج من يقول بتفضيل الأنبياء على الملائكة بهذه الآية، وسيأتي بيان وجه الاستدلال بها.
والكلام في المسألة يكون في موضعين: الأول في ذكر الخلاف، والثاني في ذكر الحجج.

الموضع الأول في ذكر الخلاف
فنقول: ذهب أهل العدل كافة، قال ابن لقمان: إلا من شذ منهم إلى أن الملائكة" أفضل من الأنبياء" هكذا أطلقت الرواية عن أصحابنا، وقال الشرفي: هو قول أهل البيت" وشيعتهم والمعتزلة، ونسبه الرازي إلى المعتزلة، والباقلاني، والحليمي ومثله في (المواقف) وزاد: الفلاسفة، وزاد الرازي: جمهور الشيعة، وقال أكثر أهل السنة: بل الأنبياء أفضل، ونسبه ابن أبي الحديد إلى أهل الحديث والأشعرية، وفي (الأساس) إلى الأشعرية جميعاً وغيرهم في (المواقف) إلى الشيعة، قال في شرحه وشرح ابن لقمان: وأكثر أهل الملل.
وروى الإمام المهدي عن الإمامية أن الأنبياء والأئمة أفضل من الملائكة، ونحوه حكاه ابن أبي الحديد، وحكي عن قوم منهم والحشوية أن المؤمنين أفضل من الملائكة، وقيل: بتفضيل نبينا خاصة، وقيل: لا فضل للملائكة؛ لأنهم مجبرون، ومال إليه المفتي، هكذا نقل الخلاف.
وقد زيف ابن أبي الحديد نسبة القول بتفضيل الملائكة مطلقاً على الأنبياء مطلقاً إلى المعتزلة، وأتى لهم بتفصيل فقال في شرحه على (النهج): قال أصحابنا: نوع الملائكة أفضل من نوع البشر، والملائكة المقربون أفضل من نوع الأنبياء، وليس كل ملك عند الإطلاق أفضل من محمد -صلى الله عليه وآله- بل بعض المقربين أفضل منه، وهو عليه السلام أفضل من ملائكة أخرى غير الأولين، وكذلك القول في موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء" قال: والذي يحكيه قوم من أرباب المقالات أن المعتزلة قالوا: إن أدنى ملك في السماء أفضل من محمد -صلى الله عليه وآله- ليس بصحيح عنهم.
وحكى السيد محمد بن عز الدين عن بعض أهل البيت الوقف، وقد حكى الوقف أيضاً الإمام المهدي ولم يعين قائله، ومن القائلين بالوقف الإمام عز الدين قال في (المواقف): ومحل النزاع إنما هو في الملائكة العلوية السماوية، وأما السفلية الأرضية فلا نزاع أن الأنبياء أفضل منهم.

قلت: وقد مر في الأولى من مسائل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ}[البقرة:30] أنه لا دليل على إثبات الملائكة السفلية التي يعبرون عنها بالأرواح السفلية، بل قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلاَئِكَةٌ}الآية[الإسراء:95] يدل على أن الأرض ليست من مساكن الملائكة، وأنهم لا يستقرون فيها على جهة الحلول والاطمئنان، وفي كلام أمير المؤمنين عليه السلام ما يؤيد هذا.

الموضع الثاني في ذكر الحجج
وينبغي قبل الكلام على تفصيلها أن نتكلم في معنى الأفضلية من حيث هي، وقد تقدم فيها بحث مفيد في الثالثة من مسائل قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ}[البقرة:31] ونقول هنا: لا شك أن سبب الزيادة في الفضل لا يكون إلا من جهة شرف الحسب، أو كثرة الأعمال الصالحة حتى يكون صاحبها أكثر الناس ثواباً عند الله، أو حصول صفات الكمال النفسانية، كالشجاعة، والسخاء ونحوهما؛ إذ لا يقدر جهة للتفضيل من غير هذه الجهات.
إذا عرفت هذا فمعنى التفضيل بين الملائكة" وبين غيرهم إنما يكون باعتبار كثرة الثواب، وقد نص عليه الإمام المهدي فقال: معنى الأفضلية أنهم أكثر ثواباً، ومثله في شرح ابن أبي الحديد، وهو الظاهر من كلام أصحابنا وغيرهم؛ إذ المقصود بيان الأفضل عند الله سبحانه ولا فضيلة عنده تعالى إلا لمن كثرت عنده الأعمال التي يستحق بها الثواب والدرجة العالية، وقد نبه الله تعالى على هذا بقوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[الحجرات:13] وقوله: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى}[سبأ:37] وقوله: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ}[الكهف:46] إلى غير ذلك، فهذا ما يتعلق بهذا الموضع من بيان معنى الأفضلية.
وأما تفصيل الحجج فنقول: احتج أهل القول الأول بحجج عقلية، ونقلية، أما العقلية فمنها ما لا يجري إلا على قواعد الفلسفة ولم يحتج به إلا الفلاسفة، ونحن لا نرضى مذهبهم، ولا نعتمد على احتجاجهم، وإنما ذكرناه للتنبيه على أنه مبني على أساس منهار، وقد استدلوا بوجوه:

أحدها: أن الملائكة أرواح مجردة في ذواتها عن علائق المادة وتوابعها، فليس شيء من أوصافها وكمالاتها بالقوة، بل كمالاتها كلها بالفعل، بخلاف هذه النفوس الناطقة الإنسانية فإنها في مبدأ فطرتها خالية عن الكمالات، وإنما يحصل لها منها ما يحصل على سبيل التدريج والانتقال من القوة إلى الفعل، والتام أكمل من غيره.
الثاني: أن الروحانيات متعلقة بالهياكل العلوية المبرأ من الفساد وهي الأفلاك والكواكب المدبرة للعالم، والنفوس الإنسانية متعلقة بالأجسام السفلية الفاسدة، ونسبة النفوس إلى الروحانيات كنسبة الأجساد إلى الهياكل العلوية، فكما أن الهياكل أشرف كذلك الروحانيات.
الثالث: أنهم نورانيون والجسمانيات مركبة من المادة، والصورة والمادة طمأنينة مانعة عن الاستغراق في مشاهدة الأنوار الربانية.
الرابع: أن فيهم قوة على الأفعال العجيبة الشاقة كالزلازل، وإحداث السحب وأمثال ذلك بخلاف الجسمانيات.
الخامس: أنهم أعلم لإحاطتهم بما كان في العصر الأول وبما سيكون، وعلومهم كلية؛ إذ لا حواس لهم فعلية؛ لأنها مباد للحوادث حاصلة في ابتداء فطرتهم لتجردهم عن القوة آمنة من الغلط.

فهذه الوجوه التي احتج بها الفلاسفة، وهي مبنية على أن الملائكة" جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة، وقد أبطلناه في الأولى من مسائل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}[البقرة:30] وصححنا أنهم أجسام لطيفة، ثم إنا لا نسلم أن كمالات الملائكة كلها بالفعل، ولا أنهم يعلمون ما كان وما سيكون، وأيضاً النزاع بين المتكلمين إنما هو في التفضيل بمعنى كثرة الثواب، وبقي من الوجوه العقلية وجه سادس وهو: أن الملائكة عليهم[السلام] مبرؤون عن الشهوة والغضب الذين هما مبدأ الشرور والقبائح، ولا ريب أن المبرأ عن ارتكاب القبائح بأسرها أفضل من المرتكب لبعضها، واعترض بأنا لا نسلم براءتهم من الشهوة؛ إذ لو كانوا كذلك لما صح تكليفهم، والقول بأن لهم شهوة هو قول العدلية، حكاه عنهم الإمام المهدي عليه السلام قال: ولا نعلم كيفيتها، وقيل: في النظر والرائحة والسماع، قال عليه السلام : وأكثر الناس على أن لا شهوة لهم، وأجاب بما مر.
وقال الرازي: لا شهوة لهم إلى الأكل والشرب، بل شهوة التقدم والترفع بدليل قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا...}الآية[البقرة:30] وفيه نظر؛ إذ لا تدل الآية على أنهم سألوا لبقاء الرئاسة لهم، وإنما سألوا عن وجه الحكمة في خلق من يقع منه الفساد كما مر.

235 / 329
ع
En
A+
A-