المسألة التاسعة [في المعارف]
احتجت الأشاعرة بقوله: {إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} على أن المعارف والعلوم كلها مخلوقة لله تعالى.
أجابت العدلية بأن المراد لا علم لنا إلا من جهتك إلا بالتعليم أو بنصب الأدلة.
أجابت الأشاعرة بأن التعليم عبارة عن تحصيل العلم في الغير كالتسويد عبارة عن جعل السواد في الغير.
قلنا: لا نسلم بل هو عبارة عن إفادة الأمر الذي يحصل عنده العلم عند حصول الشرط وانتفاء المانع، ولذلك يقال: علمته فما تعلم، وذلك الأمر هو الدليل والله تعالى قد فعله.
قالوا: المؤثر في وجود العلم ليس هو الدليل، بل النظر وهو فعل العبد فلم يكن حصول العلم بتعليم الله تعالى وإنه يناقض قوله: {إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا}.
قلنا: قد نص علماء المعاني على أن للفعل ملابسات شتى فيسند إلى الفاعل حقيقة،وإلى غيره مجازاً كإسناده إلى المصدر،وإلى المسبب له ونحو ذلك.
إذا عرفت هذا فنقول: ما كان من العلوم من فعل الله، كالعلوم الضرورية فلا إشكال في إسناده إلى الله تعالى حقيقة، وما كان متولداً عن النظر في الدليل فهو يسند إلى الله تعالى وإلى الدليل على جهة المجاز العقلي من إسناد المسبب إلى السبب، وبهذا يدفع التناقض، وقد تقدم نحوه في إسناد الإيمان إلى الله تعالى في التاسعة من مسائل الحمد لله وغيرها.
المسألة العاشرة [معرفة المغيبات]
احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله، وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة.
فإن قيل: لِمَ لا يجوز القول بأن الله تعالى خلقها دلائل على أحوال هذا العالم؟
قيل: العقل لا يمنع منه كما جعل السحاب والرعد والبرق دليلاً على حصول المطر ونحو ذلك، لكن كونه تعالى خلقها كذلك يحتاج إلى دليل قاطع ولو كان لاشتهر، بل المشهور خلافه وهو تحريم إتيان المنجمين وتصديقهم فيما قالوا، وتكفير من أتاهم وصدقهم.
المسألة الحادية عشرة [في معرفة العليم]
العليم قد تقدم معناه في مسألة عالم، والحكيم قد تقدم أنه يكون من صفات الفعل بمعنى أنه لا يفعل القبيح كما مر في السابعة من مسائل الحمد لله، وبمعنى عالم ومحكِم بكسر الكاف ومحكَم بفتحها كما مر في مسألة عالم، وقد تقدم معناه لغة وعرفاً في الرابعة من مسائل بسم الله الرحمن الرحيم.
وقال الرازي: الحكيم يستعمل بمعنى العليم فيكون من صفات الذات، وبمعنى آخر وهو أنه لا اعتراض عليه في فعله فيكون من صفات الفعل، قال: والأقرب هاهنا الثاني هرباً من التكرار.
قلت: المعنى الثاني غير مسلم، ولا دليل عليه، وإنما بناه على تفسيرهم العدل الحكيم بأنه الذي لا يقبح منه ما يقبح من غيره، وقد أبطلناه في الفاتحة.
تنبيه
قد مر في مسألة قادر ومسألة عالم عن بعض أصحابنا أن في قدير وعليم مبالغة، وأجبنا بأن صفات الله الذاتية لا يتصور فيها مبالغة، لكنه روي عن ابن عباس ما يدل على المبالغة فيها وهو أنه قال: العليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمه، أخرجه ابن جرير.
المسألة الثانية عشرة [دلالة الآية على إمامة أمير المؤمنين]
قيل: في هذه الجملة دليل على إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام ووجه الاستدلال بها أن فيها دليلاً على أن الكمال في العلم أحد شرائط خليفة الله في الأرض؛ لأنه تعالى اقتصر في بيان فضل آدم على العلم، ويؤكده قوله تعالى في طالوت: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}[البقرة:247] فإنه يدل على أنه يجب في الخليفة أن يكون كاملاً في العلم والقوة، ولا شك أنه لم يكن بعد رسول الله -صلى الله عليه وآله- أعلم، ولا أقوى، ولا أشجع في مجاهدة أعداء الله من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- وإذا كانت شرائط الإمامة حاصلة له دون غيره فلا وجه للعدول عنه صلوات الله عليه وسلامه.
المسألة الثالثة عشرة [في تصفية القلوب]
في قوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}[البقرة:33] تخويف عظيم يوجب على العبد أن يجتهد في تصفية نفسه من القبائح كما ينزه ظاهره منها فإن الله لا يخفى عليه شيء مما أسرّه وأخفاه، ولله حاتم الأصم حيث قال: طهر نفسك في ثلاثة أحوال: إذا كنت عاملاً بالجوارح فاذكر نظر الله إليك، وإذا كنت قائلاً فاذكر سمع الله إليك، وإذا كنت ساكناً عاملاً بالضمير فاذكر علم الله بك؛ إذ هو يقول: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}[طه:46].
[البقرة: 34]
قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}[البقرة:34].
السجود في اللغة: التذلل والخضوع، وقال ابن السكيت: هو الميل، وقال الراغب: أصله التطامن والتذلل، ويشهد له قول الشاعر:
بجمع تضل البلق في حجراته .... ترى الأكم فيها سجداً للحوافر
يريد أن الحوافر تطأ الأكم، فجعل تأثر الأكم للحوافر سجوداً، وقال بعضهم:السجود ميل رأسه وانحنى، قال الشاعر:
سجود النصارى لأحبارها
يريد انحناءهم، قال أبو عبيدة: وأنشدني أعرابي من بني أسد:
…وقلنا له اسجد لليلى فأسجدا
يعني البعير إذا طأطأ رأسه، ويقال: غير ساجدة أي فاترة، قال الراغب: وجعل ذلك -يعني السجود- عبارة عن التذلل لله وعبادته، وهو في الإنسان والحيوانات والجمادات، ويكون بالاختيار وليس إلا للإنسان وبه يستحق الثواب، وبغير اختيار ويسمى سجود تسخير وهو للإنسان والحيوانات والنبات وعليه قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...}الآية[الرعد:15]، وقوله: {يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ}[النحل:48] فهذا سجود تسخير، وهو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم هذا معناه لغة.
وأما في الشرع فهو: وضع الجبهة على قصد العبادة، وفي كلام أبي حيان ما يدل على أن ذلك استعمال لغوي فإنه قال في ذكر معنى السجود لغة: وقال بعضهم: سجد وضع جبهته بالأرض.
قال الراغب: خص السجود في الشريعة بالركن المعروف من الصلاة، وما يجري مجرى ذلك من سجود القرآن وسجود الشكر.
وإبليس قيل: من الإبلاس وهو اليأس والإبعاد من الخير، وقيل: بل هو أعجمي وليس بمشتق. والإباء: الامتناع، والاستكبار: الاستعظام، وفي الآية مسائل.
المسألة الأولى [في السجود]
ظاهر هذه الآية وما في معناها وقوله تعالى في يوسف: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً}[يوسف:100] أن السجود لغير الله لا قبح فيه ولا منع ولو كان على جهة العبادة، وهذا الظاهر غير مراد اتفاقاً.
قال الرازي: أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة؛ لأن سجود العبادة لغير الله كفر، والأمر لا يرد بالكفر، وإذا كان السجود بهذا المعنى لا يجوز إلا لله تعالى وجب تأويل الآية، وقد اختلف العلماء في تأيلها فقال أصحابنا: لم يكن السجود لآدم وإنما كان لله تعالى، فإنهم لما رأوا تصويره ونفخ الروح فيه استعظموا قدرته سبحانه على تلك الخليقة فسجدوا إجلالاً لله تعالى وتعظيماً، حكى معنى هذا عنهم الإمام المهدي، وروى في (المصابيح) نحوه عن الهادي، والمرتضى وغيرهما من أئمتنا" وهو ضعيف لمخالفته الظواهر، ولو كان كذلك لما تكبر إبليس عن السجود ولما قال: أنا خير منه؛ إذ لم يعهد منه التكبر عن عبادة الله تعالى، وأيضاً لو كان كذلك لم يكن فيه فضيلة لآدم عليه السلام ، والمعلوم أنه يستدل بهذا السجود على فضله وعلو منزلته.
قيل: إن السجود كان لله تعالى وآدم كان كالقبلة.
فإن قيل: لو كان قبلة لقيل: اسجدوا إلى آدم؛ إذ لا يقال: صلى للقبلة بل إليها.
قيل: بل يقال ذلك، قال حسان:
ما كنت أحسب أن الأمر منصرف .... عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
أليس أول من صلى لقبلتكم .... وأعرف الناس بالقرآن والسنن
قالوا: المقصود من القصة شرح تفضيل آدم، ولهذا قال إبليس: {هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ}[الإسراء:62] أي بكونه مسجوداً له، وجعله مجرد القبلة لا يدل على أنه أفضل من الساجد بدليل أن الأنبياء كانوا يصلون إلى الكعبة، ولم يلزم أن تكون أفضل منهم، بل قد روي أن المؤمن أفضل منها.
قلنا: لا نسلم أن المراد بيان تفضيله على الساجد لما سيأتي بمجرد السجود له، بل به مع أمور أخرى، وقول إبليس: كرمت عليَّ، إنما كان بعد المعصية منه، ولا شك في تكريمه عليه حينئذٍ، ولو فرض أنه قاله قبلها فلا نسلم أنه كان من الملائكة، سلمنا فيحتمل تكريمه لكونه قبلة فقط لا مطلق التكريم، ولا مانع من تفضيله على الملائكة من هذه الجهة.
وقيل: إن المراد بالسجود الانقياد والخضوع، وقال محمد بن عباد المخزومي: كان سجود الملائكة إيماء، ورد هذان القولان بأن السجود في عرف الشرع هو وضع الجبهة على الأرض فيجب أن يكون في اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم التغيير، وقد مر نقل هذا المعنى عن أهل اللغة.
وقال كثير من المفسرين: كان السجود لآدم على وجه التحية والتكرمة له والعبادة لله تعالى وحده.
وعن ابن عباس: كانت السجدة لآدم والطاعة لله، وعنه قال: أمرهم أن يسجدوا فسجدوا له كرامة من الله أكرم بها آدم.
قال النيسابوري تبعاً للرازي: وأصح الأقوال أن السجود كان بمعنى وضع الجبهة لكن لا عبادة بل تكرمة وتحية، كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك بدل التسليم.
قال قتادة في قوله تعالى{وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً}[يوسف:100]: كان تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض، ويجوز أن تختلف الرسوم والعادات باختلاف الأزمنة والأوقات يعني أنه مما يجوز تغيره بالنسخ؛ لأن الظاهر من شرعنا أنه لا يجوز السجود لأحد ولو على جهة التحية والتكريم.
وفي (الثمرات): أَن السجود في ذلك الوقت كان تحيتهم، وامتد إلى وقت سجود إخوة يوسف.
وقال القرطبي: الذي عليه الأكثر أنه كان مباحاً إلى عصر رسول الله -صلى الله عليه وآله- وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل: نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد، فقال لهم: ((لا ينبغي أن يسجد أحد لأحد إلا لله رب العالمين)). هكذا رواه القرطبي، وقد روى قصة سجود الشجرة والجمل جماعة من أصحابنا والمحدثين.
قال محمد بن سليمان الكوفي في (المناقب): حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا إسحاق بن الفضل الهاشمي، قال: حدثنا المغيرة بن عطية، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: كان في رسول الله -صلى الله عليه وآله- خصال: لم يكن يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيب عرفه أو ريح عرقه، ولم يكن يمر بشجر ولا حجر إلا سجد له. فيما يظن إسحاق.
وفي (شفاء) القاضي عياض عن جابر: لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وآله- يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له. ونسبه الشارح إلى البيهقي.
وفي (شفاء) القاضي عياض عن بريدة ونسبه الشارح إلى البزار مسنداً قال: سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: قل لتلك الشجرة رسول الله يدعوك، قال: فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها فتقطعت عروقها، ثم جاءت تخد الأرض تجر عروقها مغيرة حتى وقفت بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وآله- فقالت: السلام عليك يا رسول الله، قال الأعرابي: مُرْها فلترجع إلى منبتها، فرجعت فدلت عروقها فاستوت، فقال الأعرابي: ائذن لي أسجد لك؟ قال: ((لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها))، قال: فأذن لي أقبل يديك ورجليك، فأذن له.
وروى في (الشفاء) أيضاً حديثه مع الراهب وهو أن النبي -صلى الله عليه وآله- خرج تاجراً مع عمه وكان الراهب لا يخرج إلى أحد، فخرج فجعل يتخللهم حتى أخذ بيد رسول الله -صلى الله عليه وآله- فقال: هذا سيد العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: لأنه لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً له ولا تسجد إلا لنبي. قال في الشرح: رواه الترمذي والبيهقي.